“أخي الصغير والعزيز، الأمير إيرك فون دي روشان، بطل الحرب الأول وقائد فرسان أورلين، أرغب بمنحك دوقية إيستروين وأجعلك الدوق لإيستروين، لكن….”
نظر إيرك بهدوء لكلمات أخيه، الذي أكمل حديثه..
“كما يعلم الجميع فإقليم إيستروين تم هجره لما يزيد عن ستة عشر عاماً، لذا فأخي الذي قضى معظم حياته في ساحة المعركة، ستكون حياة الدوقية والحياة السياسية مرهقة له، ولأن إيستروين ميراث والدتنا الراحلة قررت إعطاءك الدوقية بشرط…”
تناوبت نظرات جميع النبلاء ما بين الأمير الثاني والإمبراطور الذي يبتسم بلطف كأخ محب، فتكلم الأمير الثاني بابتسامة مرحة..
“وما هو الشرط؟!…”
“…”
“جلالتك، أنت أخي الأكبر والأكثر حرصاً على سلامتي ومصلحتي…”
“أحب ذلك… شرطي هو لأجلك ولحماية إرث والدتنا الراحلة..”
“…”
“أخي، لتحصل على الدوقية عليك أن تتزوج بامرأة نبيلة وحكيمة، والأهم يجب أن يوافق المجلس…”
“يوافق المجلس؟!”
“ليس بدافع التقييد ولكن بدافع حرصي..”
“حقاً؟!…”
أومأ الإمبراطور بنعم، كان تصرف إيرك عفوياً جداً، بل بدا كأنه أمر عادي وبسيط، شعر الجميع بالدهشة، فقد كان شرطاً استفزازياً، لكن ردة الفعل كانت مرحة جداً…
“أمم، سيد روبرت…”
“أمرك، يا صاحب السمو…”
كان رجلاً عجوزاً في الستين من عمره، يقف بجانب آرثر دائماً وهو الذي يمثل المجلس، لقد كان الإمبراطور يثق به كثيراً..
“سيدي ألست تمثل المجلس؟”
“بالتأكيد..”
“أمم… وأعتقد أن الشرط كان نابعاً من قلق المجلس على إرث الإمبراطورة الراحلة..”
“بلا أدنى شك…”
“وبالتأكيد المجلس يرغب بسيدة مناسبة تدعمني لإعادة إعمار إيستروين…”
“هذا صحيح..”
“حسناً… هل الدوقة إيليت دي ألتان، مناسبة كدوقة؟!…”
“بالتأكيد.. هي الأفضل…”
“…”
“عفواً يا صاحب السمو؟! ما الذي ترمي إليه؟؟..”
كانت لدى إيرك عادة الاسترسال في الحديث ليخرج ما يريد، فابتسم للماركيز روبرت الذي كان مركزاً بشدة ونطق كلماته بتلقائية لا تشبه شخصية رجل في نهاية الخمسين من عمره، أشرق تعبير إيرك وحك خده وهو يتحدث بخجل مصطنع…
“لقد أخبرتني أن أجد عروساً جميلة وحكيمة ويقبلها المجلس… بدلاً من البحث عن آنسة مبتدئة، لمَ لا أذهب إلى أفضلهن، أليس ذلك أفضل ما أقدمه لإيستروين؟!..”
نظر أعضاء المجلس الحاضرون للحفل إلى بعضهم البعض بشعور من القناعة بكلمات إيرك، فلا مصلحة تعلو للمجلس أهم من سرديا، قبض آرثر بشدة على قبضته لأنه أدرك نوايا أخيه، أن إيرك يحاول أن يجد ثغرة ليجعل المجلس يحاول التراجع أو السير كما يريده، نظر للدوقة وفكر حتى لو طلب من الدوقة فهي بالتأكيد سترفضه، حتى لو كانت تمتلك مشاعراً نحوه، فقد تصرف بتهور وبلا مراعاة للأخلاق النبيلة…
نظر النبلاء للدوقة إيليت ألتان والتي تمسك ابنها بهدوء، يبدو أن الطفل ورث هدوءها فقد كان صامتاً كحال الجميع، قرر الإمبراطور كسر الجمود وقال بادعاء المراعاة للدوقة..
“أعتذر عن تصرف أخي غير اللائق مع سيدة..”
“جلالتكم!!!…”
التفت الجميع لإيليت بدلاً من الإمبراطور الذي يتحدث، ما إن انفتح فم إيليت حتى تحولت العيون إليها، فقد ابتسمت بلطف وبحمرة خدود خفيفة…
“…”
“جلالتكم، أليس الأمير الثاني مستعجلاً قليلاً؟”
ابتسم آرثر لرد إيليت التي تبدو كأنها تهين الأمير الثاني، فقال آرثر بمحاولة لتلطيف الأجواء…
“إن تصرف الأمير متهور…”
“لا أقصد ذلك، يا صاحب الجلالة…”
“…”
احتار الحضور من هدوئها عندما وضعت المروحة أمام وجهها لتغطية فمها رغم خدودها الزهرية الظاهرة، نظرت بعيون حادة لهدفها…
“إذا وافق المجلس حقاً، أقصد… أليس من الأفضل لسموه الزواج من عذراء جميلة؟!…”
“هل ترفضني الدوقة؟!…”
“ليس الأمر كذلك..”
“…”
“بل هو شرف عظيم لي الزواج ببطل الحرب الأول…”
“…”
“لكن، سأشعر بالعبء، فسموك شاب أعزب وأنا أرملة…”
كانت هناك لفتة حزن طفيفة على وجه إيليت، لم يستطع أحد حتى المقربين منها التمييز هل هي حقيقية أم تمثيل مصطنع… تقدم إيرك بأناقة من إيليت وانحنى بطريقة أنيقة وقال بعيون لطيفة:
“سيدتي… هل تقبلين الزواج مني؟!…”
“سأكون سعيدة جداً بذلك…”
عندما مدت إيليت يدها التقطها إيرك وقبلها بطريقة أنيقة…
كان الناس في حالة رهبة، كيف تم إخضاع الشرط بهذه السرعة؟ لم يكن هناك فرصة للإمبراطور للتلاعب، تقدم أحد النبلاء الموالين للأمير الثاني وتحدث بثقة…
“إن سموه حكيم في اختياراته…”
“أعتقد ذلك..”
كان الرد قادماً من ماركيز إليكسيا، الذي كان في حالة دهشة، لقد سمع عن جنون وتهور الأمير الثاني لكنه لم يتخيل أن إيليت تلك المرأة الباردة والحازمة ستشاركه في تهوره..
“ألست محظوظاً جداً، أحصل على إرثي أخيراً وعروس رائعة…”
نظر إيرك لإيليت وهو يتكلم بنفخة من الغرور والثقة، فأيده الحضور مهنئين له بذلك..
نظر أيان لكل ما يحدث حوله بهدوء ظاهري بينما قبضته الصغيرة كادت تمزق طرف فستان والدته…
أما آرثر فقد شعر أن السماء تسقط للحظة، كيف تحول كل شيء؟ لقد انحرفت خطته المثالية لحصر أخيه…
* * *
“دوقية إيستروين…
“…”
“إنها إرثك الفعلي، لكن هل تعتقد أن الإمبراطور سيسلمها لك بسهولة؟!…”
“أنا لا أجيد في حياتي سوى السيف، أخبريني ما العمل..”
نظرت له بعيونها الحمراء الياقوتية وهي ترتشف كوب الشاي خاصتها بكل أناقة رغم الرداء البني الباهت والبسيط…
تأملها، فرغم كونها في هذا المكان المكتظ والبالي، ما زالت هذه المرأة تحتفظ بكبريائها ونظرتها الباردة…
“دوقية ألتان سوف تساعدك، ثق بي…”
“ما نوع المساعدة؟!…”
“أي شيء…”
“إذاً اتفقنا..”
كان قد حدد الطرف الذي سينتمي له مسبقاً ولكنه أراد لقاءها، فهذه المرأة مميزة جداً بالنسبة له، فعندما أرسل لها رسالة أنه يريد لقاءها لعقد الاتفاق وافقت ودعت له أحقية اختيار مكان اللقاء…
اختار هذه الحانة المشبوهة، كي يكونوا أبعد عن مراقبة أخيه…
* * *
رغم العاصفة التي حدثت داخل قاعة الاحتفالات الملكية، إلا أن الهدوء عاد بطريقة غريبة…
“لم أتوقع أن يبارك جلالته هذا الزواج..”
“ألم يكن هادئاً بشكل غريب لبعض الوقت… ربما كان يفكر..”
“العائلة الإمبراطورية ستكون هي الفائزة على أي حال..”
“ستكون الدوقة قادرة على إنجاب وريث بالتأكيد.”
“وأيضاً الدوقة شخصية عبقرية، ستعيد بناء دوقية إيستروين..”
“لقد كسر قلوب الشابات النبيلات…”
“هههه لقد سرقت الدوقة الأرملة العريس الأكثر طلباً في الإمبراطورية…”
“الجميع يعلم أن الدوقة ما زالت صغيرة أيضاً…”
“أعتقد أنها أصغر من الأمير بحوالي عامين..”
نظرت فيولا بهدوء لحشد النبلاء الذين كانوا في جماعات لا ينفكون عن الحديث في الأمر…
“صمت الإمبراطور مريب…”
تنهدت وربتت بهدوء على يد غورين الذي أعرب عن قلقه، فقالت بهدوء عكس ما يعصف برأيها…
“الأمير الثاني مجنون لكن جلالتها لديها ألف طريقة لدعمه، لمَ اختارا هذه الطريقة؟”
“بالنسبة لي لا أعترض على الأمير الثاني..”
“حقاً؟!”
“ألم يخبرك فيرمين، أنه يثق به جداً؟ لقد قال إنه يستحق الولاء…”
“أنا حقاً أشعر بالارتباك، لكن ما هو موقف الدوق الصغير من الأمر؟”
“إن دوقنا الصغير كان منزعجاً، لقد رأيته…”
“أتمنى أن تسير الأمور على خير ما يرام، رين.”
“أتمنى ذلك.. لنذهب لنرى الجميع.”
تحرك غورين برفقة فيولا لغرفة الاستراحة الخاصة بدوقية ألتان، تحركا بخطوات ثابتة متجاهلين كل من حاول الاقتراب منهما، وعندما وصلا لبوابة الغرفة نظر لهما الفارس الذي يحرس الغرفة ثم سمح لهما بالدخول…
كانت إيليت تجلس بهدوء وكان أيان في زاوية أخرى ومعه يوهان، نظر الجالسون لفيولا وغورين، فانحنيا باحترام..
“نحيي أصحاب العظمة..”
“رين، فيولا، هل حدث شيء؟!…”
ارتبكت فيولا ونظرت لغورين الذي ينظر بعيون حزينة لإيليت لكنه أخفض رأسه، ترددت فيولا ونظرت ليوهان وأيان، فوقف أيان بهدوء..
“أمي سأذهب للعب مع يوهان في الجوار…”
كانت إيليت تريد الاعتراض، لكنها تعلم أن أيان محبط وتخشى أن تزيد الأمور سوءاً، فأومأت له بإيجاب وقالت بابتسامة ودودة..
“لا تذهب بعيداً…”
“حسناً..”
“إلى اللقاء دوقة..”
ابتسم يوهان مودعاً لإيليت وتحرك بطاعة خلف أيان، يبدو أنه كان يجاري مزاج صديقه..
بعد خروج الأطفال نظرت إيليت لهما بمعنى ماذا يجري، تردد كلاهما لكن غورين بعيون دامعة تكلم..
“جلالتكِ نحن قلقون جداً…”
“ماذا؟!”
“سيدتي أنا ورين نثق بقرارات جلالتكِ، لكن هذا الرجل يخطط لأمر سيء جداً.. ليس لديه قلب، لن يتردد في فعل شيء شرير..”
لا تنكر إيليت أنها تهورت، فقد قررت مساعدة إيرك في شرط الإمبراطور، لكن صمته الأخير أرعبها حقاً، شعرت بالامتنان من رد فعل غورين وفيولا..
“أعلم ما أنا مقبلة عليه، لكن الآن لا مجال للتراجع…”
أومأ الأخوان بموافقة، ففكرت إيليت قليلاً:
“أين فيرمين؟! لم أره منذ الإعلان…”
نظر غورين لفيولا وأخذ نفساً عميقاً…
تشااااك !!!!
“جلالتكِ!!!”
………………… يتبع …………………
اعتذر لأن الفصل قصير بس عشان اتشجع اكمل
بصراحة فكرت ، اني لازم اشد حيلي وقررت اني اقل شي انزل فصل بالشهر وما يمنع لو قدرت انزل اكثر انزل بس عشان اشد حالي لازم نا اغيب اكثر من شهر عليكم
التعليقات لهذا الفصل " 18"