بعد أن حدّقت بي لفترة وكأنها منزعجة، تنهدت تلك الفتاة تنهدًا صغيرًا بدا عليه الإرهاق.
قالت بنبرة متعبة:
“هل تنتهي اللعبة عندما نُطابق كل البطاقات؟”
“هاه؟”
أشارت بإصبعها إلى البطاقات المقلوبة على الطاولة وسألت.
ثم أغلقت الكتاب السميك الذي كانت تقرؤه، ونهضت من مكانها، وتقدمت بخطوات هادئة نحو الطاولة، وبدأت تُطابق أزواج البطاقات واحدة تلو الأخرى.
“هـه؟”
لم أصدق عينيّ.
من المستحيل… لقد طابقت جميع الأزواج المئة والثمانية دون أن تخطئ في واحدة! ولم تكن قد رأت حتى البطاقات من قبل — نحن خلطناها وهي مغطاة بالقماش! هذا مستحيل منطقياً… إلا إذا كانت تستطيع رؤية المستقبل أو شيئًا من هذا القبيل.
نظرتُ إليها عن قرب، أتأمل ملامحها: شعر أسود، وعينان سوداوان، وجه جميل وإن بدا بسيطًا، لكنه يملك جاذبية هادئة.
“ماذا… ما بكِ؟”
قلت وأنا أحدّق بها بتمعن:
“آه، لحظة…”
تذكّرت فجأة — لقد نسيت أنها كانت إحدى الشخصيات الثانوية! إنها العرافة التي ظهرت في الرواية الأصلية مرة واحدة فقط.
كنتُ قد التقيت بها في حياتي السابقة، لكنها كانت حينها متنكّرة في هيئة عجوز، والآن بعد أن نظرت إليها جيدًا، أدركت أن هذا هو وجهها الحقيقي تمامًا.
“كنت أعلم أنني رأيتها من قبل…”
قلتُ وأنا أبتسم بخفة.
ثم تمتمت:
“أنتِ… يمكنكِ رؤية المستقبل، أليس كذلك؟”
لو قال أحدهم هذا لاعتقد أنها مجرد حيلة، لكنني كنت أعلم الحقيقة — إنها تملك بالفعل قدرة حقيقية على التنبؤ بالمستقبل، ونبوءاتها دائمًا تصيب تقريبًا بنسبة مئة في المئة.
بل هي من تنبأت في الرواية الأصلية بأن الأميرة إيفلين ستنتهي مع ليوبولد.
وبينما قلت ذلك، بدأ الحاضرون من فتيات الحديقة الوردية يتهامسن حولها بدهشة:
“هل هذا صحيح، الآنسة إريستيل؟”
“لا يمكن أن توجد قدرة كهذه حقًا…”
“لكننا رأيناها بأعيننا الآن!”
“لماذا أخفيتِ مثل هذه القوة طوال الوقت؟”
هكذا عرفنا اسمها — الآنسة إريستيل.
لكنها أطلقت تنهيدة طويلة، كما لو كانت سئمت من كل هذا الاهتمام المفاجئ.
بدا عليها التعب، وعيناها تعكسان نوعًا من التشاؤم، لا يناسب عمرها الشاب.
هل يُعقل أن تكون مثلنا، عائدة من حياة سابقة؟ أم أن قدرتها على رؤية المستقبل جعلتها بهذا المزاج الكئيب؟
ثم قالت إحدى الفتيات متحمسة:
“هل… هل يمكنكِ أن تخبِريني بمستقبلي؟”
“وأنا أيضًا، من فضلك!”
تدفقت الأسئلة من كل الاتجاهات، حتى قبل أن توافق إريستيل أصلًا على التنبؤ بشيء.
وأخيرًا، بدت عليها الضيق، والتفتت نحوي بعينين حادتين وقالت ببرود:
“كل هذا بسببكِ.”
ضحكتُ بخجل وأبعدت بصري، بينما الفتيات الأخريات التففن حولها بحماس.
“أريد أن أعرف من سيكون زوجي في المستقبل!”
“هل سأنجح في الحب مع الشخص الذي أعشقه الآن؟!”
لم تعد قادرة على التحمل، فازدادت نظراتها انزعاجًا.
والحق يُقال، بدأت أفهم سبب كرهها للكشف عن قدراتها.
لكن وسط ذلك الازدحام، دفعَتني إحدى الفتيات دون قصد
“آه!”
“احذري!”
اختلّ توازني وسقطتُ إلى الخلف، وفي تلك اللحظة التقت عيناي بعيني إريستيل المذهولتين — ثم فجأة، أمسك أحدهم بي من خصري قبل أن أرتطم بالأرض.
التعليقات لهذا الفصل " 60"