“ماذا؟”
انفجرت خلفي نبرة صوت مصدومة.
كان ليوبولد.
سمعت خطواته تقترب نحوي من الخلف.
“أنت، أنا لم—”
مددت يدي على عجل وسددت فمه قبل أن يكمل، وقلت بابتسامة متوترة:
“نحن أصدقاء قدامى، لذلك أعرفه جيدًا. هو فقط… خجول جدًا، ولا يجيد التعبير بصراحة. في الحقيقة، كان يريد الانضمام إلى الحديقة منذ زمن طويل.”
“…….”
لم تكن تلك كذبة بالكامل.
ففي النهاية، إيڤلين كانت في الحديقة.
وليوپولد بالطبع يريد البقاء قريبًا منها.
إذن فالكلام لم يكن كذبًا محضًا… فقط مبالغًا فيه قليلًا.
تبادلت الإمبراطورة النظر بيني وبين ليوپولد قبل أن تقول:
“من الصعب تصديق ذلك.”
قلت بسرعة، وأنا أفتح ذراعيّ كمن يحاول الإقناع:
“إنها الحقيقة! لو لم يكن كذلك، هل كان ليطلب الحديقة في رهان؟ أليس كذلك؟”
لكن الإمبراطورة بقيت متشككة.
“لماذا بحق الجحيم—”
عندها، أبعد ليوپولد يدي عن فمه وقال بحدة:
لكنني أسرعت وأعدت إسكات فمه وهمست له بصوت منخفض لا يسمعه سوانا:
“قلت إنك جئت لتستعيد ما هو لك، أليس كذلك؟”
توقف ليوبولد فجأة، وعيناه الذهبيتان تحدقان بي بتردد.
ذلك كان بالضبط ما قاله حين اقتحم بوابة الحديقة. لا شك أنه تذكر.
تابعت كلامي بهدوء:
“لكن إن قاتلت هنا، فلن تستطيع استرجاع ما تريده.”
تزعزعت نظرة عينيه أكثر.
يبدو أن كلماتي أصابت شيئًا في داخله.
قلت أقنعه أكثر:
“سأساعدك في إخراج إيڤلين من هنا بنفسي، أعدك. فقط ثق بي، حسناً؟”
عاد إلى الصمت، عيناه تتلاعبان بشيءٍ بين الغضب والتفكير.
نظرت إليه نظرة تحذير — لا تتكلم.
لو فضح كذبتي الآن أمام الإمبراطورة… قد يكون هذا آخر يوم لي حيّة.
أخيرًا، أمسك ليوپولد يدي وأنزلها ببطء، ثم أطلق تنهيدة طويلة.
وأغلق فمه متجهّمًا.
ردّ فعله بدا غير متوقع حتى للإمبراطورة، التي كانت تتوقع أن يثور.
“حسنًا، إن كان الأمر كذلك…”
قالت الإمبراطورة بنبرة فيها استسلام ظاهري، لكن عينيها بقيتا تلمعان بخبث.
“ليس الأمر كما أريده، ولكن لا بأس. داخل القصر، يحق لولي العهد أن يكون حيث يشاء.”
قالتها وكأنها رضخت مجبرة، لكنها في داخلها كانت قد حسبت كل شيء بدقة.
فقد نجحت في إبقاء خصمها، ولي العهد، داخل نطاق سيطرتها — دون أن تُسفك قطرة دم واحدة.
لكن حتى ليوبولد لم يخرج خاسرًا.
فإيڤلين محتجزة عمليًا داخل هذه الحديقة، ولن يستطيع إنقاذها إلا من الداخل.
هكذا تحوّل الموقف إلى منفعة مشتركة.
أحسست بالفخر: أنا عبقرية فعلاً.
وفي خضم سروري الصامت، سمعت صوته المنخفض خلفي:
“لن أنسى هذا الدَّين أبدًا.”
ثم ترك يدي ومشى مبتعدًا بخطوات غاضبة خارج الحديقة.
تنهدت.
صحيح أنني فعلت ذلك بدافع النجاة، لكنني ساعدته في النهاية.
يا له من ناكر للجميل.
لكن… هذا هو ليوبولد، دائم التذمر من العالم كله.
نظرت حولي، والحديقة كانت قد بدأت تُنظَّم مجددًا بعد الفوضى.
يبدو أن حفلة الترحيب قد ألغيت تمامًا.
كنت على وشك المغادرة عندما—
دَفعة.
اصطدم وجهي بصدر أحدهم.
“؟”
وقف الشخص أمامي صامتًا كجذع شجرة. رفعت رأسي بدهشة.
رجل ذو شعر أحمر ونظرة باردة كالثلج كان يحدّق بي دون تعبير.
“أه! لَقَد أفزعتني… لماذا أنت—”
لكنه بقي صامتًا.
عيناه الزرقاوان، اللتان كنت أظنهما دومًا كاللهيب، بدتا الآن كأنهار متجمدة منذ قرن.
شعرت أن لديه ما يقوله، شيء جاد.
وبما أني أعرفه — كنت زوجته السابقة بعد كل شيء — أدركت أن عَصبيّته لم تأتِ بلا سبب.
هل كان غاضبًا لأنني منعت القتال بينه وبين ليوبولد؟
ربما شعر أنني سرقت منه فرصة لإظهار قوته أمام الإمبراطورة؟
ربما… لكن إحساسي قال إن الأمر أعمق من ذلك.
بعد صمتٍ طويل، قال أخيرًا بصوت منخفض غليظ:
“أنتِ حميتينني لأنكِ ظننتِ أنني سأخسر، صحيح؟”
“……؟!”
تجمدت مكاني.
هل هو جاد؟ أي خيال مريض هذا؟
شعرت كأن أحدهم ضرب رأسي، حتى سمعت جرسًا وهميًا يرن في أذني.
دِنغ… دِنغ… — ليس فقط الحب يولّد أجراسًا، بل الغباء أيضًا.
من يحمي من؟
هل أبدو بهذه الطيبة؟
حتى لو كنت طيبة، فلن أحميه تحديدًا! بل ربما كنت سأدفعه إلى السقوط لو أُتيح لي ذلك.
لكن مع ذلك، لم أستطع إلا أن أتساءل: من أين جاء بهذا الظن الغريب؟
تابع بثقة غريبة:
“لن أخسر لذلك الرجل أبدًا. مطلقًا.”
عندها فقط فهمت.
لقد ظن أنني تدخلت لأنني توقعت هزيمته، فجرحت كبرياءه.
صحيح، لقد رأيته سابقًا يخسر أمام ليوبولد.
لذا افترض أنني حاولت منعه من تكرار الفضيحة.
تنهّدت في داخلي.
يا له من تفكير مدهش… كيف يستطيع إنسان أن يسيء الفهم بهذا الإبداع؟
*ميس : واو افكارنا متشابهه لان نفس السؤال عندي من بدايه الروايه *
كل ما فعلته كان من أجل حياتي، لا من أجله ولا من أجل أحد.
قررت أن أوضح الأمر.
“هيه! أنت—”
لكن قبل أن أكمل، بدأ يمشي مبتعدًا بخطوات سريعة.
“آساد!”
ناديت عليه مرات عدة، لكنه تجاهلني تمامًا وغادر الحديقة.
وقفت في مكاني أراقب ظهره يختفي.
“ذهب…؟”
تمتمت بخفوت، حائرة.
هل ارتكبت خطأ ما؟
حقًا، لا فكرة لدي عمّا أغضبه بهذه الدرجة.
* * *
بعد ذلك اليوم، استغرق ترميم الحديقة التي دمّرها ليوبولد يومين فقط.
وبعد أسبوعين عدتُ إليها مجددًا.
لم أكن أرغب بالعودة — فالإمبراطورة هناك، وليوبولد قد يظهر، وآساد أيضًا…
لكن كان عليّ إنهاء بعض الأعمال.
الجو بدأ يبرد، فارتديت معطفًا وخرجت.
عندما وصلت إلى القصر، توجهت مباشرة نحو الحديقة الإمبراطورية.
وقفت أمام بوابتها المزخرفة، ثم أخذت نفسًا عميقًا وفتحتها.
في الداخل، استقبلتني روعة الحديقة المبهرة، وسحرها المليء بالأشخاص الجميلين لدرجة تثير الرهبة.
كأن كل واحد منهم نسخة من إيڤلين أو ليوبولد…
“آنسة تينا، مرحبًا!”
“مر وقت طويل.”
اقتربت مني بعض الفتيات بابتسامات مترددة، لكن ودّية أكثر من السابق.
“مرحبًا جميعًا.”
أجبت بابتسامة وأنا أبحث بعيني عن آساد.
لكنه لم يكن هناك.
تنفست بارتياح — لم أكن مستعدة للقاء آخر معه.
لكن لاحظت أن مقعده المعتاد ما زال خاليًا.
لاحظت إحدى الفتيات نظراتي فقالت بهدوء:
“إذا كنتِ تبحثين عن السيد آساد… فهو لم يأتِ إلى هنا منذ ذلك اليوم.”
♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪
بترجمة الجميلة ميس الريم
التعليقات لهذا الفصل " 58"