لقد كانت القاعة الكبيرة والفاخرة تكاد تنفجر من الضغط الحاصل من الأشخاص المجتمعين، لقد تم إلقاء عدد كبير من التقارير للوضع العام.
” لقد مر أقل من أسبوع وقد انتشر خبر خطوبة جلالتك كالنار في الهشيم .”
” هل هناك فرصة للاستفادة من هذا الأمر؟!”
” أختي، الأمر معقد، بمجرد إعلان الخطوبة رسمياً يجب البدء بإجراءات الطلاق من دي ألتان..”
“بذلك سوف أخسر حق الوصاية على أيان..”
تنهدت إيليت وهي تنظر للأشخاص الثمانية الذين يحيطون بطاولتها، لقد كانوا أكثر من تثق بهم.
” سيدتي، أليس هناك طريقة للمحافظة على وصايتك للسيد الشاب؟”
” الأمر معقد يا رين.”
” وفق القانون الإمبراطوري لا يمكن للأم استعادة الوصاية بعد الزواج من رجل آخر..”
” خصوصاً وهي متزوجة..”
” لمَ لا تُنقل الوصاية لي؟”
نظر الجميع لمصدر الصوت، فقد كان حضوره مهيباً وجميلاً، لقد كانت له ابتسامة مرحة لا تتناسب والوضع الجدي الذي كانوا فيه..
” تحياتي سمو الأمير الثاني، لكن كيف أتيت إلى هنا؟!”
” لقد التقيت بسموه في القصر الإمبراطوري، وأصر على القدوم..”
كان فيرمين الذي ظهر من خلف إيريك من تكلم بشعور عميق بالحرج، لكن إيريك وضع يده على كتفه وقال بمرح:
” كونت برانيت، لا تقلق.. ثم ليس وقت الرسميات..”
تحرك برشاقة وأخذ أقرب كرسي شاغر وجلس عليه باسترخاء بينما دخل فيرمين بحرج وجلس ليُستأنف الاجتماع، تكلم جيريمي بتركيز:
” ماذا يعني صاحب السمو بنقل الوصاية له؟ أليس بمجرد إعلان الخطوبة رسمياً تفقد إيليت حقها في وصاية الطفل؟”
رد إيريك بلامبالاة:
” ما يعني أن الدوقة لم تعد الآن وصية على الدوق الشاب..”
تنهد مارتن بشعور عميق بالبؤس وقال:
” لقد خسرت الوصاية، لقد بدأ الأقارب البعيدون لدي ألتان بالتحرك..”
“لدي سؤال..”
“….”
كان أسلوب إيريك أقرب لمحاولة جذب الجميع إليه، فتركز نظر الموجودين إليه، فابتسم بمرح وقال:
” من هو عراب الدوق الشاب؟”
إيليت التي غفلت عن الأمر تماماً، نظرت لإيريك نظرة ذات معنى فابتسم لها..
” عراب أيان هو لويس.”
“إذاً..”
ابتسم إيريك وهو ينظر لإيليت التي نظرت لأخيها بابتسامة لطيفة:
” لويس سوف يسلم وصاية أيان للأمير الثاني..”
” تصحيح، للدوق إيستروين..”
ضحكت إيليت بسخرية عميقة، لقد بدأت تفقد أعصابها مؤخراً، والعجيب أن هذا الرجل يساعدها، فكرت بشعور مؤلم..
‘ كيف استطاعوا قتلك في حياتي السابقة؟!..’
(ملاحظة مهمة: العراب هو الأب الروحي، وفي نظام العصور الوسطى لديه مسؤولية وحق التبني عندما يكون الطفل بلا وصي، ففي الرواية موقف لويس أقوى بسبب كونه أيضاً قريباً بالدم).
* * *
كان الجو هادئاً في المكتبة الكبيرة والمليئة بشتى أنواع الكتب القديمة والحديثة حتى النادرة منها، وكان صوت جيريمي هو الوحيد الذي يُسمع في المكتبة، قطع شرحه صوت صغير..
” العم! ..”
التفت جيريمي لأيان الذي يمسك كتابه لكنه لا يبدو مركزاً، ثم نظر لدانيال الذي رمق والده بمعنى أنه لا يبدو بخير، فقال جيريمي بابتسامة:
” هل من أمر يشغل بالك؟!..”
” العم، ما معنى الحب الأول؟!”
“لمَ خطر السؤال على رأسك؟!..”
“اممم، سمعت أن الأمير الثاني كان الحب الأول لأمي..”
شعر جيريمي بالحيرة، كيف يجيب عن سؤال الطفل خصوصاً أن أذني دانيال ارتفعتا، فأخذ نفساً عميقاً وجلس في الكرسي الذي أمامهما وقال بابتسامة لطيفة:
” الحب الأول هو أول شخص يخفق قلبك له، مثلي أنا وخالتك إيلازا، فقد كانا يعرفان بعضهما عندما كانا صغيرين جداً.”
” هل ستحب والدتي الأمير أكثر مني؟!”
كانت نبرة أيان مهتزة واشتدت قبضته على كتابه، فربت جيريمي على شعر أيان وقال بلطف بالغ:
” أنت تعلم أنني أحب خالتك إيلازا، صحيح؟”
أومأ أيان بإيجاب فقال جيريمي:
” وتعلم أني أحب دانيال ولورينا..”
” أعلم..”
” لكن حبي لزوجتي يختلف عن حبي لأطفالي، ولا أستطيع المقارنة أبداً..”
هز أيان رأسه بإيجاب لكن ملامحه لم تتغير، فشعر جيريمي أنه لم يقتنع بعد فقال:
” من معرفتي بإيليت، أؤكد لك.. أنك أهم شخص في حياتها ولن تدخر أي جهد لأجل سعادتك..”
” لكنها ستتزوج..”
” أيان، هل تحب والدتك؟..”
” بالتأكيد أحب أمي وكثيراً..”
” ألا تحتاج والدتك لأحد بجانبها؟ خالتك لديها أنا، ولويس لديه الكونتيسة، وحتى الفيكونت ستانلي لديه زوجته، وعندما يكبر أيان سيكون لديه أيضاً شخص بجانبه..”
” لا أريد أحداً..”
عبس أيان بشعور عميق بالرفض، لقد أدرك كلمات زوج خالته لكنه ما زال يرفض فكرة ترك والدته له، لذا شعر جيريمي بالعجز وقال:
” يبدو أننا سننهي الدرس مبكراً، لنلتقي في الأسبوع القادم.”
بدون كلمات ترك أيان المكتبة، فأشار جيريمي لدانيال للمغادرة، فوقف دانيال بطاعة وأمسك بيد والده مغادرين المكان..
* * *
كانت إيليت تضع يدها على مكتبها وتنقر بقلق، تنهدت فيولا وجلست أمامها وقالت بهدوء:
” ستصعبين الأمر عليكِ وعلى الدوق الشاب..”
” لم أستطع الحديث كلمتين بشكل جيد معه منذ إعلان الخطوبة..”
” جلالتكِ، الأمر صعب على سموه لكن لا يجب التهرب من الأمر..”
” فيولا، أنا حقاً مشتتة تماماً..”
” تخشين أن تؤذينه؟”
نفخت بتعب ووضعت يديها أمامها وأغمضت عينيها..
” لا أريد أن أرى تلك العيون البائسة مرة أخرى..”
حاولت عدم تذكر ذلك، لحظة إعدام طفلها في حياتها السابقة كانت لحظة لا تزال مطبوعة بشدة في ذاكرتها، فقالت بتغيير للموضوع:
“ثم إيريك اقترح استعجال الزفاف..”
“…”
” لم أستطع شرح نفسي لطفلي حتى أستعجل في خطوة كبيرة كهذه..”
شعرت فيولا أنها أصبحت في هذه الفترة كمستشار عاطفي لإيليت، فكتمت حماستها وقالت بكل جدية:
” أنا أؤيد تسريع الزواج، ليحصل سموه على الدوقية ولنبدأ حشد القوة للإطاحة بآرثر…”
” أعلم أن الإطاحة بالإمبراطور هو هدفي الأول، لكن لا أريد أن يتأثر ولي العهد بالأمر..”
عبست فيولا، لكن إيليت التي استعادت جزءاً من عقلانيتها:
” فيولا، هذا الرجل هو المذنب في حق شعبك لا أنكر الأمر، لكن لا ذنب للأبرياء، لا أريد أن يتكرر ما حصل في وينتر..”
” وكيف سنفعل ذلك، يجب أن يكون هناك تضحيات..”
” لا حرب بدون دماء، لكن لنحاول تقليل الخسائر..”
” يبدو أن شقيقاي يتعلمان من جلالتكِ..”
” لم أفهم.”
” لقد تحدثت مع كليهما بالأمر وكما تكلمتِ، لا ذنب للأبرياء، لذا سأفعل كل ما يلزم لتدمير آرثر بأقل الخسائر..”
“…”
” لقد أهدرت الكثير من الدماء البريئة في وينتر، لكن قتل المزيد لن يعيدهم ولن يجعل أرواحهم تهدأ..”
” بدل التفكير الآن بالهدم، لنفكر كيف سنبدأ بإعمار وينتر من جديد.”
” لنقل الآن هوزان..”
“…”
” حتى لو كنا آخر ما تبقى من الأسرة المالكة، لكن اكتساب ثقة الشعب يحتاج للكثير..”
” سأدعمكما بكل قوتي..”
” جلالتكِ، إذا كنتِ تقصدين دعماً مالياً أو عسكرياً، فستكون مشكلة..”
“…”
” ألتان كان أحد أهم من ساهموا في تدمير وينتر، لذا القبول سيكون صعباً، سنكون بخير بوجود جلالتها خلفنا، وعندما نحتاج لعون فأول من يساعد بالتأكيد هي ألتان..”
ابتسمت إيليت بلطف لفيولا، فقد كانت شخصاً مقرباً لها جداً طوال السنوات الخمس، كانت علاقتهما أقرب للصداقة من كونها سيد وتابع..
” سأدعمكم من كل قلبي فيولا، سنعيد تلك الأرض لما كانت عليه وأفضل..”
” شكراً لسموكِ..”
* * * ” ألم تسمع؟ سيتزوج سمو الأمير الثاني في نهاية هذا الشهر.”
” لم يمر على إعلان خطبته من الدوقة أسبوعان، لمَ العجلة؟!”
” يقال أن جلالة الإمبراطور سوف يسلم الدوقية قبل مراسم الزواج في المعبد الكبير..”
” هل هو زواج مصالح؟!”
” كيف لا يكون كذلك، فقد تزوج بأقوى سيدة في الإمبراطورية.”
“أنا سمعت أن جلالتها كانت الحب الأول للأمير..”
” أليست هذه كذبة حتى يتقبل الناس الزواج؟”
” سواء تقبل الناس الزواج أم لا، سيتزوجان..”
كان الناس يتحدثون في كل مكان وزاوية عن الحدث الأعظم في سرديا، بل كانوا يتوقفون عن أعمالهم في مجموعات للتحدث، كانت نظرات ساخرة من الرجل المتوشح بالسواد في زاويته المظلمة للناس، شد رداءه أكثر لإخفاء وجهه وتحرك للخلف باتجاه الزقاق يمشي بخطوات ثابتة وخفيفة، حتى سمع صوتاً..
” وأخيراً وجدتك..”
تراجع خطوتين للخلف..
* * *
كانت الغرفة البيضاء الجميلة والفاخرة التي يجلس فيها شخصان هادئة، فلم يُسمع سوى صوت خربشة ريشة الحبر على الورقة التي تُكتب بخط ركيك ولكنه منظم، شعر الطفل بنظرات موجهة إليه فحاول تجاهلها، لكنه كان يدرك في أعماقه إلى متى سيتجاهلها، فقد مر قرابة الأسبوعين منذ إعلان الإمبراطور خبر الخطوبة بل بقي أقل من ثلاثة أسابيع على حفل الزفاف، ويعلم أن الوقت اقترب لابتبياد والدته عنه، فقرر النظر أخيراً إليها وقال بمحاولة عدم الاهتمام:
” يبدو أنني أخطأت في كتابة هذه..”
” لمَ لا نكمل الدرس في وقت لاحق؟”
” حسناً.”
أخذ أوراقه وأعادها إلى مكانها وقبل أن يعود للجلوس نهضت والدته وجلست على الأرض أمامه وعانقته، لم يستطع أيان هذه المرة كبح مشاعره وأجهش بالبكا..
إيليت التي لم ترَ ابنها يبكي منذ فترة طويلة، عانقته أكثر وهي تربت على ظهره بلطف وقالت بصوت حنون:
” أنا آسفة..”
‘ أنا حقاً آسفة، لمَ أكون دائماً سبب ألمك يا صغيري.. أنا حقاً آسفة ‘
كان بقية حديثها مع نفسها، لم ترد أن تثقل على هذا الطفل الجميل، ألا يكفي أنها جرحته كثيراً في الماضي..
” أمي.. أها.. أمي أنا آسف، .. أنا.. اهيي.. أنا أخشى أن تتركني أمي.”
كانت كلماته مختلطة بالدموع لكنها كانت تطعن إيليت بشدة، فقد كان طفلها دائماً يحبها ولم يكرهها، فزاد هذا شعور الذنب في قلبها، فأخذت نفساً عميقاً وأبعدت الطفل من حضنها وجعلته ينظر في عينيها وأمسكت يديه وقبلتهما، تمعنت في عيون طفلها الجميل وقالت:
” والدتك لن تتركك أبداً..”
” لكن أمي، ستتزوجين.”
“سأفعل أي شيء لأجل أن أظل معك..”
” وعد؟”
“أعدك.”
شبك أيان خنصره مع خنصر والدته وقد ابتسم رغم دموعه في وجه والدته، لقد كان وعد والدته وبالتأكيد هي لن تخلف وعدها أبداً..
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 20"