هل المقصود بـ”منذ ذلك اليوم” هو ذلك اليوم الذي نظر إليّ فيه أَسَاد بعينين مجروحتين بالكبرياء وقال: «لن أُهزَم أبدًا» قبل أن يستدير مبتعدًا؟
“حقًا؟ لماذا؟”
“لا أدري، يبدو أنه يتدرّب على السيف…”
عند سماعي كلمة التدرّب على السيف، ارتجف جسدي قليلًا.
كان في بالي سبب واضح لذلك.
> “قريبًا ستكون بطولة السيوف الشتوية.”
…أوه. على الأرجح أنه يريد الانتقام من ليوبولد هناك.
أساد ما زال يظن أنني أوقفت النزال بينه وبين ليوبولد لأنني كنت أعتقد أنه سيخسر، ولذلك فقد كرامته.
في القصة الأصلية، كان الفائز ببطولة الشتاء هو ليوبولد. فبعد أن خسر أمام أساد في المرة السابقة، عمل جاهدًا على تقوية نفسه، ثم فاز عليه في النهاية، وأهدى الكأس لإيفلين، لتنتهي الحلقة بتلك اللحظة الهادئة.
*ميس: اوه بصراحه هنا تراجعت احط اللوم على البطله لان البطل عمل جميع اسباب سوء الفهم تباً له*
لكن هذا العام… لست واثقة كيف ستسير الأمور.
لو أن أساد لم يتهاون، فربما تتغير النتيجة.
“هاه…”
تنهدتُ بعمق وأنا أفكر في الأمر.
على أي حال، ما يفعله ذلك الفتى لا يهمني الآن، فلدي ما يجب عليّ فعله اليوم.
* * *
“يا فتيات! هل أستطيع لفت انتباهكن قليلًا؟”
عند صوتي، التفتت إليّ سيدات الحديقة اللواتي كنّ يتحدثن فيما بينهن.
كان جمالهن الطاغي كفيلًا بأن يجعلني أتردد لحظة.
بما أنني مجرد شخصية ثانوية، لم أعتد على أن تكون الأنظار كلها موجهة نحوي.
تنفست بعمق، وحاولت ضبط ملامحي.
عددهن خمس فقط. حسنًا، عدد مناسب. كلهن تقريبًا في مثل عمري.
ابتسمت بلطفٍ شديد وتقدمت خطوة للأمام.
“هناك شيء أود أن أريكن إياه.”
“آه، هل هذا…؟”
لحسن الحظ، كنّ أكثر اهتمامًا بما في يدي من اهتمامهن بي.
فتراجع توتري قليلًا.
“نعم. إنه نفس ما قدمته للإمبراطورة الموقرة من قبل.”
“!”
ابتسمت ابتسامة براقة وكأنني بائعة محترفة.
فاندهشت السيدات فورًا عند سماع الاسم.
أتذكر كيف كنّ ينظرن بحسدٍ حين أهدَيت الإمبراطورة المروحة المميزة من صنع إيان.
فحتى من بعيد كانت المروحة تبدو فخمة وأنيقة.
“آنسة تينا، أهي…؟”
“نعم، هدية لكُم.”
ما إن قلت ذلك حتى أشرق وجوههن كالنجوم.
كادت لمعتهن أن تعميني للحظة.
صحيح أنني أنفقت الكثير من المال، لكنني كنت أعتبره استثمارًا للمستقبل.
فالمروحة التي أهديتها للإمبراطورة انتشرت شهرتها بسرعة مذهلة.
وبالطبع، من الأفضل أن تنتشر بيد الإمبراطورة ومن خلال نساء حديقتها، لا بيدي أنا.
“شكرًا جزيلًا!”
“كم أنا ممتنة لكِ!”
“لا داعي لذلك.”
ابتسمت ابتسامة رقيقة وأنا أُخفي مشاعري الحقيقية.
* * *
منذ ذلك اليوم، ورغم انشغالي، كنت أزور حديقة الإمبراطورة كثيرًا.
مشروع صالون إيان الفني كان يتقدّم بوتيرة أسرع مما توقعت،فقد كانت الأموال تتدفق من نساء الحديقة أنفسهن.
تصاميم إيان لاقت إعجابًا واسعًا بين الفتيات، وحتى الرجال كانوا يشترونها كهدايا لأخواتهم أو زوجاتهم.
ومع كون كل قطعة تُصنع يدويًا، أصبح الطلب أكثر من العرض، فارتفعت الأسعار تلقائيًا.
* * *
في صباح ذلك اليوم، وصلت إلى الحديقة الإمبراطورية كعادتي.
وما إن دخلت، حتى التقت عيناي بعيني إيفلين.
“تينا!”
“آه، سموّ الأميرة—”
كنت لا أزال أخاطبها بلغة رسمية، بعكس ما كنت أفعله في حياتي السابقة.
لم نقترب كثيرًا بعد، ليس لأنني أتجنبها، بل لأن…
“آنسة تينا!”
“أهلاً بكِ!”
الكل صار يحتاجني. لذلك لم يعد هناك وقت لأقضيه معها.
أحاطت بي السيدات بوجوهٍ مشرقة حتى شعرت بالحرج.
كنت أشعر أن وجودي بينهن يجعلني باهتة كالأخطبوط بين اللؤلؤ.
في حياتي السابقة، كانت إيفلين صديقتي الوحيدة، أما الآن، فأول مرة أُستقبل بهذا الحماس—رغم أنني أعلم أن اهتمامهن ليس بي، بل بما أحضره معي.
“بشأن الطلب الذي تحدثنا عنه…”
قالت إحداهن وهي تمسك بذراعي وكأننا نتبادل الأسرار.
“آه، تقصدين ذلك.”
ابتسمت بخبث وأخرجت صندوقًا صغيرًا من صدريتي.
“كان من الصعب جدًا الحصول عليه.”
“!”
“لكن بما أنكِ طلبتِه، تحدثتُ مع مصممنا الرئيسي شخصيًا…”
(طبعًا، المصمم الرئيسي الوحيد لدينا هو إيان، لكن لا بأس بالقليل من التهويل لرفع السعر.)
“حقًا أشكرك!”
احتضنتني وهي تمسك الصندوق بفرح، ثم أضافت بمرح:
“في الواقع، أنتِ مثلي الأعلى يا آنسة تينا.”
“أنا؟”
ابتسمت وقالت:
“فأنتِ الأجمل والأكثر أناقة بين جميع نساء الحديقة!”
“أنا…؟”
في الحقيقة، تغير مظهري قليلًا مؤخرًا.
صرت أتمرن أكثر، وانشغلت بالجري هنا وهناك للترويج لمنتجات إيان، وربما نحفت قليلًا، كما أن إيان صار مصممي الشخصي.
لكن حتى مع ذلك، لم أكن أستحق هذا المديح المبالغ فيه.
كل واحدة منهن أجمل مني بمئة مرة على الأقل.
“صحيح! تينا هي الأجمل!”
“تمامًا، أتفق!”
آه، فهمت الآن.
إنهن يقلن هذا فقط لأنهن يردن شراء المجوهرات من إيان عبري.
كنت أبتسم مجاملة حين سمعت همسًا خلفي:
“…أغار منها.”
التفتُّ فورًا.
كانت إيفلين تحدّق نحوي بنظرة حزينة.
“سموّ الأميرة؟”
“آه؟ ماذا؟ هل قلت شيئًا؟”
يبدو أنها لم تدرك ما قالته بنفسها.
ربما همست دون وعي.
لا بأس، يحصل هذا للجميع — حتى أنا أقول أشياء غريبة وأنا أنام أحيانًا.
“آنسة تينا، تعالي معنا إلى هناك.”
سحبَتني إحداهن بلطف، وتركتُ إيفلين خلفي مترددة.
رغم أنها دخلت الحديقة قبلي، إلا أنها ما زالت غير منسجمة مع الفتيات.
أظن أن السبب ليس فقط كونها أميرة من دولة أخرى، بل لأنها فقدت صديقتها الوحيدة… وهي أنا.
في حياتي السابقة، كانت صديقتي الوحيدة، وأنا أيضًا كنت صديقتها الوحيدة.
فشعرت بشيء من المسؤولية نحوها.
“أمم، سموّ الأميرة… سيداتي…”
“?” “ما رأيكن أن نلعب لعبة معًا؟ للتسلية فقط!”
الدفء في العلاقات لا يأتي إلا من الودّ، أليس كذلك؟ فابتسمت بخجل.
قررنا لعب لعبة بطاقات بسيطة يمكن للجميع المشاركة فيها.
لكن… كنا خمسة فقط. أليس من المفترض أن نكون ستًّا؟
نظرت حولي، فلاحظت فتاة بشعرٍ أسود جالسة في الزاوية تقرأ كتابًا وحدها.
“وهذه؟”
كانت جميلة، ملامحها هادئة لكنها تحمل ظلالًا من الحزن.
تذكرتها من يومي الأول هنا.
أعرفها من القصة الأصلية، لكن لا أتذكر دورها جيدًا.
حين اقتربت منها، بدا على باقي الفتيات القلق،لكنني تابعت سيري.
“لا تبقي وحدك هناك، تعالي نلعب سويًا!”
“…”
رفعت رأسها نحوي للحظة، ثم عادت للكتاب. تجاهلتني تمامًا.
فتقدمت حتى وقفت أمامها.
“هل تنضمين إلينا؟”
“لا.”
“نحتاج شخصًا سادسًا فقط.”
“قلت لا.”
ابتسمتُ بإصرار.
كانت باردة، لكنها أثارت فضولي أكثر.
شعرت أنني لو تحدثت معها أكثر، ربما سأتذكر أي شخصية هي بالضبط من القصة،وربما تمتلك موهبة خاصة مثل إيان… ولو استطعت ضمها إلى جانبي، قد تفيدني يومًا ما.
لكنها رفعت نظرها نحوي بنظرة ضجر، وأنا واصلت الابتسام، وكأن شيئًا لم يحدث.
التعليقات لهذا الفصل " 59"