غادرت ليرييل بذلك متجر الشارع التجاري وهي تتلقى دعم هيفال في السير.
أما فيريك، فبينما كان يصغي لتذمر ميلر، ظل بين الحين والآخر يلقي نظرةً جانبية نحو ظهرها الذي يبتعد تدريجيًا.
‘ما كان ذلك للتو.’
حتى بالنسبة له، كانت تلك القبلة قبل لحظات حلمًا ضبابيًا، وسحرًا غامضًا.
لم يفكر يومًا ولا حتى تمناه أن يُقبّل ليرييل. ولم يفهم كيف مال نحوها وكأنه قد سُحر أو فقد إرادته.
ما الذي أخطأ فيه؟ ما الذي حدث؟
لقد بلغ الأمر حد أنه أخذ يشك جديًا في أنه ربما جنّ لمجرد أنه تورط معها.
‘حقًا؟ هل كنتُ هكذا؟’
لكن في الوقت نفسه، راوده سؤالٌ آخر.
هل حقًا لم يرِد أبدًا قبلةً من ليرييل؟
هل يستطيع أن يؤكد جازمًا أنه لم يرغب يومًا في لمس رموشها الطويلة؟ أو أن يحتضن خصرها الرقيق؟
أو أن يمرر يده عبر خصلاتها الحمراء المعطرة بعبير الورد؟
“…….”
لم يستطع الإجابة. فمدّ فيريك يده و مررها فوق جبينه الساخن قليلًا وهو يطلق زفرةً طويلة.
كان رأسه مضطربًا تمامًا، عاجزًا عن ترتيب أفكاره. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا……أنه يفتقدها.
لقد اشتاق إلى ليرييل. و ندم على أن القبلة انتهت.
فظل بصره معلقًا بالزاوية التي اختفت عندها.
أراد أن يراها مجددًا، ليطبع قبلةً أخرى على شفتيها. وكأن ذلك وحده سيجعله يفهم ما يشعر به حقًا.
كان من المفترض أن يحضر غدًا احتفال ميلادها، أي أنه لن تمر أكثر من بضع عشرة ساعة قبل أن يلتقيا ثانية.
‘طويلٌ جدًا.’
أدرك أن هذه الليلة ستكون الأطول في حياته.
***
كان احتفال ميلاد عائلة تينيبريس في الأصل محصورًا بنخبةٍ شديدة الانتقاء.
فلوفرين، المتمرّسة في الطبقة الاجتماعية، كانت تقوم بالاختيار الأولي للأسماء ثم تسلمها إلى أنوين ليجري فلترةً ثانية.
وإن كانت صاحبة الاحتفال هي ليرييل، أصبحت عملية الانتقاء أشد صرامة.
كانت تراجع بنفسها القائمة التي تم تنقيتها مرارًا، وتقصي كل شخصٍ يثير استياءها.
‘ابنة البارون أديلارد؟ لا. وكذلك هورموف و الماركيز كيلَروت. مستواهما لا يليق.’
حتى إن لم يسيئا إليها مباشرة، كان سوء سمعة حديثٍ لأي منهم كافيًا لحذف اسمه.
“ومن هو الأحمق الذي ضمّ اللورد كلابيل؟ ألا يعرف أنه أحدث فضيحةً في آخر حفل ميلاد؟”
ولذلك، غالبًا ما تقلّ الدعوات إلى أقل من ثلث ما كان مخططًا له. وهذا أمرٌ لا يمكن لأي نبيلٍ عادي أن يقبله.
قلة المدعوين تعني قلة المعارف……وهذا يحطّ من مكانته الاجتماعية.
لكن عائلة تينيبريس كانت مختلفة. احتفالاتهم عادةً لا تضم أكثر من خمسين شخصًا. وفي يوم توزيع الدعوات، تتصاعد المنافسات بين سيدات المجتمع.
“هل وصلتكِ رسالةٌ مؤخرًا؟”
“هوهو، بالطبع. لدي موعدٌ شديد الأهمية قريبًا.”
“أ-حقًا؟ أوهوهو……”
“ألا يعني هذا أنكِ لم تتلقي دعوة؟”
وبذلك كانت مراتب الفتيات النبيلات تُحدَّد بهذا الترتيب……ترتيب تسلّم الدعوة.
والحاضرات يعدن بذلك وسام شرف، ويتلقين معاملةً خاصة في كل تجمع.
كان هذا الاحتفال حلم كل نبيل، صغيرًا أو كبيرًا……
تمنٍّ لا مثيل له، هكذا كان احتفال ميلاد ليرييل حتى الآن.
“هل وصلتكِ رسالة مؤخرًا؟”
“نعم……وصلتني. وأنتِ أيضًا؟”
“نعم. وأنا كذلك.”
“ماذا؟ لقد وصلتني أنا أيضًا!”
إلا أن احتفال هذا العام كان مختلفًا تمامًا. فالحجم وحده كان أضخم من أي عام مضى.
وشائعاتٌ تقول أن النبلاء والعامة وحتى أطفال الميتم الذين كانت ليرييل تعتاد مساعدتهم، جميعهم تلقّوا دعوات.
وقد تساءل الكثيرون عن كيفية استيعاب هذا العدد الهائل، لكن التفكير في ضخامة قصر الدوقية جعل الأمر غير مستحيل.
وزاد الفضول أكثر، فقد شاع أن عائلة تينيبريس تغيّرت مؤخرًا. و أصبحت شهيرةً بأن “السيدة الصغيرة الشريرة” باتت طيبة!
بل أنها–كما يقولون–تحاول تغيير العائلة كلها، ما جعل الجميع في حالة اضطراب.
كانت هذه الشائعات تتدفّق يوميًا بالجملة، ولا أحد يعرف حقيقتها. والناس كادوا يجنّون من رغبتهم في معرفة صدقها….وفي سبيل ذلك لا مفر من حضور الاحتفال.
“لا يمكن أن تكون تلك المرأة قد أصبحت طيبة.”
كانت إنغلا روستان، ابنة الكونت روستان، واحدةً ممّن قالوا ذلك.
كانت تقضم ظفر إبهامها بقلقٍ طوال الطريق في العربة.
كانت تلك عادةً سيئة تظهر كلما توترت منذ طفولتها. ولو كانت الكونتيسة تراها الآن لصفعت ظهر يدها تأنيبًا، لكنها لم تكن داخل العربة هذه المرة.
فقد تلقّى الكونت روستان وزوجته دعوةً إلى الحفل، ومع ذلك قررا عدم الحضور.
“ماذا؟ دعوة من ليرييل تينيبريس؟”
منذ لحظة استلام الرسالة، ارتجفا رعبًا وذهولًا.
ولم يكن ذلك غريبًا. فمنذ اليوم الذي تلقت فيه ابنتهما، إنغلا روستان، صفعةً لمجرد أنها حدّدت حفل ظهورها الاجتماعي في اليوم نفسه الذي اختارته ليرييل، تم استبعاد الأسرة بالكامل من الطبقة العليا.
لأكثر من عام، كانوا يُعاملون كما لو أنهم غير موجودين، سواءً في المجتمع المخملي أو في اجتماعات النبلاء. حتى أن ذكر اسم ليرييل أمامهم صار كافيًا ليرتعدوا.
دفع الكونت كرسيه إلى الخلف بصوتٍ حاد ونهض متراجعًا بخطواتٍ متعثرة.
“لن أذهب أبدًا!”
أما الكونتيسة، فحاولت الوقوف بثبات، لكنها لم تستطع إخفاء الارتجاف الخفيف في يديها.
نظرت إلى ابنتها التي كانت تنحني برأس مطأطأ وكأنها مذنبة، و تحدّثت بحزم،
“ولا أنا. الخطر كبيرٌ جدًا. سمعتُ شائعاتٍ تقول أنها أصبحت طيبة، لكن إن كان هذا فخًا……فستكون نهاية العائلة حتمية.”
قالت ذلك ثم التقطت الدعوة. و ظنت إنغلا أن والدتها ستمزقها، لكنها بدلًا من ذلك دفعتها نحوها. فنبض قلبها كأنه سقط على الأرض.
“اذهبي أنتِ.”
كان ذلك أمرًا، لا طلبًا.
“اذهبي وتحققي بنفسك من صحة الشائعات حول تغيّر ليرييل، ثم عودي لإخبارنا.”
كان الضغط واضحًا في نبرة صوتها. لذلك، لم تجد إنغلا خيارًا سوى اعتلاء العربة المتجهة إلى قصر الدوق.
لم ترغب بالذهاب، لكنها لم تستطع الرفض. فالعائلة جُرفت إلى حافة الانهيار……وبسببها هي تحديدًا.
“لم أرغب بالذهاب أيضًا……”
تمتمت وهي تحدق في ظفر إبهامها المنهك الذي أصبح ممزقًا من كثرة القضم.
ورغم مرور عدة أشهرٍ طويلة، لا تزال ذكرى ذلك اليوم عالقةً في ذهنها بوضوحٍ مؤلم.
ذاك اليوم الذي أعلنت فيه، بجهل تام، أنها ستقيم حفل ظهورها الاجتماعي في اليوم نفسه الذي اختارته ليرييل.
“يا للصدفة، آنستي. لقد حددتُ موعد ظهوري الاجتماعي في اليوم ذاته أيضًا.”
كانت حماقةً ارتكبتها في مرح الشباب.
ظنّت، بسبب التأثير الكبير الذي كانت أسرتها تملكه رغم كونهم مجرد عائلة كونت، أن بإمكانها الوقوف على قدم المساواة مع ليرييل.
غرورٌ طفولي يمرّ به البعض في سن صغيرة.
لكن ذلك لم يدفع ليرييل إلى أن تكون رحيمة معها……بالطبع لا.
“آآاااه!!!”
“يـ-يا آنسة روستان!”
صفعتها—وليس مرةً واحدة، بل ثلاث مراتٍ متتالية.
ذهب الكونت للاحتجاج في قصر الدوق بعد أن رأى الحالة المزرية لوجه ابنته، لكنه عاد محمّلًا بتوبيخ حادٍ يأمره فيه الدوق بأن “يحسن تربية ابنته”.
ومن هناك بدأ عامٌ كامل من الجحيم.
لم يستقبلها أحدٌ في المجتمع، وتلقت ضغوطًا من كل جهة. ولم تتنفس الصعداء إلا بعد أن هربت مع أهلها إلى الأراضي التابعة لهم وبقوا محبوسين هناك.
ومع ذلك، كانت ترى الكوابيس نفسها كل ليلةٍ تقريبًا.
“ثم ترسل إليّ دعوة……؟”
لم تستطع التصديق. فبدأت تقضم ظفر إبهام اليد الأخرى بعصبية.
لم تُدعَ منذ ذلك الحين إلى أي حفل ميلاد، لا من تينيبريس ولا من أي عائلةٍ نبيلة.
وعندما رأت العبارة المكتوبة بنبرة مهذبة……والتي تطلب منها “الشرف بحضورها”……شعرت وكأن دمها يغلي.
التعليقات لهذا الفصل " 82"