“بطولة السيف…؟ آه.”
توقّفتُ لحظةً عند سماع بطولة السيف، ثم فهمتُ مراد إيريستل.
في الإمبراطورية، عندما يذهب الخطيب إلى الحرب،
تهديه حبيبته منديلاً أحمر مصنوعاً يدويّاً.
أحمر ليخفي الدماء، ويحمل أمنية العودة سالماً.
تطوّر الأمر في بطولة السيف:
تُهدي الحبيبة منديلاً أحمر لمحبوبها قبل المنافسة.
ليس شرطاً أن يكون حبيباً، بل يمكن لأيّ شخصٍ تكنّ له مشاعر.
كفالنتاين أو وايت داي في العصور الوسطى.
والمتلقّي يردّ الجميل بتقديم كأس الفوز هديةً.
نظرتُ إلى إيريستل وقُلتُ:
“لم أكن أعلم أنّ لديكِ هذا الجانب العاطفيّ.”
“……”
احمرّ وجهها، واستدارت بسرعة.
تبدو ناضجةً جدّاً، فشككتُ أنّها متراجعه بالزمن مثلي،
لكنّها في داخلها مجرّد طفلة.
“أبي يُجبرني. عائلتنا تُهدي المنديل للعائلة الإمبراطورية منذ أجيال ،للتقرّب.”
“آه، مفهوم.”
حتّى لو لم يكن حبّاً، يمكن أن يكون خطوةً للترقّي.
‘همم، حدثٌ مغرٍ إذن.’
أعرف أيّ العائلات سترتفع لاحقاً.
لا ضرر من التقرّب.
ابتسمتُ بثقة:
“إذن، سأصنع عشرة مناديل وأوزّعها على أبناء العائلات الواعدة!”
“……هذه مخالفة للآداب. منديلٌ واحدٌ فقط، طبعاً.”
تأفّفتُ بخفّة.
يا للأسف. واحدٌ فقط؟
كنتُ أفكّر في الكثيرين، لكنّ واحداً يصعّب الاختيار.
“بالطبع. من يتلقّى المنديل يجب أن يهدي الكأس لمن وثق به. من يردّ الجميل لأيّ أحد؟”
“تش.”
حقّاً، ليس استثماراً متنوّعاً.
حدّقتني إيريستل، ثم أمالت رأسها:
“ولا داعي لذلك، فرصة تلقّيكِ كأس عاليةٌ أصلاً. زوج المستقبل مرشّحٌ قويّ للفوز.”
“……”
دونغ.
ارتجفتُ الطاولة والكرسي من صدمتي.
قالت كأنّ الأمر بسيط: أعطي أساد منديلاً، ما المشكلة؟ لكنّني أرفض القيام بذلك و لو على جثتي.
“مستحيل! أعطيه منديلاً؟ مجنونة؟ الجهد، المواد، الوقت — كلّها هدر! إهدار موارد!”
هاجمتُ كالمجنونة.
مجرّد تخيّل تسليمي منديلاً مصنوعاً يدويّاً له يُقشعرّ بدني.
فركتُ ذراعيّ بقوّة من الرجفة.
نظرتْ إيريستل باستغراب:
“لماذا تكرهينه لهذه الدرجة؟ وينشستر غريب الأطوار قليلاً… لكن يبدو لكِ سببٌ آخر. أم أنّه بسبب أصله العامي؟”
“……”
عبست عند قولها ‘غريب الأطوار’.
حتّى هي تُجمّل الأمر.
هو في الحقيقة مزعج.
هدأتُ قليلاً عند صوتها الهادئ،
ثم هززتُ رأسي:
“لا… الأصل لا يهمّ.”
“إذن لماذا؟”
سألتْ بفضولٍ حقيقيّ.
ربّما كانت تتساءل منذ زمن.
حتّى أساد، الغبيّ، كان يسأل: “لماذا تكرهينني؟”
الآن يبدو أنّه اعتاد على شخصيتي،
لكنّ الآخرين لاحظوا بالتأكيد.
في الصالون، كنتُ دائماً باردةً معه فقط.
‘هل أقول الحقيقة؟’
كنتُ متزوّجةً من أساد في الحياة السابقة.
إيريستل هادئةٌ جدّاً، لن تصدَم.
ولا أجد سبباً آخر.
نظرتُ إليها بجدّية:
“في الحقيقة… كنتُ متزوّجةً من أساد سابقاً.”
“ماذا؟”
سألتْ كأنّها سمعَتْ خطأ.
رمشتْ عدّة مرّات، ثم قالت:
“آه، تقصدين أنكما تشاجرتما سابقاً؟”
“……لا.”
لم تتوقّع من فتاةٍ في الثالثة عشرة أن تقول:
“كنتُ متزوّجةً منه سابقاً”
ظنّت أنّني أخطأتُ في الكلام،
لكنّها محاولةٌ لطيفةٌ لا داعي لها.
فتحتُ فمي ببطء، وبدأتُ الحكاية الطويلة.
“في الحقيقة، أتذكّر حياتي السابقة…”
“……”
استمعت إيريستل إلى قصّتي الطويلة بصبرٍ نادر.
بما أنّها قليلة التعبير رغم سنّها، لم أعرف إن كانت تصدّقني أم لا.
حكيتُ بهدوء: زواجي من أساد في الحياة السابقة،
كيف متّ، وكيف عدتُ إلى الثالثة عشرة.
“…وهكذا حدث.”
“……”
هل تستمع؟
أنهيتُ قصّتي الطويلة بحذر.
لم تقل شيئاً.
رفعتُ عينيّ إليها، فتقابلت أعيننا،
ثم نهضت ببطء.
“انتظري قليلاً.”
“إلى أين؟”
“لديّ بطاقة مستشفى الأمراض العقليّة من قبل…”
توقّعتُ ذلك، لكنّها لن تصدّق بسهولة.
لو قالت صديقةٌ أكلتُ معها الكوكيز للتوّ:
“أنا بالغة، وهذه حياتي الثانية!”
لأحلتُها إلى الطبيب بحذر.
“لا! كنتُ أمزح! آسفة!”
أمسكتُ بذيل فستانها، أتوسّل أنّها مزحة.
خفّت حدّتها قليلاً، ونظرتْ إليّ.
“……”
“…..”
لكنّ الشكّ لم يزل كاملاً.
نظرتُ حولي بسرعة، أبحث عن موضوعٍ لتغييره،
فرأيتُ منديلاً نصف مصنوع على طاولة جانبيّة.
اقتربتُ بعينين لامعتين:
“واو! ما هذا؟ صنعتِه أنتِ؟
المنديل للعائلة الإمبراطورية؟
رائع جدّاً! يمكن بيعه في السوق فوراً!”
«…كح. ليس شيئاً كبيراً.»
إيريستل ضعيفة أمام المديح.
نجحتُ في تشتيت انتباهها.
واصلتُ بحماس:
“لا، لا! أريد أن أصنع أيضاً!
هل أستطيع الحضور وصنعه معكِ؟
أنا فاشلة يدويّاً، لكن مع تعليمكِ سيكون مثاليّاً!”
“تتعلمين منّي؟”
“نعم! نعم! أرجوكِ!”
“…..”
فكّرت قليلاً، ثم أومأت.
لحسن الحظّ، تجاوزنا الأمر.
تنهّدتُ براحةٍ خفيّة.
الآن لا تصدّق، لكنّني سأُثبتُ لها يوماً ما.
الفرص كثيرة.
* * *
غداً بطولة السيف الإمبراطورية.
بعد أن خدعتُ إيريستل بـ”سأصنع منديلاً معكِ”، صنعتُ كلّما سنحت الفرصة، لكنّني لم أكمله بعد.
لا أحد سأعطيه، لكن يجب إكماله بحلول الغد.
إن لم أفعل، ستنخفض ثقتها بي.
بقيتُ حتّى منتصف الليل أعمل على المنديل.
بينما أجلس على الأريكة، مرّت أختي ناعسةً إلى الحمّام:
“هدية تمني الفوز لسموّ ولي العهد؟”
ظنّت أنّني أهديه لليوبولد.
“لا.”
لم أرفع عينيّ عن المنديل.
هدية تمني الفوز، لكن ليست لليوبولد بالضرورة.
“تخجلين مجدّداً.”
“…..”
ظنّت أنّني أكذب خجلاً، فاستهزأت.
‘لماذا يفترض الجميع أنّني سأعطيه لليوبولد؟’
ربّما لأنّه دعاني إلى القصر أو زار منزلنا.
“……”
نظرتُ إلى المنديل الأحمر البسيط في يدي.
بلا زخرفة أو تطريز، مجرّد قماش أحمر فاقع.
مشوّه الشكل، خيوطه متفكّكة كأنّ عُمره ثلاث سنوات.
لا يبدو هديةً أبداً — عمل مبتدئ تماماً.
كنتُ دائماً فاشلة يدويّاً.
“……”
شعرتُ بالأسف قليلاً: ‘هل بالغتُ في سوءه؟’
لكن ليس للاستخدام في الحرب، فلا داعي للكمال.
ولا أحد سيستخدمه أصلاً — لا متلقّي.
فجأة أدركتُ:
كنتُ أركّز على “الإكمال”، لكن لم أفكّر في لمن سأعطيه.
حتّى اليوم قبل البطولة.
‘همم… إذا كان يجب على شخصٍ واحد، فمن؟’
…على أيّ حال، لن أعطيه أصلاً.
بينما أفكّر، مرّ وجهٌ في ذهني:
صبيّ جميل، شعر فضيّ، عيون ذهبيّة.
“……؟”
توقّفتُ يديّ عن العمل فجأة.
♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪
بترجمة الجميلة ميس الريم
التعليقات لهذا الفصل " 62"