وكأنّه طُلب من فيريك تقديم هديةٍ غير معقولة، إذا به يعترض بصوتٍ خشن.
“لديكِ في خزانة زينتكِ عشرات، بل مئات القلائد. وتطلبين مني أن أشتري لكِ واحدةً أخرى؟”
لم يكن ذلك مقبولًا بالنسبة لها فالهدية التي يقدمها يجب أن تكون خاصة، ثمينة، وجديرةً بأن تُقتنى بعناية. لم يرغب في شيء باهت ومألوف يقدمه الجميع.
فيريك، رفض حتى أن ينظر إلى محل المجوهرات الذي أشارت إليه ليرييل.
“اختاري شيئًا آخر.”
‘مع أنه قال أنه سيشتري لي ما أريده!’
وهكذا سقط الخيار الآمن الذي قدمته خفيةً حتى دون أن يدخل قائمة المرشحين.
وبدل أن يسهّل المهمة بصفته من يقدّم الهدية، ازداد ثباتًا، ما جعل ليرييل تتوتر أكثر. فنظرت مجددًا إلى المحال من حولها، لكنها بدت كلها متشابهة.
فستان؟ لديها أكثر حتى من القلائد.
كعكة؟ منذ أن أصبح ليمّينغتون المخبز الخاص بعائلة تينيبريس، تناولت من الخبز والحلويات ما يكفي لتكرهها.
وفي تلك الأثناء، بدأت المتاجر واحدًا بعد آخر بإطفاء أنوارها استعدادًا للإغلاق. و السوق المضيء أخذ يغرق شيئًا فشيئًا في الظلام.
‘هل حان الوقت بالفعل؟’
وكلما تقلص عدد الخيارات القليلة أصلًا، ازداد نبض قلب ليرييل توتراً.
لم تكن تخشى من غضب فيريك. بل كانت تكره أن ينتهي الوقت الذي حصلت عليه أخيرًا معه بهذه السرعة. فقد كانت ترغب بالبقاء معه ولو قليلًا.
وفي اللحظة التي قررت فيها دخول أقرب محل مجوهرات مهما حصل، وأدارت رأسها بسرعة—
“آه!”
فما إن التقت عيناها بعيني صاحب المحل الذي كان يستعد للإغلاق ببطء، حتى أنزل الستار بسرعة.
حتى الفأر الذي يهرب إلى جحره من وحشٍ جائع كان سيتصرف بقدر أكبر من الهدوء.
وبعد قليل انطفأ نور ذلك المتجر كذلك. عندها عاود اليأس قلب ليرييل مجددًا.
‘آه، لماذا كان عليّ أن أتجسّد في شخصية الشريرة التابعة لعائلة الدوق الشرير؟ حتى مجرد الحصول على هديةٍ من الشخص الذي أحبه مهمةٌ مستحيلة!’
الاحتمالات المتضائلة أخذت تقضم أملها شيئًا فشيئًا. ولشدة رغبتها، وجدت نفسها تشبك يديها دون وعي.
وفي تلك اللحظة شعرت بخشونةٍ شيء ما تحت أصابعها. كان خاتم الخطوبة الذي ترتديه دائمًا.
“!”
فاتسعت عينا ليرييل. وانفرجت شفتاها بلطف، وتمتمت جملةً دون أن تشعر.
“ماذا لو……كان خاتمًا؟”
“ماذا؟”
ارتجف جفن فيريك.
كان خيارًا بسيطًا لا يختلف كثيرًا عن القلادة التي رفضها قبل قليل. هل يعقل أنها تكره تلقي الهدايا منه لدرجة أنها تختار شيئًا عشوائيًا؟
كان على وشك أن يسألها بنبرة بدأت تنفذ صبرًا.
“هذه المرة……أود أن أحصل على خاتم.”
وعند كلماتها التالية، توقفت كل حركة فيريك تمامًا.
كلمتا “هذه المرة” و”خاتم”. الجمع بينهما أعاد إلى ذاكرته قطعةً من الماضي الذي أراد نسيانه.
“صحيح……حتى خاتم الخطوبة هذا أعدّته عائلة تينيبريس بأنفسهم.”
وانتقل بصر فيريك لا إراديًا إلى الخاتم اللامع الذي يلفّ أصابعها الطويلة الرفيعة.
كان كبيرًا ولامعًا بشكلٍ مبالغٍ فيه بالنسبة لخاتم خطوبة، حتى أنه كان يكره مجرد ارتدائه.
على أي حال، لم يكن يحمل له ذكرى جيدة.
“هاتي يدكِ.”
لكن في ذلك الوقت لم يكن لديه خيار.
كان حفل خطوبة أحاديّ القرار، وليرييل أرادت امتلاكه. أو بالأحرى أرادت أن يكون زينة، لا زوجًا.
أن يكون براقًا وجميلًا مثل أي من إكسسواراتها الأخرى، لتتباهى به أمام الجميع. فكان خاتم الخطوبة بالنسبة له رمزًا للمهانة.
“كنت أشعر بالألم كلما نظرت إلى هذا الخاتم. لأنه يذكرني بما فعلته بسموكَ.”
لكن منذ هذه اللحظة تغيّر المعنى. فيريك وجد نفسه ينظر إلى وجهها بدل الخاتم.
“لم أكن أستطيع خلعه دون مبرر، وقد ضايقني ذلك. لكن لو أعدتَ إهدائي واحدًا جديدًا هذه المرة، أظن أنني سأستطيع تغييره بارتياح.”
كانت كلمات قد تبدو كرغبةٍ أنانية في محو شعورها بالذنب. لكن فيريك علم الحقيقة. علم أنها لم تطلب الخاتم لأجل ذلك فقط.
“وسموّك أيضًا……لا بد أنكَ كنت تتألم كلما رأيت الخاتم الذي قدمته لكَ. فما رأيكَ أن نغيّره معًا هذه المرة؟”
كانت تتمنى ألا يعذّبه الخاتم بعد الآن، تمامًا كما تتمنى لنفسها.
مع أنها كانت هدية ميلادها، إلا أنه وجدها تفكر في معاناة غيرها قبل نفسها.
نعم، كان يمكن القول أنها طيبة إلى حدٍ يفوق الغاية، نقية وبالغة الحساسية بمشاعر الآخرين.
“…….”
لم يعرف فيريك كيف عليه أن يتلقى هذا التغيّر، فالتزم الصمت قليلًا.
كان كلما نظر إلى هذا الخاتم يستعيد رغبته في الانتقام منها. ولو غيّره هو الآخر، لم يعد قادرًا على الجزم إلى أين ستتجه مشاعره.
‘هل تدرك أصلًا ما معنى استبدال الخاتم؟’
فوق كل ذلك، فإن مجرد فكرة أن يهديها خاتمًا جديدًا بحد ذاتها جعلت مشاعره تهتز على نحو غريب.
فالعروسان لا ينزعان خاتم الخطوبة ويستبدلانه بخاتم جديد إلا في حالة واحدة فقط: عند تثبيت الزواج.
‘أنتِ……قلتِ أنكِ لا تريدين الزواج بي.’
نعم. بدا الأمر وكأنها تطلب منه خاتم زواج ليحل محل خاتم الخطوبة.
ومع ذلك، حين ابتسمت بخجلٍ وهي تقترح استبدال الخواتم، شعر وكأنه وحده من يربط الأمر بالزواج، مما أثار كبرياءه.
ولهذا تحديدًا لم يستطع رفض طلبها.
وبعد لحظات من التفكير، تجاهل خفقان قلبه المتسارع وقَبِل اقتراحها مباشرة.
“حسنًا.”
“حقًا؟”
“نعم، بالطبع.”
ربما كان الأمر تحديًا بينهما، لكنه شعر بحرارةٍ تتصاعد إلى وجنتيه. وشكر حظّه أن الوقت ليلٌ معتم يخفي احمرار وجهه، بينما هز رأسه موافقًا.
“سأشتري لكِ خاتمًا. فقد رغبتُ أصلًا في التخلص من هذا الشيء المزعج.”
كانت نبرته خشنة، لكن القبول قبول، ولذلك ابتسمت ليرييل بفرحٍ صافٍ.
“شكرًا جزيلاً يا سموّك! أنا سعيدةٌ للغاية!”
كانت تملك من الخواتم ما يكفي لارتداء خمسةٍ في كل أصبع ولا تنتهي، لكن الخاتم الذي سيهديه فيريك بنفسه واحدٌ لا شبيه له في هذا العالم.
وبينما كانت تخشى أن يغيّر رأيه، راحت تفتش بسرعةٍ من فوق كتفه عن متجر ما زال الضوء يشع منه.
وكادت تشعر بالدوار حين رأت أن المتاجر المحيطة بالنافورة كلها قد أغلقت أبوابها. لكن لحسن الحظ، وجدت متجرًا صغيرًا في نهاية زقاق مظلم ما زال مفتوحًا.
وكان الضوء المسلط على الزقاق يلمع مثل شعلة أمل صغيرة.
“انظر! هناك متجرٌ لم يُغلق بعد!”
وما إن عثرت على المتجر الوحيد، حتى أمسكت بمعصم فيريك وجرته نحو الزقاق. ولم يملك إلا أن يُساق خلفها دون مقاومة.
المكان الذي قادته إليه كان متجر حُليّ صغير، لا يحمل لافتة، ولا يشغل سوى مساحةً ضئيلة.
مكانٌ لن يلتفت إليه فيريك كأمير، ولا ليرييل نفسها وهي ابنةٌ واحدة من أعظم بيوت الدوقية في مملكة تريان.
وبينما كان فيريك يحدّق في المتجر بعين يملؤها التحفظ دون وعي—
“يجب أن ندخل قبل أن يُغلق هذا أيضًا!”
دخلت ليرييل دون لحظة تردد. و رنّ الجرس بصوتٍ رقيق معلناً وصول زبون جديد.
كان صاحب المتجر على وشك الإغلاق، فأطل من المخزن وهو يستعد لتحية آخر زبون في هذا اليوم.
“أهلاً وسهـ…….”
لكن نبرة الترحيب الودية انقطعت فجأةً عندما رأى من هما. فقد لمعت داخل المتجر الباهت فجأة هالة من الفخامة لا تليق إلا بالطبقات العليا.
حدق الرجل فيهم وفتح فاهه وهو يصرخ دون قصد،
“أ……أليس هذا سموّ أمير تريان، ومعه الآنسة لعائلة تينيبريس!”
ومع انحناء كتفيه فورًا وهو يتلعثم بسؤال: ما……ما الذي جاء بكما إلى هنا……؟ ابتسمت له ليرييل بلطف.
“جئنا لنلقي نظرةً على بعض الأشياء. تأخرنا قليلًا فوجدنا أن معظم المتاجر قد أغلقت.”
“لكن……متجرنا هذا….”
نظر صاحب المتجر حوله بنظرةٍ محرجة إلى الداخل الفقير الأنوار.
كان يعرف مستوى متجره جيدًا. متجرٌ بسيط طُرد إلى آخر الزقاق بعدما خنقته المتاجر الراقية.
برغم أنه يجلب بضاعته بحب ويعتني بها جيدًا، فإن رأس مال المحلات الكبيرة لم يترك له سوى القليل من الزبائن، حتى أن رؤية وجه نبيل في متجره كان أمرًا شبه مستحيل.
“وما المشكلة؟ يعجبني المكان.”
لكن ليرييل لم تعر الأمر أي اهتمام. لم تنشغل بحجم المتجر، بل بدأت تتفحص كل قطعةٍ بداخله بعناية واهتمام.
_________________________
فيريك مستانس انها بتتزوجه؟ ياخفيف اشك انه يدري انه يحبها بس ماعلمنا حتى؟ لأن وستحيل الي فيه ذاه غباء البطلات مب مغص الابطال😭
المهم طيب بتلقون شي غالي في ذا المحل؟ ولا بيطقطقون عليكم✨
التعليقات لهذا الفصل " 76"