التفت الثلاثة للباب، وقد كان الفارس الذي يتبع أيان، فقد تمسك الفارس بالباب وهو يلهث وبكلمات متقطعة بالكاد استجمعها:
“الدوق الشاب وولي العهد اختفيا…”
هنا تجمدت أطراف إيليت ونظرت للحارس وبالكاد نطقت كلمتين..
“متى؟… متى كان… ذلك؟!”
اقتربت فيولا من إيليت وسندتها بطريقة غير مباشرة بينما تكلم غورين بهدوء..
“أخبرنا بكل شيء حتى التفاصيل الصغيرة…”
أخذ الفارس نفساً عميقاً وقال بكلمات مرتبكة وقلق واضح:
“لقد اتبعت سموهما كما طلبت مني جلالتها كالعادة، عندما دخلنا الحديقة الخلفية، لا أعلم كيف غفلت عنهما، لم أبتعد عنهما سوى ثوانٍ، ثم لم أرهما، بحثت عنهما في كل زاوية ولكنني لم أجدهما، أقسم أني تفحصت كل ركن في الحديقة الخلفية…”
لم تستطع إيليت أن ترد عليه أو تلقي عليه اللوم من عدمه، فقالت بأكبر قدر من الهدوء استطاعت التظاهر به:
“أعد البحث، وبلغ فرسان ألتان الموجودين هنا أن يبحثوا بكل سرية…”
“أتبع أوامر جلالتكِ…”
انحنى الفارس وتحرك بسرعة بينما إيليت أمسكت بيد فيولا ونظرت لها بقلق وعيون خائفة، فتكلمت فيولا لها بابتسامة متفائلة وودودة…
“سيكون كل شيء على خير ما يرام..”
‘أتمنى ذلك…’
تمتمت إيليت بقلبها، تنهدت وأدركت أنه ليس الوقت المناسب للجلوس هنا، يجب أن تبحث عن طفلها بنفسها…
لقد خرجت إيليت من الغرفة، بعد أن استعادت قليلاً رباطة جأشها وبدأت تتجول هنا وهناك هي والبقية ويبحثون عن الطفلين، لم ترد إثارة أي شك فقد حاولت أن تكون أكثر طبيعية قدر الإمكان، كانت تتجول بهدوء…
مرت أكثر من ساعة منذ بدأوا البحث، حتى شعرت بأن قدميها ستخذلانها وتنهار، لقد كانت تعلم أنها لن تستطيع إكمال تمثيلها إذا استمر الوضع هكذا، وقبل أن تتحرك باتجاه الحدائق الخلفية للمرة الثانية، رأت يوهان وحده يتجول بملل متوجهاً لغرف استراحة الإمبراطورة، فشعرت إيليت بالقلق أكثر، فنادته بنبرة مرتفعة قليلاً بسبب الموسيقى..
“سمو ولي العهد!!”
“دوقة؟!!”
نظر لها يوهان بنوع من الحيرة عندما شعر بقلقها فأمال رأسه كأنه يسأل ماذا يجري، استجمعت إيليت أنفاسها وتكلمت بابتسامة ودودة قدر الإمكان..
“أين أيان؟! ألم تكونا معاً؟!”
أدرك يوهان الوضع وقال بنوع من الحيرة..
“ألم يعد لجناح الدوقة؟!…”
“نعم؟!”
“لقد تركت أيان منذ فترة، اممم أعتقد حوالي عشرين دقيقة..”
وضعت إيليت يدها على قلبها وشعرت بأن الأرض تحتها سوف تنهار، توتر يوهان أيضاً فقد كانا عمداً يضيعان الحارس الشخصي لأيان لكي يتحدثا بكل راحة، لكنه بعدها ترك أيان أولاً لأن أيان أراد أن يظل لوحده قليلاً…
“دوقة هل أرشدكِ للمكان الذي كنا فيه…”
“أتمنى ذلك..”
تحرك يوهان بثبات نحو الحديقة الخلفية وإيليت تتبعه، لكن المكان الذي وصلت له هي ويوهان ليس المكان المعتاد الذي قد يراه أي نبيل يأتي إلى هنا…
فقد كانت مساحة خضراء بجانب نافورة مهجورة، كان واضحاً أن المكان معزول وغير مصان…
“آتي إلى هنا عندما يكون المكان مزدحماً ومزعجاً…”
“لكن أين أيان؟!”
أومأت إيليت بفهم لكن قلقها لم يختفِ، فقد علمت أنهما اختفيا عن الحارس بسبب دخولهما هذا المكان لكن لا أثر لأيان في أي زاوية…
“ربما عاد للقاعة بعد أن سلك الطريق الطويل..”
“…؟!”
“إذا سار من هذا الطريق، سوف يعبر من داخل القصر الرئيسي حتى يعود للقاعة، إنها طريق أطول قليلاً من الحديقة الخلفية”
“أو.. ربما عاد…”
“ربما، هل تريد الدوقة أن نذهب من هناك أو نعود للقاعة..”
كان ليوهان طريقة كلام سلسة ولطيفة لا تتناسب مع سنه، لكن إيليت ما زالت قلقة فلم تستطع الاختيار أيهما أفضل…
“لنذهب من هناك…”
“حسناً..”
تحرك يوهان وإيليت تتبعه، رغم أن الساعة قد وصلت للعاشرة مساءً لكن القصر الذهبي كان مضاءً بالكامل، تحركا بثبات حتى عبرا المدخل القريب من الحديقة الخلفية وقد كان يبدو أنه متصل بمكاتب الموظفين الحكوميين، لأنها منطقة مفتوحة…
“أمي؟!”
قبل أن يتعمقا أكثر فوجئت إيليت بصوت يأتي من الممر الجانبي، وعندما التفتت وجدت أيان يمشي بهدوء ويتبعه إيريك بابتسامته المرحة المعتادة، شعرت إيليت بأن أحدهم سكب ماءً على النار التي كانت تتأجج في صدرها فاقتربت بخطوات واسعة نحو طفلها معانقة له…
“أين اختفيت؟!..”
“لقد أضعت الطريق…”
حك أيان خده بحرج وهو ينظر لوالدته القلقة بعيون حزينة نوعاً ما… تنفست إيليت الصعداء وبالكاد استطاعت أرجلها حملها فجلست على الأرض بشعور عميق بالارتياح..
عانق أيان والدته وهو ينظر بغيظ نحو إيريك، عبس إيريك وشعر بالظلم، ألم يكن هو من ساعده قبل لحظة فقط…
“ألم أخبرك بالسير بالاتجاه المعاكس..”
نظر يوهان معاتباً صديقه، فقال أيان وهو ما زال يعانق والدته…
“لقد نسيت..”
“ألن أحصل على شكر؟!”
أدركت إيليت وجود إيريك ووقفت بعد أن استجمعت قوتها وحملت أيان…
“شكراً لك سمو الأمير الثاني…”
نظر إيريك لأيان الذي ينظر له بطريقة شرسة فابتسم إيريك بمكر وقال:
“لمَ لا نترك الرسميات دوقة؟!..”
“هاه؟!..”
“ألم نحصل على موافقة جلالته؟ صرنا مخطوبين رسمياً..”
كبحت إيليت مشاعر الدهشة وهي تنظر له بعيون مليئة بالشك، وقبل أن ترد بكلمة، قام أيان وعانق والدته بشكل أقوى قليلاً…
“لنتحدث في وقت لاحق.”
“سأكون في انتظار رسالتكِ، إيليت”
تنهدت إيليت بعجز وواصلت طريقها نحو الخارج مرورا بقاعة الاحتفالات، لقد أرسلت خبراً لفيولا عبر الخدم أنها سوف تسبقهم للقصر..
* * *
“لمَ تصرف أيان بتلك الطريقة؟”
“لقد شعر السيد الشاب أن والدته قد تسرق منه…”
“هل أتراجع عن الأمر؟! فيولا”
“من الخطأ التراجع الآن..”
أعادت إيليت ظهرها للخلف بشعور من الإرهاق والقلق، لقد أرادت مساعدة إيريك بشدة لكنها لم تتوقع وصول الأمر لهذه الدرجة..
‘أخشى أن يتأذى أيان..’
“سيدتي ربما يجد السيد الصغير في الأمير الثاني الأب الذي لم يكن معه في حياتكِ السابقة..”
قطع صوت أفكارها كلمات فيولا الهادئة والمتفائلة، كان أمراً لم تفكر به أبداً.
“لكن لا أعلم لمَ أفكر بالأمر، أظن لو كنت مع طفلي بمفردي..”
“سيدتي، إنها وجهة نظر لا غير، فربما يحتاج السيد الصغير داعماً آخر..”
“…”
“لا يعني ذلك أن سيدتي غير كافية… لكن وجود الأب شيء جيد للأطفال..”
شعرت إيليت بمشاعر معقدة، لم تكن ذكريات والدها سعيدة جداً، لكنها عندما تفكر بالأمر، لقد كان والدها عوناً حقيقياً وإن كان لمصالحه الخاصة وجشعه، لو كان أباً أكثر طبيعية، ربما كانت الآن تفتقد وجوده في حياتها بقدر فقدانها لوالدتها…
“لا أعلم..”
“أشعر أن الدوق الشاب والأمير الثاني سيتفاهمان بشكل رائع..”
كانت ابتسامة فيولا المشجعة دائماً هي دعم جيد لإيليت، نظرت إيليت بابتسامة لفيولا، هي الآن تعيش أشياء تعيشها لأول مرة، لكن هناك دائماً ذلك الخوف والترقب..
* * *
كانت الغرفة ذات الجدران والأسقف البيضاء والمزخرفة بالذهب مضاءة بالكامل في عمق الليل، كان جالساً على الأريكة واضعاً رأسه بين يديه بأفكار لا تهدأ..
“أخي، لست على ما يرام”
تنهد بشعور ثقيل ورفع رأسه ليقابل نسخته الأقل قوة والأكثر حكمة والأطيب قلباً، ابتسم لأخيه بعيون متعبة..
“أشعر بالقلق… أخشى أن لا أكون جديراً بوينتر..”
ضحك غورين بطريقته العطوفة وجلس في الأريكة التي تقابل أخاه وقال بثقة:
“قد لا تكون الأذكى لكنك الأجدر بالمهمة…”
“…”
“ثم أنا وفيولا وجلالتها موجودون دائماً لدعمكَ…”
“ممتن لذلك..”
ابتسم فيرمين بامتنان لأخيه وشكره، لكنه تجمد في اللحظة التالية..
“فير!! كنت فضولياً، أين كنت طوال الحفل؟”
“هاه.. أنا؟!”
“أجل، لقد اختفى الدوق الشاب لأكثر من ساعتين..”
“سمعت بالأمر، لكني.. كنت أستنشق بعض الهواء..”
رفع غورين حاجبه بتشكيك للحظة، ثم استقام حاجباه وابتسم كعادته:
“ربما لأن أخي كان متوتراً..”
“آه.. أجل..”
“أخي، حاول أن تستجمع نفسك بسرعة..”
“…”
“لأجل جلالتها علينا أن نستعد، فعيون الإمبراطور أصبحت مسلطة بالكامل على ألتان..”
دلك فيرمين صدغه بشعور معقد، وأخذ نفساً عميقاً وقال بهدوء عميق..
“لن أسمح لأحد بإيذاء سيدتي… أبداً”
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 19"