1
من قال إن السويد دولة رفاهية سماوية خالية من العنصرية؟
حسنًا، مجرد زيارة سياحية قصيرة لا تكفي لفهم هذا البلد حقًا.
من وجهة نظري أنا، التي وُلدتُ من أصول مختلفة، فإن “عدم التمييز” هو شيء يعتقدهُ النبلاء الشماليون البيض أنه من سمات الثقافة الحديثة والرقيَ.
وهذا الاعتقادُ، ثبت لي بجلاء منذ اللحظة الأولى التي وضعتُ فيها قدمي داخل فصل برانفيل.
انظر إلى هذا.
سويدي أبيض إلى جانب سويدي أبيض، وإلى جانبه سويدي أبيض آخر، وخلفهما عدد لا يُحصى من السويديين البيض.
كان هناك سويدي أسود واحد فقط، ومثلي سويدية أصول أجدادها آسيوية واحدة، لكن مجرد النظر إلى مواقع جلوسنا يكفي ليدركَ المرء أننا غرباء تمامًا.
كان التكوين مختلفًا تمامًا عن مدرسة يارفا الثانوية التي كنتُ أدرس فيها.
هنا، عدة كلمات تصفهُ كلهُ، مجتمع صغير مغلق لا يُكسر لأبناء النبلاء السويديين البيض.
“مرحبًا بكم جميعًا. إنه اليوم الأول من العام الدراسي الجديد.”
دخل الأستاذ دالين، مرتديًا سترة صوفية مريحة المظهر – وهو بالطبع سويدي أبيض، وكعادة هذه المدرسة يتحدث الإنجليزية بطبيعية – حاملًا دفتر الحضور، وقد سلّم عليّ صباحًا على انفراد.
“لقد التقيتم جميعًا على الأرجح؟ لدينا طالبة منتقلة. فيفي هان، هل تقدمين نفسكِ لزملائكِ الجدد باختصار؟”
لو قلتُ إنني أعددتُ هذا التعريف طوال العطلة الصيفية كلها لما كان ذلك مبالغة.
نهضتُ من مكاني، وابتسمتُ ابتسامة اجتماعية، ودارتُ بنظري حول الفصل، ثم سلّمتُ ببساطة.
“مرحبًا، سعيدةٌ بلقائكم. اسمي فيفي.”
ثم بدأتُ بالحديث عن الأمر الذي أعلم أنهم يريدون معرفته، لكنهم لن يجرؤوا على سؤالي عنه مباشرة.
“أنا من أصل كوري، الجيل الثالث، وُلدتُ في ستوكهولم، وكنتُ أدرس في مدرسة يارفا الثانوية حتى الصيف.”
هكذا أفضل.
حي يارفا الذي أعيش فيه معروف بأنه منطقة فقيرة وعُرضة للجريمة، وبما أنني انتقلتُ إلى هنا، فسيصبح هذا الموضوع حديثًا عاجلًا أو آجلًا.
سألتني فتاة ذات شعر طويل تجلس قرب الباب، وعيناها الرماديتان تلمعان:
“كيف انتقلتِ فجأة إلى هنا؟”
كيف استطاعت مهاجرة كانت تركب خط البلولاين – الذي يُعرف بمروره في المناطق الفقيرة – أن تصل فجأة إلى هذه المدرسة النخبوية؟
فهمتُ المغزى من السؤال على الفور، لكنني هززتُ كتفيّ بلامبالاة وأجبتُ بهدوء:
“تم اختياري منحة دراسية في الصيف.”
قلتُها بصوت واضح يصل إلى آخر صف، ومع ذلك انتشرت كلمة “منحة دراسية” في أرجاء الفصل كقطرات المطر التي تسقط على سطح ماء ساكن.
بدتْ كأن الجميع يخشون أن يفوتهم جزء من هذا التعريف المثير للاهتمام، فأبدوا اهتمامًا مفرطًا.
“كنتُ خائفة قليلًا من الانتقال إلى مدرسة جديدة، لكن عندما علمتُ أنني سأتمكن من إكمال منهج البكالوريا الدولية IB هنا، قررتُ المجيء. أرجو أن نتعاون جيدًا في المستقبل.”
شعرتُ أن هذا كافٍ، فجلستُ في مكاني.
في خضم النظرات المندهشة التي كأنها ترى نوعًا جديدًا من الكائنات، بدا اليومُ طويلًا جدًا.
* * *
بعد أن تجولتُ في حيرة بحثًا عن الفصول، انتهت آخر حصة.
تجاهلتُ النظرات الغريبة التي التصقت بوجهي طوال اليوم، وحملتُ حقيبتي ونهضتُ أولاً.
“إلى اللقاء.”
أبدت أوليفيا – التي جلست إلى جانبي في حصة الأدب الإنجليزي – تعجبًا للحظة من استعجالي، لكنها تركتني بما أنه اليوم الأول.
كلانا كان يعلم أن هذا ليس الفرصة الأخيرة اليوم.
فقد قالت إنها تسكن في نفس السكن الداخلي الذي أقيم فيه.
دفعتُ الباب الخشبي الغريب وخرجتُ إلى الممر، فانساب ضوء الشمس الدافئ من النوافذ ذات الإطارات القديمة المفتوحة.
كان يومًا مشمسًا نادرًا في ستوكهولم التي يقترب منها الشتاء.
ربما لهذا السبب، رأيتُ عدة طلاب مستلقين على العشب خارج النافذة.
مشيتُ في الممر المستقيم، فصادفتُ ثريا فخمة تبدو مبالغًا في فخامتها حتى داخل مدرسة.
ارتعشتُ للحظة، ثم شهقتُ شهقة عميقة وأعدتُ النفس باستسلام.
نعم، هذا هو المكان.
مدرسة برانغيل الداخلية الخاصة المرموقة التي أسسها الماركيز برانغيل قبل مئة وعشرين عامًا بطموح كبير. تخرج منها على مر القرن الماضي عدد من أمراء وأميرات السويد.
الرسوم الدراسية تصل إلى أربعمئة ألف كرونة سنويًا (حوالي مئة وأربع واربعون ألف ريال سعودي تقريبًا)، ومع رسوم السكن الداخلي تصبح التكلفة فلكية حتى التخرج.
على عكس مدرسة يارفا التي تلقيتُ فيها تعليمًا مجانيًا كاملاً كما يليق بدولة الرفاهية الشمالية الأولى، فهنا حتى التنفس يكلف مالًا.
في اليوم السابق، لمحتُ قائمة مقهى المدرسة: كوب لاتيه واحد بستين كرونة (حوالي سبعة وعشرون ريال سعودي) داخل المدرسة، هل يعقل؟
لذلك حتى أنا، الطالبة المحظوظة التي حصلت على إعفاء من رسوم السكن، أحتاج إلى بعض المال الإضافي.
وصلتُ إلى المكتبة مبكرًا بعد أن عقدتُ العزم، فوجدتها عادية بشكل غير متوقع.
كنتُ أتخيل مكتبة مهيبة كالتي في أفلام هاري بوتر، فشعرتُ بخيبة أمل طفيفة.
لكن ما يهمني الآن ليس عدد طوابق رفوف الكتب، بل أجر الساعة للتدريب الداخلي.
اجتزتُ الرفوف المرتبة بعناية بلا مبالغة، واقتربتُ من مكتب أمينة المكتبة.
“مرحبًا، سمعتُ أنه يمكن العثور على وظيفة تدريب بعد الدوام في المكتبة، هل هذا صحيح؟”
رفعت أمينة المكتبة رأسها عند سماع صوتي المهذب.
كانت امرأة ذات شعر مجعد ونظارات دائرية تناسب المكتبة تمامًا، وعلى صدرها بطاقة اسم.
“تدريب داخلي؟ آه، جئتِ للتقدم لوظيفة التدريب؟”
لحسن الحظ، بدا صوتها مليئًا بالترحيب الواضح.
بالطبع، لن يكون هناك الكثير من الطلاب الذين يتقدمون لوظيفة تدريب في مكتبة المدرسة بعد الدوام في مدرسة راقية كهذه.
إذا لم تكن هناك دوافع اقتصادية، فإن التدريب في الجامعات أو الشركات أفضل للسيرة الذاتية، ومدرسة برانغيل مشهورة بناديها وأنشطتها الرياضية والفنية المتنوعة.
“نعم، يا آنسة شيلين.”
قرأتُ الاسم من البطاقة ومددتُ الطلب، فأخذته الآنسة وتصفحته بسرعة.
ربما بدت قراءتها سطحية مقارنة بترحيبها لأنه لا يوجد منافسون آخرون على الأرجح.
لذلك اطمأننتُ للحظة بغرور أن اسم عائلتي الغريب لن يكون عيبًا هنا.
لديّ خبرة سابقة في تدريب مكتبة يارفا أيضًا.
لكن قبل أن ترفع الآنسة عينيها عن الطلب، شعرتُ بحركة خلفي.
التفتُ طبيعيًا، فاستقرت عيناي على زوج من العيون الخضراء الداكنة المرتفعة، وفي تلك اللحظة واجهتُ الموقف الذي حاولتُ تجنبه طوال اليوم.
كان ينبغي أن أرفع عيني سريعًا، لكنني لم أستطع.
كان يرتدي نفس الزي المدرسي، ولهذا بدا أكثر اختلافًا عني، كأنه من نوع آخر.
ملامح منتظمة لا تُنسى بمجرد رؤيتها، عيون غامضة كغابة مبللة، شعر بني فاتح يلمع بلون ذهبي تحت ضوء الشمس بعد الظهر.
كان هو، وريث برانغيل، إريك مارتن برانفيل، يقف هناك.
رنّ في رأسي جرس إنذار، وتداخل معه صوت أمينة المكتبة:
“منذ زمن لم أركَ، يا إريك. ما الذي أتى بكَ؟”
بفضل ذلك تمكنتُ أخيرًا من رفع عيني عنه، لكنه – ولعجبي – لم يفعلَ..
ظلت عيناه الخضراوان الزيتونيتان الغنيتان مثبتتين على وجهي حتى اللحظة التي انتهىت فيها راحتي القصيرة.
ثم انطلقت من شفتيه المشمشتين الناعمتين عبارة مفاجئة كالبرق في سماء صافية:
“كنتُ أفكر في التقدم لوظيفة التدريب بعد الدوام.”
……ماذا؟ أنتَ؟ لماذا؟
لماذا !! هذا مستحيل!
لم يكن هذا ممكنًا أبدًا.
لم أكن وحدي من فكر هكذا، بل توقفت أمينة المكتبة عن الكلام للحظة من الذهول.
لكنها سرعان ما استردت رباطة جأشها وضحكت وقالت:
“إريك برانغيل يتقدم لوظيفة تدريب أمين مكتبة؟”
وضعت طلبي جانبًا، وعقدت ذراعيها أمام صدرها كمن يسمع خبرًا شائقًا جدًا.
“هل يمكنني معرفة السبب؟”
إريك مارتن برانغيل، السليل المباشر للماركيز برانغيل مؤسس المدرسة.
بالطبع، جده لا يزال يحمل لقب الماركيز الذي ورثه عن المؤسس، وممتلكات عائلة برانفيل لا تقتصر على هذه المدرسة فقط.
فهم يملكون بنك ستور برانفيل، وشركة الأدوية برانغيل أندرسون، وعدة شركات أخرى، وهم من أكبر العائلات الثرية في العالم.
أمال إريك رأسه قليلًا بملامحه المثالية غير القابلة للنقد، فتطاير شعره البني الفاتح كمشهد من إعلان تجاري. شعرتُ بشيء من الوهج.
هزّ كتفيه العريضتين – اللذين شكّلتهما السباحة والتجديف وربما رياضات أخرى للطبقة العليا لا أعرفها – وأضاءت عيناه الخضراوان الغنيتان.
“أريد مساعدة الطالبة المنتقلة على التأقلم مع المدرسة الجديدة.”
ماذا؟
ارتعبتُ.
لم يكن الشعور ترحيبًا أو امتنانًا، بل شعور بالخطر يتدفق.
النظرة التي وجهها إليّ إريك لم تكن نظرة زميل لطيف يريد مساعدة طالب جديد.
بل كانت أقرب إلى نظرة أسد يرى غزالًا في السهل.
بل بالأحرى نظرة أسد شيطاني في وثائقي، شبعان لكنه يستمتع بتخويف الغزال.
كان يبتسم بعينين مقوسة، ومع ذلك بدت نظرته سيئة بطريقةٍ ما…
حاولتُ أن أرفع يديّ في ذعر لأرفض، لكنه سبقني وتكلم موجهًا كلامه إليّ:
“أليس كذلك، أيتها الطالبة المنتقلة؟”
التعليقات لهذا الفصل " 1"