5
━━━●┉◯⊰┉ الفصل 5 ┉⊱◯┉●━━━
لمْ تظهرْ على الفتاةِ الصَّغيرةِ أمامَها أيُّ علامةِ توتّرٍ.
بلْ، على العكسِ، كانتْ تنظرُ إليها بعيونٍ مليئةٍ بالتَّوقّعِ.
كانتْ زاويةُ شفتيْها الصَّغيرتيْن المضمومتيْن مرتفعةً قليلًا، مما جعلَ خدَّيْها الممتلئيْن يبدوانِ أكثرَ امتلاءً، وهذا دليلٌ واضحٌ.
‘منذُ زمنٍ لمْ أرَ طفلًا لا يخافُني.’
منذُ أنْ كبرتْ ابنتُها، لمْ ترَ مثلَ هذا الأمرِ، فكانَ حقًّا بعدَ وقتٍ طويلٍ.
بسببِ صرامةِ السيدة هايورث وطباعِها القاسيةِ المعروفةِ، لمْ يكنْ هناكَ طفلٌ لا يخشاها.
لهذا، خفَّتْ حدَّةُ انزعاجِ السيدة هايورث قليلًا.
‘لمْ أكنْ أنوي الذَّهابَ في نزهةٍ…’
لكنْ، لا يمكنُها إحراجُ طفلةٍ جاءتْ لزيارتِها. لا مفرَّ منْ ذلكَ.
نهضتِ السيدة هايورث منْ مكانِها، وعدَّلتْ ظهرَها باستقامةٍ.
“إذا أردتِ المشيَ معي، فلنْ أرفضَ. تعالي، دربُ النَّزهةِ هنا.”
كانتْ تتوقَّعُ أنْ تتبعَها هذهِ الفتاةُ الجريئةُ بحماسٍ.
لكنْ…
“لا! لا أريدُ المشيَ معَكِ، سيدتي.”
كسرتْ كلماتُ روينا التاليةُ توقّعاتِ الجميعِ.
سادَ الصَّمتُ للحظةٍ، وتجمَّدَ وجهُ الماركيزة الكبرى هايورث ببرودٍ.
“ماذا قلتِ؟”
كانتْ قدْ بلغتْ حدَّ صبرِها اليومَ. كانتْ مستعدَّةً للتَّعاملِ بقسوةٍ حتّى معَ طفلةٍ.
“هلْ تعرفينَ ماذا تقولينَ؟”
عندما أظهرتِ السيدة هايورث وجهًا غاضبًا، صرختِ المربيةُ، التي كانتْ تتملَّقُ قبلَ لحظاتٍ، وقدْ شحبَ وجهُها:
“رو–روينا! ما هذا الهراءُ…! سيدتي، أنا حقًّا آسفةٌ. الطِّفلةُ مخطئةٌ في شيءٍ ما-”
“ليسَ خطأً! لا أريدُ النَّزهةَ. قلتُ إنّني أريدُ فرصةً للتعلّمِ، أليسَ كذلكَ؟”
لكنْ روينا كانتْ أسرعَ بخطوةٍ.
ابتسمتْ روينا بعيونٍ مستديرةٍ بمكرٍ، ثمَّ قفزتْ نحوهُا ووقفتْ إلى جانبِ السيدة هايورث
“أنا أعتقدُ أنَّ نبرتَكِ، سيدتي، مليئةٌ بالرُّقيِّ. لذا، أردتُ أنْ أقرأَ لكِ كتابًا!”
“كتابًا، تقولينَ؟”
“نعمْ! إذا قرأتُ لكِ، سيساعدُني ذلكَ في تحسينِ نبرتي. ألا يمكنُني ذلكَ؟”
نظرتْ روينا إلى السيدةِ هايورث بعيونٍ خضراءَ لامعةٍ كالزُّمرّدِ.
“…هاا.”
أمامَ هذا التَّعبيرِ المتوقّعِ، ضحكتِ السيدةُ هايورث ضحكةً قصيرةً.
بدتْ ردَّةُ فعلِها وكأنّها مندهشةٌ، فشحبَ وجهُ المربيةِ أكثرَ.
قبلَ أنْ تتمكَّنَ المربيةُ منْ التَّدخّلِ، مدَّتِ الماركيزةُ الكبرى يدَها وتحدَّثتْ:
“هنري، جهّزْ مكانًا في القصرِ لي وللطِّفلةِ لقراءةِ كتابٍ.”
“حسنًا، سيدتي. هلْ هناكَ شيءٌ آخرُ تحتاجينَه؟”
رمقتِ السيدة هايورث روينا بنظرةٍ باردةٍ.
بينما كانتْ تنظرُ إلى عينيْ روينا الخضراويْن المتلألئتيْن، أضافتْ وهي تتنهَّدُ:
“جهّزْ مشروبًا وحلوى تناسبُ الطِّفلةَ.”
عظيم!
كانتْ تلكَ اللحظةُ التي هتفتْ فيها روينا داخليًّا بالنَّصرِ.
***
داخلَ القصرِ.
“روينا، أليسَ كذلكَ؟ قولي، لمَ فعلتِ ذلكَ؟”
بصوتِ السيدة هايورث الصَّارمِ، فتحتْ روينا عينيْها على مصراعيْهما وأومضتْ.
“ماذا؟ أيَّ فعلٍ؟”
“لا تتظاهري بالجهل. أعرفُ بالفعلِ أنّكِ لمْ تفعلي ذلكَ فقطْ لتقرئي ليّ كتابًا. كنتِ تلقينَ النَّظراتِ باستمرارٍ، فأيُّ كتابٍ ستقرئينَ؟”
“آه، حاولتُ جاهدةً إخفاءَ ذلكَ.”
هلْ كانَ واضحًا؟ هاها.
ضحكتْ روينا بحرجٍ، فرفعت السيدة هايورث زاويةَ فمِها قليلًا.
“كانَ واضحًا منذُ وقتِ الشَّايِ، فلا تحاولي الخداعَ أكثرَ. لمَ فعلتِ ذلكَ؟ هلْ بدوتُ مضحكةً بالنِّسبةِ لكِ لتخدعيني؟”
“مستحيلٌ!”
قفزتْ روينا ولوَّحتْ بيديْها نفيًا، ثمَّ خفضتْ صوتَها وهمستْ:
“أنتِ، سيدتي، تتحسَّسينَ منْ حبوبِ اللّقاحِ، أليسَ كذلكَ؟”
“ماذا؟”
“عندما عطسَ مارتن، رأيتُكِ تعطسينَ بعضَ الشَّيءِ أيضًا. في الحقيقةِ، كنتِ غيرَ مرتاحةٍ في الحديقة، أليسَ كذلكَ؟”
لهذا كنتِ متساهلةً معَ مارتن. ولأنَّ تملّقَ المربية كانَ مزعجًا داخليًّا.
‘قالَ الطَّبيبُ المسنُّ إنَّ الكبارَ في السِّنِّ غالبًا ما يعانونَ منْ ضعفِ الأنفِ والحلقِ.’
بالنِّسبةِ لشخصٍ في سنِّ الماركيزة هايورث، منَ الصَّعبِ عدمُ العطسِ أمامَ حبوبِ اللّقاحِ المتطايرةِ.
والمشكلةُ أنّها شخصٌ يهتمُّ كثيرًا بالمظاهرِ.
“لذا فكَّرتُ أنَّه سيكونُ أفضلَ لو بقيتِ في مكانٍ مريحٍ داخلَ القصرِ! هذا كلُّ شيءٍ.”
“إذنْ، لاحظتِ ذلكَ واستمرَّتْ نظراتُكِ إليَّ؟”
“لا، ليسَ هذا بالضَّرورةِ…”
أغلقتْ روينا فمَها للمرَّةِ الأولى، ثمَّ غطَّتْ وجهَها بالكتابِ الذي كانتْ تمسكُه.
أنزلتِ الكتابَ بحذرٍ حتّى ظهرتْ عيناها فقطْ، وسألتْ بهدوءٍ:
“هلْ يمكنُني التَّحدّثُ بصراحةٍ؟”
على الرَّغمِ منْ أنَّ التَّسترَ بالكتابِ لنْ يجنّبَها غضبَ الكبارِ، إلّا أنَّ محاولتَها بدتْ لطيفةً، فضحكتِ السيدة هايورث دونَ قصدٍ.
“دعيني أسمعُ. تحدَّثي.”
“في الحقيقةِ، كنتُ بحاجةٍ إلى وقتٍ بمفردي معَكِ، سيدتي.”
“معي بمفردي؟”
“نعمْ. لديَّ طلبٌ أودُّ تقديمَه.”
عندَ هذهِ الكلماتِ، تجمَّدَ وجهُ السيدة هايورث، الذي كانَ قدْ بدأَ يلينُ، قليلًا.
“أنتِ، تطلبينَ منّي؟”
“نعمْ. هلْ ستستمعينَ إليَّ؟”
“هذا كلامٌ سخيفٌ.”
أصبحَ وجهُ السيدةِ هايورث باردًا جدًّا الآنَ.
“طفلةٌ صغيرةٌ تحاولُ التَّفكيرَ في تقديمِ طلبٍ؟ وقحةٌ. حتّى أعيانُ هذهِ المنطقةِ لا يجرؤونَ على طلبِ شيءٍ منّي، فلماذا أستمعُ إلى طلبِكِ؟ اشكري حظَّكِ لأنّني لمْ أعاقبْكِ فورًا لصغرِ سنِّكِ.”
لمْ يكفِ ردُّها الباردُ، بلْ أمسكتِ السيدةُ هايورث الجرسَ المجاورَ لتستدعيَ كبير الخدم.
“هنري! نادِ المربيةَ لتأخذَ هذهِ الطِّفلةَ.”
عندَ هذا الصَّوتِ، شعرتْ روينا بقلبِها يهوي.
‘بالطَّبعِ، لمْ أتوقَّعْ أنْ تستمعَ فورًا.’
لكنّها لمْ تتوقَّعْ ردَّ فعلٍ باردٍ لهذهِ الدَّرجةِ على كلمةِ ‘طلبٍ’.
ماذا لو طُردتْ وعوقبتْ هكذا؟
‘لا أريدُ الحبسَ الانفراديَّ!’
والأسوأُ، إذا فاتتْ هذهِ الفرصةُ، قدْ لا تحصلُ على فرصةٍ أخرى للقاءِ الماركيزة هايورث وحدَها.
بلْ، لنْ تحصلَ عليها أبدًا.
كانتْ هذهِ الفرصةُ وحدها صعبةَ المنالِ!
وقبلَ أنْ تفكّرَ، خرجَ صوتٌ متشنّجٌ متلعثمٌ منْ فمِها:
“ال–السيدة هايورث!”
“ماذا؟”
“أقصدُ، أقصدُ…”
كانتْ قدْ جمعتْ شجاعتَها لتتكلَّمَ، لكنْ عندما واجهتْ وجهَ الماركيزةِ هايورث، الأكثرَ رعبًا منْ نمرٍ حتى، أصبحَ ذهنُها فارغًا.
في النِّهايةِ، كانَ هناكَ شيءٌ واحدٌ فقطْ أستطاعت روينا قولَه:
“عندَ توديعِ العربةِ وذهابنا من هنا… هلْ يمكنُني تقبيلُ خدِّكِ…؟”
“ماذا قلتِ؟”
“إذا لمْ أفعلْ، قدْ تعاقبُني المربية…”
‘لا أريدُ الحبسَ الانفراديَّ…’
‘أرجوكِ…’
***
في النِّهايةِ، نجحتْ روينا في تقبيلِ خدِّ الماركيزةِ هايورث.
ابتهجَت مربيات الحضانة لأنَّ هناكَ طفلةً نالتْ إعجابَ الماركيزة.
وأرسلَ الأطفالُ تصفيقًا مملوءًا بالإعجابِ لشجاعةِ روينا التي وضعتْ جرسًا على رقبةِ نمرٍ، لا، قطّةٍ.
“أنتِ حقًّا شجاعةٌ، يا روينا!”
“نظرتُ إليكِ بإعجابٍ حقًا!”
“قالَ مارتن إنّه نجا منَ الحبسِ بفضلِكِ، وأرسلَ هذهِ التّفاحةَ.”
بعدَ الأحداثِ في قصرِ هايورث، أصبحتْ روينا تُستقبلُ بالتَّصفيقِ والنَّظراتِ الحاسدةِ أينما ذهبتْ.
بمعنى آخرَ، كانتْ تعيشُ لحظةَ التَّألّقِ الأعظمِ.
لكنْ…
“…هلْ سأموتُ فقطْ هكذا؟”
كانتْ حالةُ صاحبةِ هذا الأنجاز سيّئةً.
والسَّببُ بسيطٌ.
‘روينا، أيتُها الحمقاءُ الغبيّةُ! هلْ كانَ كلُّ ما استطعتِ قولَه هو القبلةُ؟’
كانتْ منزعجةً جدًّا منْ نفسِها لأنّها أضاعتْ فرصةَ اللّقاءِ الفرديِّ معَ الماركيزةِ هايورث.
لهذا، عندما عادتْ روينا إلى دارِ الأيتامِ، رمتْ نفسَها على السَّريرِ، وضغطتْ وجهَها بالوسادةِ، وبكتْ بحرقةٍ.
‘أنا أقلُّ قيمةً منْ تفاحةٍ فاسدةٍ! حتّى لو رُميتُ
في حقلٍ، لنْ أصلحَ كسمادٍ!’
كيفَ أضاعتْ فرصةً بهذا الحجمِ!
حتّى لو ذهبتْ إلى الحبسِ الانفراديِّ، كانَ يجبُ أنْ تتحدَّثَ عنْ ‘الطَّلبِ’!
لنْ تمنحَها الماركيزة هايورث فرصةً أخرى أبدًا!
‘…لكنْ، الحبسُ الانفراديُّ لا زالَ مخيفًا…’
تنهَّدتْ.
ماذا الآنَ؟
‘الموتُ أسوأُ منَ الحبسِ الانفراديِّ.’
مهما فكَّرتْ، لمْ تجدْ حلًّا جيّدًا، فغرقتْ روينا في النَّومِ وهي تنتحبُ.
لكنْ، لسببٍ ما…
في الصَّباحِ التالي، استيقظتْ وهي متورّمةُ العينيْن.
وكانتْ هناكَ أخبارٌ مدهشةٌ تنتظرُها.
“روينا! روينا! ماذا تفعلينَ؟ استعدّي بسرعةٍ!”
“ماذا؟ لكنْ، يا معلمة، لا نزالُ في الصَّباحُ. ليسَ لديَّ موعدٌ للخروجِ اليومَ-”
“كلا! طلبتِ الماركيزة هايورث أنْ تأتي إليها!
استعدّي الآنَ!”
هدَّدتِ المربيةُ أنّها ستُعاقبُ بشدَّةٍ إنْ تأخَّرتْ، ثمَّ غادرتْ بسرعةٍ.
في أوقاتٍ أخرى، كانتْ روينا ستتذمَّرُ، لكنْ هذهِ المرَّةَ كانتْ مختلفةً.
معَ إدراكِ الوضعِ، بدأتْ ابتسامةٌ تنتشرُ تدريجيًّا على وجهِ روينا الصَّغيرِ.
“عاشَتِ القبلةُ!”
يمكنُني لقاءُ الماركيزة هايورث مجدَّدًا!
[ملاحظة/ يتم مناداة المربية بالمعلمة بشكل طبيعي.]
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 5"