“سيدتي أنا مخطئ،… لقد كنت مشاغباً جداً لكني لست شخصاً سيئاً، كيف أتحمل رؤيتهم يقومون بالأشياء السيئة وأصمت؟! لكني أيضاً أسبب الكثير من المتاعب لعائلتي المتبقية، فلقد فقدنا والدتنا منذ أربع سنوات، ورغم أن فيولا تكبرنا بثلاث سنوات فقط إلا أنها تحملت المسؤولية عنا، عندما كنت أنا أكبر مسبب للمتاعب، كان رين أكثر طفل يتعرض للأذى والتنمر، لكن أخي ذكي جداً، لديه الكثير من الأفكار العجيبة… أتعلمين لقد صنع شيئاً يدور ويدور ليبرد الجو في الحر، إنها تشبه طاحونة الهواء لكنها تتحرك بشكل غريب وتولد هواءً بارداً في الصيف الحار.. وأيضاً أشياء غريبة صغيرة وكبيرة، لكنه توقف…”
رغم نبرة الأسى بصوت فير فقد تكلم بحماس عن غورين ولكنه توقف بنوع من الحزن على أخيه…
“لِمَ توقف شقيقكِ؟”
“ليصنع الأشياء الغريبة كان يذهب إلى منطقة دورك، إنها منطقة تحتوي على قمامة من كل مكان ومعظمها كان للنبلاء، كان أخي يستطيع صنع الكثير، لكن أتت جماعة وادعوا أن أحقية المكان لهم فلم نستطع العودة إلى هناك، لذا توقف…”
كان يتكلم بنبرة حزينة، كنا قد وصلنا البوابة الرئيسية، توقفت والتفت له بابتسامة:
“ربما لن يحتاج شقيقك للقمامة بعد الآن…”
نظر لي فير بنوع من الصدمة والدهشة، ابتسمت له ثم واصلت المشي للداخل…
يبدو أنه يحب عائلته كثيراً، لكن من هذه العائلة التي لديها هذان الكائنان؛ فيرمين نيفا أحد أقوى سادة السيف في سرديا وغورين نيفا هذا العبقري المذهل، لو لم يتم استغلاله في حياتي السابقة لربما أصبح من عظماء سرديا. توأمان لكنهما كالليل والنهار، توجهت لغرفتي، لأبدل ملابسي وأستعد للعشاء، بعدها نزلت لغرفة الطعام. …
تناولت طعامي بسرعة، شعرت بالملل لقد نام أيان باكراً فلم أرغب في تعكير صفو نومه لذا نزلت بدون ملاعبة طفلي، لقد ساء مزاجي نوعاً ما..
بعد الانتهاء توجهت لغرفة الرسم وجلست على الأريكة الواسعة وتناولت كوباً من الشاي لعله يحسن مزاجي…
“سيدتي! لقد وصلت الآنسة نيفا…”
دخلت الخادمة لإبلاغي بمجرد وصول الخبر، تكلمت بهدوء وأنا أضع الشاي جانباً…
“دعيها تدخل، وأخبري غورين والسير فيرمين بأن يأتيا بعد ذلك…”
انحنت الخادمة ثم انطلقت، نظرت بملل للمدخل الذي فُتح مرة أخرى لتدخل منه شابة جميلة بجسد نحيل وملابس بسيطة لكنها مليئة بالكبرياء؛ الكبرياء والفقر، تبدو كأميرة من بلد ساقط… بلد ساقط، الشعر الأرجواني، لا، لا أعتقد ذلك…
“يمكنك الجلوس آنسة نيفا..”
كان تصرفها نبيلاً فلِمَ لا أرد النبل بنفس الطريقة، جلست فيولا نيفا وما زالت تخفض رأسها بنوع من الاحترام والقلق..
“…”
“آنسة نيفا! هل تعرفين سبب وجودك هنا؟! “
“…”
أومأت بالنفي، فابتسمت لها وقلت:
“غورين نيفا سرق هوية أحد النبلاء، لدخول القصر…”
رفعت رأسها بصدمة وعيون مفتوحة، كنت أريد أن أعدل الخبر لكني لم أستطع، هذه الفتاة أعرفها جيداً وجهها ما زال محفوراً في ذاكرتي، الاختلاف هو لون الشعر ‘بيانكا هوزان’ وأنها كانت تتكلم بصوت قوي، كيف يمكن أن أجد شخصين يمتلكان نفس الوجه والحضور بأسماء مختلفة؟! كنت سأسألها لكني تذكرت؛ بيانكا هوزان لم تظهر في حياتي إلا عند بحثي عن طبيب لعلاج الهروب السحري لأيان، لأن الأمر كان سرياً فقد توجهت للنقابات السحرية المشبوهة، وبيانكا هوزان الطبيبة التي عالجت الهروب السحري لأيان والتي كانت المرشد السري لأيان، بدون علمي على حد علمه، لكني عرفتها جيداً، المرأة القوية التي لم يتغير شكلها رغم مرور السنوات، ساحرة رفيعة المستوى والسيف الذي طعن الإمبراطور أرثر فون دي روشان. لا أعلم ما الذي أصاب الإمبراطور في حياتي السابقة لكني سمعت الشائعات التي تفيد بأنها كان لها اليد العليا في قتله…
ما هو سببها؟ لا أعلم. وبالذكر من العائلات التي سقطت في حياتي السابقة كانت عائلة ميلودي التي بدأ انهيارها المالي وأخيراً الموت البشع للأميرة مارشا ميلودي المدللة، هل للأمر علاقة بغورين الفتى الضعيف والعبقري؟! إذاً هل فيولا نيفا زيفت وفاتها لتصبح بيانكا هوزان؟! إذا كان كذلك، لِمَ؟ وهل التقت بفيرمين نيفا في حياتي السابقة، أم لا؟! …
شعرت بشيء يسيل على قدمي، عندما نظرت وجدت أن الشاي الذي برد بدأ ينسكب من الكوب المائل، نظرت لفيولا نيفا التي كانت صامتة وما زال القلق على شقيقها الصغير واضحاً، تنهدت ثم قلت:
“هل من طريقة لتتحدثي معي؟”
«بالكتابة»
أشارت بيدها وبدأت تكتب بعض الحروف في الهواء، الهالة السحرية هي نفسها، لقد ذهب الشك.. هما نفس الشخص..
“حسناً من الجيد التعرف عليكِ آنسة نيفا، دعيني أكمل…
كما قلتِ غورين نيفا سرق هوية أحد المتقدمين للعمل، لكنه اعترف بخطئه لذا قمت بتخفيف العقوبة، ولقد نجح غورين في الاختبار، لذا سيعمل لصالح ألتان، وبما أنه سيظل في الدوقية، ولأنه كان حريصاً على أخته الوحيدة، لذا أحضرتكِ إلى هنا…”
«شكراً لسموكِ، أنا سعيدة حقاً لأن عمل شقيقي الصغير قد نال رضاكِ»
“آنسة نيفا! هل كانت عائلتكِ من النبلاء؟! “
رأيت الدهشة والتوتر في وجهها لكنها عادت حازمة كما كانت وابتسمت برقة..
«لِمَ تعتقد صاحبة السعادة ذلك؟»
“تصرفاتكِ وهالتكِ، كلها تنتمي لفتاة نبيلة…”
ابتسمت بحزن وأخفضت رأسها..
«نعم، نحن كنا ننتمي لعائلة نبيلة ولكننا من مملكة الشمال، مملكة وينتر؛ أرض الشتاء الأبدي كما تسمونها، ولكن بعد سقوط المملكة اضطرت عائلتنا للمغادرة واللجوء، ولأن وينتر بلد هُزم على يد سرديا قمنا بالهجرة بشكل سري، وقرر والدي الذهاب إلى ألتان كونها الأبعد عن الحدود الشمالية، وخصوصاً أن والدتي كانت أميرة ملكية، كنت في الثالثة من العمر بينما أمي كانت حاملاً بأخوتي التوأم، قد لا أتذكر ذلك لكني أعلم جيداً مقدار الحزن الذي ملأ قلب أمي لفقدانها لوطنها وعائلتها…»
“هل تكرهون أرثر فون دي روشان؟”
كانت الصدمة تعتلي وجهها ولكن صوتي المليء بالاستهزاء الموجه للملك لا لها جعل نظراتها الحاقدة وقبضتها تعتصر بشدة:
«لأنه الرجل الذي خان معاهدة وينتر وانقض عليها في لحظة ضعفها»
هذه الفتاة لديها الكثير والكثير من المعلومات، الآن كل شيء مفهوم، عرفت لِمَ اختارت اسم بيانكا هوزان، لأنه كان اسمها؛ نيفا لم يكن اسم عائلتها إنما هوزان، وبيانكا هو الاسم الذي غيرته والدتها خشية أن يكتشف أحد أنهم آخر أفراد العائلة المالكة الذين بقوا أحياء. إن الأميرة ليلي وينتر التي تزوجت من كونت سيدرك هوزان عن علاقة حب قوية، ولكنها ظلت الابنة المفضلة لوالدها فلقد ارتفع شأن سيدرك هوزان بعد زواجه من الأميرة المحبوبة، لكنه لم يستغل الأمر لأن حبهما كان نقياً. ورث أطفال الأميرة رمز وينتر وهو الشعر الأرجواني بينما ورثوا العيون العسلية من والدهما، ما جعل الابنة هوزان مقربة جداً للعائلة المالكة، وكان الظنون تقول أن الطفل الذي سيولد سيكون أيضاً محبوباً، لكن الكارثة حلت؛ فحل أولاً الوباء على وينتر وانتشرت الجثث في الشوارع والطرق ثم هاجمت قوات سرديا التي كانت حليفة على الأرض التي لم تتعافَ من الوباء، وبالتأكيد الطفلة ذات الثلاثة أعوام التي رأت مصرع الناس أمامها فقدت القدرة على الكلام واستطاع والداها الهرب بها وعبور الحدود حتى وصلوا لأرض العدو نفسه واحتموا متخفيين في أبعد نقطة وفي قرية ريفية فقيرة، وهكذا عاشوا بفقر لكنهم كانوا بخير. مات الزوج أولاً بعد وصولهم للقرية بأربع سنوات، كان مريضاً وصحته كانت تتدهور مع مرور الوقت حتى مات، أما الزوجة التي ظلت تناضل لحماية أطفالها الثلاثة فقاومت بعد زوجها وماتت أيضاً بسبب المرض. كانت فيولا تعلم شيئاً؛ أن المرض هو الذي أخذ والديها، فليس غريباً أنها أصبحت طبيبة، لكن كيف؟! …
نصف الأحداث كانت قصة تناولها الكثير من الناس والنصف الآخر هو جزء عرفته من بيانكا نفسها…
“آنسة نيفا! هل لديكِ رغبة في دراسة الطب؟! “
اتسعت عيناها في دهشة ولكن كان هناك بريق من القبول في وجهها فأومأت بنعم…
“لكن لدي شرط واحد”
«ما هو؟»
كان هناك إصرار قوي في وجهها، هي تريد أن تكون طبيبة، لا عجب ممن فقد والديه بسبب المرض أن يحاول أن يصبح طبيباً كي لا يخسر من يحب بسبب المرض..
ابتسمت لها وبمرح:
“أن تكوني ألتانية، تابعة لي… سوف أدعمكِ، سأوفر لكِ كل ما تحتاجينه وأنتِ ستقدمين كل قدرتكِ لألتان… آه وبخصوص الإمبراطور، لا بأس بكرهه في ألتان… فهنا أنا وأيان القوة العظمى..”
ابتسمت فيولا براحة ورأيت نوعاً من الامتنان في عينيها…
دق دق دق !!
“أدخل”
دخلت خادمتان أحداهما تقدم المرطبات والأخرى اقتربت مني..
“سيدتي لقد وصل السيدان نيفا”
“يمكنهما الدخول”
انحنت الخادمة ثم غادرت، نظرت لفيولا وفكرت قليلاً…
‘هل سأرى مشهداً درامياً اليوم؟! ‘
ابتسمت للفكرة ونظرت للباب، دخل غورين بجسده النحيل والهش وفيرمين الذي يفوق شقيقه التوأم طولاً وحجماً، أعدت بنظري لفيولا التي صدمت بشقيقها الصغير، لم يكن فيرمين يرتدي ملابس الفرسان ولكن ملابسه كانت أنيقة ومرتبة وكان شكله يوحي بالترف…
“آنسة فيولا، إن فيرمين يعمل كفارس لألتان منذ أشهر… “
وقفت فيولا ليقترب منها فيرمين ويبدو متأثراً، كانت فيولا متأثرة أيضاً، حتى أنا بدأت أتأثر…
في اللحظة التي أمسك فيرمين أخته وقع على الأرض، ابتلعت دهشتي للأمر وفتحت عيناي بترقب، لقد تم ضرب فيرمين عدة مرات هنا وهناك، ثم وضعت فيولا قدمها على رأس أخيها وبوجه غاضب كتبت الكلمات:
«أيها الطفل الغبي! أين كنت؟! لقد بحثت عنك في كل مكان.. »
“لقد أخطأت يا أختي أنا آسف، لم أرد أن يتأذى أحد بسببي”
أبعدت فيولا قدمها من رأس شقيقها الصغير وجلست على الأرض وحملت رأس شقيقها وبدأت في البكاء كطفل حقيقي، لم تكتب شيئاً لكني عرفت جيداً…
لقد كانت قلقة جداً وحزينة جداً، أخواها الصغيران بعيدان عنها وهما عائلتها الوحيدة فلا عجب لِمَ تحولت فيولا لبيانكا هوزان السيف الذي طعن الإمبراطور… حتى غورين المتفرج بكى بشدة.
تركت غرفة الرسم ليلتم شمل الإخوة نيفا بعد فراقهم المرير…
يا للعجب، هذه الحياة ستكون مليئة بالمفاجآت هناك الكثير والكثير قادم… من يتخيل أن يكون أحد أكبر المحركين في سرديا هم ببساطة مجرد ثلاثة إخوة يحبون بعضهم ويريدون العيش بسلام، لكن السلام لا يأتي للضعفاء، لذا يجب أن يصبحوا أقوى….
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 10"