النهاية والبداية (10)
كانت الأعراض الأولى خفيفة: ألمٌ بسيط وخَدَر.
ثم، خلال دقائق معدودة، تبدأ بقعٌ سوداء تشبه الضباب بالانتشار من موضع اللمس إلى سائر الجسد.
ومنذ تلك اللحظة، يبدأ ألم ذوبان الجسد، ويقترن بالخوف من أن ينقطع النفس في أية ثانية، فيتخبّط المصاب حتى يلقى حتفه.
الناجون أطلقوا على هذا السم اسم «الضباب الأسود».
تختلف سرعة انتشاره والمدة حتى الوفاة من شخص لآخر، لكن الإنسان العادي لا يصمد في الغالب أكثر من يوم واحد.
وإذا لامس شخصٌ مصابًا بالسم، فإن العدوى تنتقل بنسبة مئة في المئة.
حتى النهاية، لم يُصنع أي ترياق.
وكان الحل الوحيد مهاراتٍ تتعلّق بـ «التطهير»، ومع ذلك لم تكن تمنح مقاومةً للسم، بل مجرد إجراءٍ إسعافي لإخماد الخطر الآني.
وفوق ذلك، لم تكن تلك المهارات شائعة، فانهار حتى هذا الحل المؤقت سريعًا.
— يـوها… يوها… أنقذيني.
— أنا أولًا! أليس واضحًا أنني الأقوى هنا؟
— المعالج! أنقذوا المعالج أولًا!
ترددت أصواتٌ عديدة كأنها هلوسات.
— لو كنتِ أكفأ قليلًا فقط…
— بسببكِ!
كأن الهمسات تُقال بجانب أذني مباشرة.
“هـي! هـي! ما بكِ؟! إذا زاد عدد الجثث هنا، سأترككِ وأمضي. مفهوم؟”
اهتزّ جسدي بعنف.
وحين عاد التركيز إلى بصري المشوش، رأيت أمامي قناع قطٍّ مألوف.
— لا بأس… أنا بخير، أنقذوا الآخرين أولًا…
“هل أنتِ بخير؟!”
صرختُ بلهفة، وأمسكت بيد إيول.
كنت قد ضربت يده بعيدًا بسرعة، لكن مجرد احتمال أن تكون أطراف أصابعه قد لامستني جعل الخوف يتفجّر في صدري.
كان من المؤكد أن أولى حالات التسمم لم تقع إلا بعد سنوات.
ومهما تغيّر الماضي، فالأحداث الطبيعية…
‘هل كان تخمين إيول صحيحًا؟’
“ما الذي أصابكِ؟”
لكن قبل أن أسترسل في التفكير، تراجع إيول مذعورًا من ملامستي المفاجئة.
توقفتُ مكاني، غير قادرة على اللحاق به، وأجبرت عقلي المثقل على العمل.
الناس الممدّدون في كل مكان… لا بد أن الجميع قد أُصيبوا بالسم.
من الأشد خطرًا؟ ومن أولًا؟
منذ متى؟ ولماذا؟ وأين الوحش…؟
“هاه؟”
فجأة، انهارت ركبة إيول، الذي كان واقفًا دون أي أذى.
أمال رأسه كمن لا يفهم ما يحدث، حاول النهوض، لكن حتى الجزء العلوي من جسده سقط أرضًا.
بدت حركته بطيئة، كأنها شريطٌ ممطوط.
وسقط القناع الذي لم يكن ينزعه أبدًا أمام الآخرين، وتدحرج على الأرض.
أنفٌ مستقيم، شفتان رفيعتان، عينان مغمضتان بإحكام.
شعرتُ وكأن الدم قد انسحب من جسدي كله، ولم أستطع النهوض إلا في تلك اللحظة.
‘التطهير… لو استخدمت المهارة…’
لكن، قبل أن أندفع نحوه، شعرت بقوةٍ تمسك كاحلي.
“أرجوكِ… أنقذيني.”
كان أحد الممدّدين على الأرض قد استعاد وعيه، وفتح عينيه لينظر إليّ.
في عينيه السوداوين الرطبتين، كان اليأس يتشبث بي.
نظرةُ إنسانٍ يتعلّق بحبل النجاة.
‘لا… لا تنظر إليّ هكذا.’
لا أستطيع إنقاذ الجميع.
إيول خلفي كان ما يزال بلا حراك، وكأن جميع الممدّدين من حولي يصرخون طالبين النجاة.
كاد قلبي ينفجر.
ومع تذبذب الرؤية وارتجاف الجسد، أمسكت رأسي بكلتا يديّ وانكمشت.
تم رصد خلل في المانا. ووفقًا لإرادة مالك المهارة…
صوتٌ يقرع رأسي، وألمٌ يغلي في داخلي.
لم أشعر سوى بيأسٍ خانق.
‘إيول… على الأقل إيول…’
ضغطٌ ساحق، كأنني أُسحق تحت جاذبيةٍ هائلة.
عضضت شفتي، واستخرجت آخر ما تبقّى من قوتي.
لا تحكّم، لا حسابات… يكفي أن أصل.
‘«التطهير».’
انفتح الفضاء، وخرجت منه ساقان طويلتان.
حذاءٌ أسود لامع، وسروال بدلة أنيق.
ثم ظهر الرجل كاملًا، واقترب من يوها بهدوءٍ يحمل ترف المفترس.
“……مثير للاهتمام.”
كانت عيناه الحمراوان، وهو يتفحّص المكان، جافتين كحبات الرمل.
سلوك متفرّجٍ يتدخّل في مشهدٍ مسرحي بلا اكتراث.
بطقطقةٍ من أصابعه، بدأ العالم ينهار، كأن قشوره تُسلخ.
ذابت الأوراق الخضراء وسالت كدمٍ أحمر، وسقطت السماء المتشققة ببطء نحو الأرض.
وفي النهاية، بدا العالم المنهار كأنه داخل أحشاءٍ عملاقة.
“أحسنتِ.”
ما إن انتهت كلماته، حتى انفتح الجدار كأن ستارًا يُسدل، ودخل هواءٌ نقي يحمل رائحة العشب.
الوحش الذي لفظ الناس خارجًا صغّر جسده، وكأنه أنهى مهمته، ثم اقترب من الرجل واحتكّ به بدلال.
ربّت على رأسه هامسًا:
“بيبي، ماذا ترى هذه الفتاة؟”
تمطّى الوحش المسمّى «بيبي» بكسل، مستمتعًا بملامسته، كأنه لا يدري شيئًا.
كان الوحش الذي يملكه الرجل من رتبة S، يصطاد فرائسه بإفراز سمٍّ مُهلوس عبر الهواء.
ما إن يلامس المرء ذلك السم، حتى يقع في أوهامٍ يصنعها بيبي.
في البداية، تسممٌ خفيف يدفع الضحية إلى دخول فمه،
وبعدها، حتى أقوى الصيادين يعجزون عن الإفلات.
لم يُعرف هذا النوع للعامة قط، إذ لم ينجُ أحد ليحكي عنه.
لكن الآن، بدا كحيوانٍ أليف لطيف.
الهلوسات التي يُظهرها بيبي قبل الصيد مباشرة هي أعظم مخاوف الفريسة.
معظمهم ينهار هلعًا ويفارق الحياة.
فلا شيء أسهل من التلاعب بالخوف.
منذ لحظة دخولهم البوابة، كانوا قد وقعوا في الفخ، وسِيقوا إلى هنا.
ولو ابتلعهم بيبي تمامًا، لماتوا دون أن يعرفوا حتى سبب موتهم.
لكن ما كان يريده الرجل ليس «ويند»، ولا هذا العدد من الصيادين.
بل هذه المرأة.
الإنسانة التي احتضنها مين ها جون بعناية بعد نجاته من تلك البوابة.
لم يسمع أحد أنه أصيب أو توقّف عن النشاط بعد ذلك.
ومهما كان من رتبة S، فالتعافي السريع مستحيل.
حتى أمهر المعالجين ما كانوا ليحققوا ذلك.
لكن الآن، عرف السبب.
“إذن أنتِ المتغيّر.”
لقد كان تحرّكه بنفسه يستحق العناء.
مشهد نادر كهذا.
لو سمع به فقط، لما صدّقه.
القوة التي شعر بها وهي تمتص السمّ من المنطقة بأكملها ثم تطهّره… لا يمكن وصفها بالكلمات.
يبدو أنها صيّادة حديثة الاستيقاظ، لا تزال عاجزة عن التحكم بقوتها.
‘همم… قتلها خسارة.’
فكّر وهو يمسح ذقنه.
قتلها الآن أسهل من التنفّس.
لا حاجة حتى للمانا، يكفي أن يعصر عنقها النحيل قليلًا.
لكنه لم يفعل.
“عندما تقع في يدي لاحقًا، آمل أن تكوني قد نضجتِ أكثر.”
بعد أن عرف قدرتها، لم تعد متغيّرًا.
بل قطعة شطرنج نافعة أضيفت إلى لعبته.
انحنى ومسح شعرها بلطف.
فالمرء لا يبخل بالودّ على ما سيكون له.
في تلك اللحظة، تحرّك «ويند» الممدّد دون حراك.
“رتبة S فعلًا… يستيقظ بسرعة.”
نظر إليه ببرود، كما لو كان غرضًا، ثم اختفى وهو يحمل بيبي على كتفه.
في ذلك الوقت، خارج البوابة، عمّت فوضى غير متوقعة.
“لكن… الجمعية بدأت الاقتحام بالفعل!”
“أعلم. لم آتِ للتعطيل، تنحّوا جانبًا.”
نظر الموظفون الذين أوقفوا مين ها جون إليه بحرج.
“تم تقييم الصعوبة، وأُرسل صيادون أعلى من الرتبة تحسّبًا لتكرار الحادث السابق.”
“سألقي نظرة فقط.”
“ليس لدينا صلاحية…”
لم يستطيعوا منعه، لكنهم لم يجرؤوا على استخدام القوة.
وفجأة، جاء صوتٌ أنقذ الموظفين.
“حتى لو دخلتم الآن، فلن تطالبوا بحقوق الغنائم، ولن يُعلن عن مشاركتكم إعلاميًا. الرجاء التوقيع.”
اقتربت امرأة ربطت شعرها، وعدّلت نظارتها.
“القلم؟”
“هنا.”
وقّع مين ها جون دون تردد.
وحين أومأت المرأة بعد مراجعة الورقة، تنحّى الموظفون أخيرًا.
“كما تعلمون، في حال الإصابة أو الوفاة…”
“نعم، نعم. لن أحمّلكم المسؤولية.”
“جميل، نحب السرعة.”
اختفى مين ها جون خلف البوابة.
‘هل كان في هذه البوابة أمر غير طبيعي؟’
تذكّرت المرأة التقرير مجددًا.
بوابة من رتبة B.
لا وحوش خطيرة.
أنماط موجية متوقعة.
كل شيء بدا طبيعيًا.
“ويند دخل أيضًا، أليس كذلك؟”
“لم يكن أحد عند المدخل، لكن مين سيك قال إنه رآه يتجه نحو البوابة.”
تأففٌ مكتوم.
“ألم أقل أبقوا مراقبين دائمًا؟”
“نُجلي المدنيين وننظم المكان… والناس تبثّ مباشرة دون خوف هذه الأيام…”
“مفهوم.”
غطّى تشوي مين سيك فم زميله بيده.
‘يا لك من أحمق.’
“تعلم أن تكرار حادثٍ كهذا سيكون كارثة، أليس كذلك؟”
“نعم.”
وكان يعلم أيضًا أن السبب في كل هذا التوتر هو الاتصال بـ«التجاوز».
‘هذا الضمير اللعين…!’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"