مر الأسبوع سريعاً وكانت إيليت قد أعدت كل ما تحتاجه لهذا اليوم، عندما أنهت اللمسات الأخيرة على نفسها نظرت لنفسها بهدوء.
فستان أحمر بلون النبيذ، طويل ومنفوخ وبأكمام قصيرة يتلائم مع فصل الربيع، وقلادة من الياقوت الأحمر التي تعتز بها كثيراً، ولأول مرة منذ سنوات مضت، قامت بفك شعرها الكستنائي الطويل مع وضع فراشة من الماس الأحمر على شعرها..
كان شكلها جريئاً وقوياً، لقد تلائم معها بشكل رائع. خرجت إيليت من الغرفة حتى وصلت للدرج، وجدت أيان بملابسه الأنيقة؛ كان يرتدي ملابس بيضاء وعباءة بيضاء مطرزة باللون الأحمر والذهبي، وقد كان نمط التطريز جميلاً ومميزاً. كان أيان عابساً بشكل لطيف، فنزلت إيليت لمستوى طفلها وسألته بلطف:
“لمَ طفلي اللطيف غاضب هكذا؟!”
“سمعت أن مرافقكِ للحفلة سيكون السير نيفا..”
اتسعت ابتسامة إيليت بتسلية؛ فأيان لا يقوم بمناداة فيرمين برسمية إلا إذا كان مغتاظاً منه.
“أمييي لا تسخري مني…”
“حسناً، سأتوقف الآن…. لمَ الغضب؟ الأمر بسيط..”
“لمَ سترافقينه؟”
“لأنه أحد أبطال الحرب، وعلى السيدة النبيلة أن يكون لها مرافق للحفلة.”
“لكن رين وفيولا ليس لهما مرافقون..”
“فيولا ستحضر برفقة أخيها غورين وأنا سأرافق فير للحفل، إنه بطل حرب وعليّ تشجيعه بمرافقته..”
“سأصبح بطلاً حتى تصبح أمي مرافقتي.”
ضحكت إيليت للطافة طفلها وأمسكت به وتحركا متجهين للعربة، ساعدها فيرمين على الصعود هي وأيان وصعد بعدهما، كان مخفضاً رأسه طوال الطريق وكان هادئاً…
“فيرمين، لمَ تبدو هادئاً؟! ليست من عادتك.”
تكلمت إيليت بمرح مع فيرمين لتكسر توتره، تنهد فيرمين وقال بهدوء:
“شكراً لسيدتي لمرافقتي للحفل..”
“لا بأس، أنا من طلبت منك على أي حال… ستصبح نبيلاً رسمياً، سيتم منحك لقباً، يجب أن تجد خطيبة جميلة ونبيلة لتعزيز مكانتك..”
“سيدتي!!..”
كان وجهه أحمراً وخجل بشكل لا يصدق، ابتسمت إيليت بمكر..
“ستكون الحفلة فرصة جيدة لمقابلة الفتيات الشابات، لا تقلق فير مظهرك جيد، سوف يساعد…”
احمر وجه فيرمين أكثر وصرف نظره تجاه النافذة، نظر أيان لفيرمين ثم لوالدته ببراءة حقيقية:
“لمَ وجه فير أحمر جداً؟ هل هو مصاب بحمى؟!”
ضحكت إيليت وسحبت أيان ليجلس أقرب لها وهمست بمرح:
“إنه محرج، لأننا سنبحث له عن رفيقة…”
“رائع، سيصبح لديه رفيقة وسأعود لمرافقة أمي…”
“والدتك لك وحدك، اطمئن..”
ك/ حلوة غيرة أيان 😁
احتضنت إيليت طفلها بعمق وهي تضحك بصدق، كيف لطفلها أن يكون لطيفاً ورائعاً هكذا…
* * *
“سيدي، هل ستحضر حفل اليوم؟!”
كشكش شعره الأسود الناعم والذي كان مرتباً قبل لحظة والتفت لمساعده وعبس بملل، ولف ذراعه حول رقبة مساعده بشدة، وفرك قبضته على الشعر الأشقر لمساعده بقليل من الشدة:
“جين! منذ متى وأنت تعمل معي؟!”
“ثمان سنوات تقريباً.”
رفع المساعد الشاب رأسه ونظر بعيونه الزمردية لسيده وقال بحيرة رغم تألمه، لكنه معتاد على تصرفات قائده المجنونة. تركه إيرك وتنهد وضحك بإحباط:
“لولا إشفاقي على لوسيا لكنت خلصت هذا العالم من غبائك يا جين.”
“ماذا فعلت سيدي؟!”
“إن عينيك تلمعان لمجرد ذكرها….. “
“سيدي!!!”
“يا إلهي، لمَ الحمقى دائماً ما يحيطون بي؟!”
بعثر شعره للمرة الألف ثم تقدم للمرآة وحاول بيده تحسين مظهر شعره، ثم ابتسم بطريقة شقية:
‘ألم تحبه مبعثراً؟’
ضحك سراً وحركه قليلاً لتبدو الفوضى بشكل أنيق، وضع عباءته السوداء والمزخرفة بنقوش ذهبية جميلة، وغادر قصره متوجهاً للقصر الإمبراطوري وبالتحديد قاعة الولائم الكبرى، حيث يقام الحفل على قدم وساق.
* * * وصلت أخيراً عربة تحمل شعار ألتان، فنزل منها فيرمين أولاً ثم أيان ثم إيليت التي ساعدها فيرمين تحت إحباط أيان، لكنها كانت تستمتع بالمنظر اللطيف؛ كان قتالاً بين ذئب أرجواني وأرنب فضي جميل، لقد كان الأمر محبباً لها..
“لو كان روك هنا لأكتمل فريق المشاغبين.”
احمرت أذنا أيان وفيرمين وتحركا أمامها كلاً ينظر للطرف المعاكس، ما جعلها تضحك بشكل أعمق؛ لطالما شعرت أن فيرمين كطفلها الأكبر رغم فارق السن الصغير بينهما…
بعد وصولهما لبوابة القاعة قالت بابتسامة لطيفة وجدية:
“فير، أيان تعاليا..”
أمسكت بيد أيان في يدها، واليد الأخرى أمسكت بذراع فيرمين ودخل ثلاثتهم القاعة..
“الدوقة إيليت دي ألتان والدوق الشاب أيان دي ألتان والسير فيرمين نيفا.”
كان هناك صمت مهيب عند دخولهم؛ كانت الدوقة قد ظهرت في عيد ميلاد الأمير، لكن اللورد نيفا الذي حضر اليوم، لقد أصبح ظهوره شيئاً مذهلاً، فإذا كان الأمير الثاني إيرك البطل الأول للحرب والذي لا يقهر، ففيرمين نيفا كان وحشاً شرساً يجتاح ساحة المعركة.. وحشاً وسيماً بشعر أرجواني وعيون بلون العسل. كان مذهلاً معرفتهم أنه ثالث أبناء نيفا العباقرة: فيولا أو الفيكونت فيولا نيفا الطبيبة التي حصلت على اعتراف رئيس الأكاديمية الإمبراطورية وطلبها لتدريس الطب هناك، رغم ممانعتها في البداية لكنها وافقت وأصبحت أصغر معلمة للطب في سرديا، وغورين نيفا الذي أصبحت اختراعاته نمط حياة في سرديا وتم منحه لقب كونت أيضاً، ويبدو أن الأخبار التي تفيد أن الابن الثالث سيحصل على لقب وأرض قد وصلت لآذان الناس..
بمجرد دخولهم التف الناس حولهم للسؤال وإشباع فضولهم..
“لمَ الدوقة ترافق اللورد نيفا؟!”
“أليس الأمر واضحاً؟!..”
نظر الناس بفضول لإيليت وفيرمين، وقبل أن يقفزوا بخيالهم تكلم فيرمين بملل وبرود:
“أنا كلب جلالتها المخلص.”
كانت تعلم ولاء فيرمين، لكن أن يصف نفسه بالكلب شيء لم تتوقعه لكنها ضحكت بمرح:
“لورد نيفا، أليس وصفك بالذئب أفضل؟!..”
“أنا أخدم جلالة الدوقة والدوق الصغير من كل قلبي.”
تكلم بينما صبغت أذناه باللون الأحمر، لكن حرجه تم كسره بصوت مألوف…
“إنها خسارتي، أن اللورد نيفا لم يخترني.”
“فيرمين نيفا يحيي صاحب السمو الأمير الثاني وقائد فرسان أورلين، تحياتي سيدي.”
كان الحشد قد أفسح المجال لذلك الرجل ذي المظهر القوي والمتغطرس، انحنى فيرمين الذي كان أقربهم طولاً وجسداً لإيرك وقد كان واضحاً الاحترام والاعتزاز في تحية فيرمين..
“لم أقدم تحيتي، إيرك فون دي روشان يحيي أصحاب السمو الدوقة والدوق الشاب.”
قدم تحية لإيليت ثم حيا الجميع بطريقة سريعة وأنيقة، ثم نظر لأيان الذي كان ينقل بصره بين الثلاثة: فيرمين وإيليت وإيرك..
‘من هذا الرجل حقاً؟!’
* * *
وأخيراً تم الإعلان عن دخول أفراد العائلة الإمبراطورية، وكان من الضروري وجود إيرك بينهم فذهب إليهم، وكالعادة قدمهم الحاجب بكل شموخ، وبعد الخطاب وكلمات الترحيب المعتادة للإمبراطور تحدث أخيراً عن سبب الحفل:
“أريد بمناسبة هذا الحفل العظيم وتكريماً للأبطال الذين حققوا النصر لإمبراطوريتنا، فأتمنى منهم أن يتقدموا رجاء…”
“الأمير إيرك فون دي روشان قائد فرسان أورلين، اللورد فيرمين نيفا قائد طليعة سيلفا من فرسان ألتان، السيد الشاب للكونت كينيث جين كينيث … البارون مريند كونيا، السيدة لوسيا كارول … اللورد ستيفين ليزارد…”
لقد تم تقديم الأشخاص الستة كأبطال للحرب الكبيرة، وأخيراً قدم مساعد الإمبراطور:
“والدوق الشاب أيان دي ألتان سيتقدم نيابة عن الدوق الراحل ليوبارد دي ألتان الذي خدم الإمبراطورية حتى الرمق الأخير.”
نفخت فيولا بغيظ لم تلاحظه سوى إيليت التي ربتت عليها بهدوء وهمست:
“لا بأس، يا فيولا.”
ابتسمت فيولا لإيليت ثم نظرت لأصغر من تقدم للمنصة وقد وقف بجانب إيرك، فنظر للإمبراطور ثم لإيرك بهدوء. تقدم الإمبراطور والمساعد خلفه وقال بصوت جهور وقد تقدم من جين أولاً..
“جين كينيث، لنظرتك القوية وحنكتك في وضع الاستراتيجيات، أمنحك لقب الفيكونت روكسانا، الفيكونت جين روكسانا، وقصر وأرض روكسانا في الحدود الجنوبية.”
انحنى جين على ركبتيه ووضع آرثر الوسام والعباءة والإرادة الملكية، تركه الإمبراطور وتوجه للأخرى التي انحنت وجلست على ركبتيها:
“لوسيا كارول، السيدة الشابة للماركيز كارول، نظراً لخبرتك القتالية الفذة سيتم منحك لقب البارون ميرانز وقصر في الجنوب…”
كالعادة وصل للشخص التالي يطبق نفس الطقوس:
“البارون مريند كونيا، نظراً لمعرفتك الطبية الواسعة في أرض المعركة وقدرتك كقائد وطبيب في المعركة، أمنحك لقب فيكونت كلاوس وقصر كلاوس والأرض في الشمال الشرقي لسرديا.”
“اللورد ستيف ليزارد، نظراً لجهودك العظيمة في دعم الفرسان أمنحك لقب البارون أنكا وأرض أنكا غرب الإمبراطورية.”
انحنى ستيف ووصل الإمبراطور لفيرمين الذي يبدو لوهلة أنه سيأكله، شعر آرثر بالقشعريرة لوهلة لكنه كان رجلاً وقحاً على أي حال..
“القائد فيرمين نيفا قائد وحدة سيلفا من فرسان ألتان، نظراً لقوتك الكبيرة في المعركة ودعمكم الأقوى لفرساننا أقدم لك لقب كونت هوزان وأرض وينتر في الشمال..”
هنا نظر الجميع بشدة إلى فيرمين الذي فتح عينيه بدهشة؛ أرض وينتر التي أصبحت جزءاً من سرديا لكنها أرض كبيرة جداً مليئة بالمشاكل، لكن إعطاءها لفارس من أصل عامي كان صدمة. لم يكتفِ الإمبراطور بإعطائه أعلى لقب من بين زملائه بل أرضاً تعتبر رغم دمارها شيئاً مهماً، فهي الأرض التي حصل عليها الإمبراطور بعد الكثير من الجهد وأنها أول ما أخذها الإمبراطور…
اكتفى الناس بالصمت لكن الإمبراطور نظر لإيليت بمعنى “هل أنتِ راضية الآن؟”، فابتسمت إيليت بمعنى “نعم”، وقال بصوت بهيج قدر الإمكان:
“سيد نيفا، المعذرة كونت هوزان، وينتر أرض تحتاج للصبر، فرغم أنها انضمت للإمبراطورية منذ أكثر من عشرين عاماً لكنها ما زالت مكاناً متعباً، أرغب برؤية وينتر جديدة… لنقل هوزان قوية..”
‘لقد تدخلت سيدتي في ذلك’
انحنى فيرمين نيفا بصدق حقيقي وشعر بولائه لسيدته يزيد قوة، تنهد آرثر ثم توجه لأيان وقال بنفس الصوت الجهوري:
“الدوق أيان دي ألتان، نظراً لخدمات الدوق السابق الذي مات في سبيل حماية إمبراطوريتنا العظيمة، أمنح ألتان أمنية ستتكفل العائلة الإمبراطورية بتحقيقها في أي وقت..”
انحنى أيان كما تم تعليمه من والدته، ونزل آرثر قليلاً ووضع الوسام وقبل أن يضع الرداء وقف أيان وقال بوجه لطيف:
“لا رغبة لي في ارتدائه…”
“…”
شعر كل من في القاعة بالصدمة من رد الطفل الثابت، نظر آرثر لأيان مرة أخرى، فتكلم الطفل بابتسامة لطيفة:
“في النهاية لست أنا من شارك في الحرب.”
اندهش الإمبراطور ونظر للجميع؛ لقد كانوا محتارين بين الإعجاب بذكاء الطفل أو الغضب من تصرفه ومقاطعته للمراسم الملكية، لكن الإمبراطور الذي شعر بأن هذا الفتى لن يكون سهلاً ابتسم له وربت على رأسه وتركه. كان لأيان غريزة وحشية؛ لقد شعر بنوايا سيئة من الإمبراطور، لكنه قبض على كفه بقوة ونظر للأبطال الذين ما زالوا جالسين على ركبة واحدة ثم نظر لإيرك وهو يعود للجلوس كالبقية وعيناه على الأمير إيرك..
“أخي الصغير والعزيز، الأمير إيرك فون دي روشان، بطل الحرب الأول وقائد فرسان أورلين، أرغب بمنحك دوقية إيستروين وأجعلك الدوق لإيستروين، لكن….”
نظر إيرك بهدوء لكلمات أخيه، الذي أكمل حديثه..
“كما يعلم الجميع فإقليم إيستروين تم هجره لما يزيد عن ستة عشر عاماً، لذا فأخي الذي قضى معظم حياته في ساحة المعركة، ستكون حياة الدوقية والحياة السياسية مرهقة، ولأن إيستروين ميراث والدتنا الراحلة قررت إعطاؤك الدوقية بشرط…”
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 17"