كانت تلك الابتسامة لا تزال دافئةّ، لكنها حملت شيئًا من المرارة في طياتها.
وكادت إينغيلا، دون أن تشعر، أن تسألها عن سبب تلك الابتسامة……
لكن ليرييل بادرتها بالإجابة عن رغبتها قبل أن تنطق.
“إينغيلا، أقسم لكِ باسم أسرة تينيبريس.”
قالت ذلك بنبرةٍ حازمة ونظرةٍ مستقيمة لا تهتز.
“سأتولى بنفسي مسؤولية عودة أسرة الكونت روستان إلى المجتمع، وعودة الآنسة إينغيلا إلى الساحة الاجتماعية. سأعتذر مرةً أخرى أمام الجميع عمّا حدث سابقًا، وإن تطلّب الأمر مصاريف للعودة إلى العاصمة فسأتكفّل بها كاملة.”
ثم هدّأتها ليرييل مؤكدةّ أنها ستتكفّل أيضًا بأي مشكلاتٍ إضافية قد تظهر، فلا داعي للقلق.
وللمرة الثانية، كادت إينغيلا أن تنفجر بالبكاء، وهي تبحث عن منديل على الطاولة الصغيرة أمامها……لكنها لم تجد شيئًا.
ولاحظت ليرييل أنها استنفدت كل المناديل، فنادت،
“فيوليت!”
“هل ناديتِني، آنستي؟”
أطلّت فيلوت برأسها بخفّة من خلف الباب، فقد كانت تنتظر خارج الصالون لاحتمال الحاجة إليها.
“يبدو أن الخدم مشغولون بسبب حفل الميلاد، فهل يمكنكِ إحضار بعض المناديل؟”
“بالطبع، لحظةً واحدة.”
فيوليت، الفتاة اليتيمة التي صارت خلال أسابيع قليلة جميلةٌ وأنيقة بشكلٍ مذهل، عادت بعد لحظات تحمل المناديل.
كانت ترتدي ثوبًا مرتبًا، وحركاتها وكلامها يفيض رقةً واحترامًا—وذلك بفضل الرعاية السخية من زوجَي تينيبريس.
فمنذ أن أصبحت مقيمةً لدى الأسرة، عاملها الجميع بمحبة صادقة.
والزوجان، بعد أن أدركا “طعم” رعاية الأطفال، صارا يبحثان عن آخرين لرعايتهم كذلك.
يقولان—ساخرَين على طريقتهما الشريرة—أن رؤية الأطفال المتغطرسين يفقدون صوابهم لأجل بعض النقود والطعام والثناء….أمرٌ ممتعٌ للغاية.
‘بما أنهما من الأشرار…..حتى أعمال الخير عندهما شكلها شرير.’
فكرت ليرييل بذلك وهي تضحك في داخلها بينما تتلقى المنديل من فيوليت.
أما إينغيلا، فلم تكن تعرف شيئًا من هذا، ولم تتوقف عن الإعجاب بالفتاة.
‘أليست هذه الفتاة هي تلك التي يتحدثون عنها في الشائعات؟ اليتيمة التي رعتها أسرة تينيبريس؟’
حتى طريقة مناولتها للمنديل كانت راقيةً للغاية، تنافس بنات النبلاء.
‘يبدو أن أسرة تينيبريس قد تغيّرت حقًا……’
كانت قد سخرت عندما سمعت الشائعات لأول مرة، لكن……بعد رؤية الأدلة مرارًا أمام عينيها، لم يعد بإمكانها الإنكار.
أسرة تينيبريس تغيّرت. ومركز هذا التغيير كله كانت ليرييل تينيبريس.
حدّقت إينغيلا فيها، ناسيةً حتى أن تجفف دموعها.
كان وجهها، الذي لطالما سبب لها القشعريرة لمجرد تذكّره، يبدو اليوم أكثر نضجًا ولطفًا….وربما حتى أكثر طيبة.
“هل تحتاجين شيئًا آخر، إينغيلا؟”
“هاه؟ آه….لـ….لا.…”
“أوه، ما زال هناك دموعٌ هنا. لحظة.”
لكن ربما لأن صفعة الماضي كانت موجعةً جدًا….فعندما رفعت ليرييل يدها نحو خدّ إينغيلا لتجفف ما تبقى من آثار الدموع—
“ههـ!”
قفزت إينغيلا واقفةً وهي تطلق صرخةً صغيرة خرجت غريزيًا دون تفكير.
وبعد ثوانٍ من إحساسها بأنها بالغت جدًا، بدأت تتمتم بكلماتٍ متشابكة،
ولم تستطع احتمال الموقف أكثر، فهربت راكضةً نحو خارج الغرفة. وتركت خلفها منديلًا غير مستخدم يهوي وهي تختفي كالبرق.
لم تستطع ليرييل حتى أن تمسك بها، فاكتفت بالرمش بذهول قبل أن تتنهد بهدوء. و انحنت تلتقط المنديل الساقط، وقد ارتسم التعب واضحًا على وجهها.
‘آه……متعب جدًا.’
عادت إلى الأريكة المخملية، وجلست منهارةً تقريبًا، فتهاوت كومة المناديل المبللة الصغيرة فوق بعضها.
و نظرت إليها دون أن تحاول حتى جمعها.
‘يالها من مسكينة……إينغيلا.’
تمتمت ليرييل في نفسها بخفة.
‘وأنا أيضًا، على ما يبدو……حالي ليست أفضل بكثير.’
على حافة المنديل المطرز، ظهر شعار أسرة تينيبريس بالخيوط الذهبية— نسر بثلاثة رؤوس.
حدّقت ليرييل طويلًا في رمز الشر اللامع ذاك….ثم فجأة، وكأن شيئًا انكسر داخلها، أمسكت المنديل بقوة وجذبت تلك الزخرفة الذهبية بعنف، كما لو كانت تريد اقتلاع ذلك الشعار من الوجود كله.
نكش، نكش!
تحوّل وجه النسر الأنيق إلى شكلٍ مُترهّل وممسوخٍ مع القماش الذي امتدّ وانكمش.
‘آااخ، ليرييل تينيبريس!!!’
لكن مهما كان ذلك، ظلّت ليرييل تواصل الصراخ باسمها في داخلها دون توقف.
وبصراحة، لو كانت صاحبة الجسد الأصلية تقف أمامها الآن، لربما صفعتها هي هذه المرة. فالوضع كان خطيرًا إلى هذا الحد.
‘بسبب هذه المسبّبة للمشاكل……كم عليّ أن أعاني بعد!!!’
لم ترتكب هي أيّ خطأ منذ أن تجسدت في هذا الجسد. لكنها كانت منهكةّ من إصلاح كوارث صاحبة الجسد الأصلية وحدها.
وهذه الحادثة مثالٌ آخر.
لماذا؟ لأن موعد ظهورهنّ لأول مرة في المجتمع تصادف قليلًا……فصفعت فتاةً أخرى، ثم أمضت عامًا كاملًا في قمعها؟
هل كانت بشرًا فعلًا؟ أم شيطانًا يرتدي جلد الإنسان؟
“لهذا كان سموّه يكرهني إلى هذا الحد.…”
وبينما تفكر بذلك، بدأت تفهم فجأة مشاعر فيريك.
لو كانت حياتها مرهونةً باجشخصٍ مثلها، لكانت جنّت هي نفسها أيضًا.
استسلمت ليرييل للإحباط وهي تستند بظهرها إلى الأريكة المخملية، متمددة بتعب.
ثم رمت قطعة القماش المتمددة فوق كومة المناديل المنهارة، وهي تتمتم بصوتٍ منهك.
بينما كان هناك شعورٌ ساحق من الفراغ، واللاجدوى، والذنب……ثم—
“……ومع ذلك،”
كان هناك بصيصٌ صغير من الأمل……لعلّه بدأ يحبّها قليلًا.
كانت ترغب في تصديق ذلك. فالدفء الذي لامس شفتيها ليلة البارحة….كان بلا شكّ دفء فيريك.
معجزة ليلةٍ واحدة لا تزال واضحةً رغم إغماضها لعينيها.
ذلك النظر الحارق الذي بدا وكأنه يذيبها. وذلك الشعر الأشقر الباهت الذي توهّج تحت ضوء القمر……
“والآن……ماذا؟”
وذلك الصوت المنخفض للغاية، أكثر من أي شخص آخر.
كان ذلك من فيريك الحقيقي……وليس من رجل الأحلام.
“همم؟”
مهلًا……هذا الصوت؟
اتسعت عيناها فجأة، إذ كانت النبرة في ذاكرتها حقيقيةً أكثر مما ينبغي.
وفي تلك الوضعية نفسها، حرّكت عينيها فقط ببطءٍ نحو مدخل غرفة الضيوف. وظهر وجهٌ وسيمٌ للغاية، رغم بروده، و كان ينظر إليها من عند الباب.
فرمشت ليرييل بارتباك، ثم نادت عليه بحذر،
“سموّك؟”
“نعم.”
“متى….جِئتَ؟”
“الآن.”
الآن؟ الآن متى بالضبط؟
ربما لأن الصدمة كانت هائلة……إلا أن ليرييل شعرت بالعكس—بالهدوء.
و فوق أي كلام، سارعت لترتيب جلستها أولًا. استغرق الأمر بعض الوقت بسبب تنانير الدانتيل المعقدة التي كانت تعيق حركتها.
كان الفستان فخمًا ومبالغًا فيه، يذكّر بأيامٍ ماضية……لكنها لم تستطع التخلف عن التأنّق، فاليوم هو ميلادها.
وحين انتهت بصعوبة، جلست من جديدٍ بوضع مستقيم، وسعلت بخفةٍ قبل أن تواصل.
ورغم محاولتها التماسك، إلا أنها لم تستطع إخفاء الارتباك، وكانت ترمش كثيرًا بلا وعي.
“وأين فيوليت؟ ألم تكن تقف عند الباب؟ لو رأت سموّك لكانت أخبرتني بالتأكيد.”
التعليقات لهذا الفصل " 85"