“أسـ… أساد، ما هذا؟”
كان أساد على وشك أن يصرخ على شخصٍ يُدعى أساد، قبل أن يدرك متأخرًا أن ذلك اسمه هو نفسه.
… لا يمكنه معاقبة نفسه مهما كان الأمر.
نظر إليّ بوجهٍ مدهوش بعد أن توقف عن الغضب، وكأنه لا يفهم ما يحدث.
“هل يمكنك أن تتركني وحدي قليلًا؟”
“…….”
قلتُ ذلك من دون أن أحاول إخفاء ضيقي.
نظر إليّ أساد بدهشة، ثم تنهد بخفة وكأنه شعر بالفراغ.
بعد سماعه هذا الكلام، لا أظن أنه سيبقى يلاحقني أكثر.
كنت أعرف جيدًا مدى اعتزازه بنفسه،
من المؤكد أنه لن يحتمل الإهانة وسينفجر غضبًا ثم يغادر.
توقعت أن ينهض ويغادر في أي لحظة،
فاتكأت براحة على الأريكة.
لكن بعد فترة صمت،
قال أساد بصوتٍ منخفض بالكاد يُسمع:
“إذًا… سأبقى بهدوء فقط…”
“…….”
تنهدت بخفة عند سماع جوابه غير المتوقع.
على ما يبدو، حتى لو عامله أحد بهذه الطريقة، فهو لا يريد المغادرة.
… يبدو أنه متمسك بمكانه جدًا.
حسنًا، ربما عليّ أن أبدّل مكاني أنا.
وبينما كنت أبحث بعيني عن مقعدٍ آخر
“!”
لفتت انتباهي فتاة بشعرٍ أسود طويل تقف في الزاوية.
بدت في مثل عمري تقريبًا.
شعرٌ أسود، وعينان سوداوان،
رغم أن ملامحها توحي ببعض الكآبة،
كانت جميلة بشكلٍ مذهل.
غريب… أشعر أنني رأيتها من قبل.
هل كانت معي في حياةٍ سابقة؟
لست متأكدة، لكن وجهها مألوف بشكلٍ ما،
رغم أن الذاكرة ضبابية.
تُرى، من تكون تلك الفتاة؟
… ربما عليّ أن أذهب وأسألها عن اسمها.
وبينما كنت على وشك أن أخطو نحوها،
“تينا!”
“؟”
سمعت أحدهم يناديني وهو يلهث.
وفي اللحظة نفسها،
قامت فتاة صغيرة بالوقوف أمامي فجأة،
تحجب الفتاة ذات الشعر الأسود عن نظري بالكامل.
“آه… آسفة على التأخير، لقد تهت في الطريق.”
امتلأ بصري بخصلات شعرٍ ذهبي طويل لامع.
إيفيلين كانت تقف أمامي، تتنفس بسرعة من الجري،
وفي يدها سلة فواكه ثقيلة تبدو مرهقة.
يبدو أنها ركضت وهي تحملها.
صحيح، إيفيلين دائمًا تضلّ الطريق.
حتى هذه الصفة تشبه ليوبولد تمامًا.
“كنت أريد أن أقدمها لك بنفسي بسرعة…”
رغم أنني طلبت منها أن ترسلها عن طريق أحد الخدم،
إلا أنها أصرت على حملها بنفسها.
وفي النهاية، ضاعت،
ليصبح جهدها بلا فائدة…
لكن ما يهم هو نيتها الطيبة، أليس كذلك؟
“شكرًا-“
كنت على وشك أن أقول “شكرًا لكِ” وأنا أمد يدي لأخذ السلة،
لكن فجأة…
“أوه، أنتِ ذكية وسريعة الملاحظة!”
“آه، أنت…”
اتسعت عيناي بدهشة وأنا أرى أساد ينتزع السلة من بين أيدينا.
يبدو أنه لم يتعرف على الأميرة إيفيلين،
أم أن نظام تمييز الوجوه في رأسه معطّل؟
لقد رآها من قبل في إحدى الولائم،
ومن المستحيل أن ينسى وجهًا كهذا.
“كيف تجرؤ أن تتصرف هكذا مع الأميرة؟”
“من؟”
نظراته الفارغة وكأن الأمر لا يعنيه جعلتني أغتاظ أكثر.
هل فقد ذاكرته بالفعل؟
بصراحة، كنت على وشك أن أجعله يفقدها بنفسي.
لكن قبل أن أتكلم،
“إيـ—”
“أوه؟ أنتم جميعًا هنا.”
“…….”
“آه، جلالة الإمبراطورة.”
عادت الإمبراطورة في توقيتٍ مثالي.
نظرتُ إلى أساد وكأنني أقول له “نجوتَ بالصدفة فقط”.
“؟”
وكالعادة، لم يفهم ما يحدث.
“تينا، لقد حان وقت التحضيـ—”
لكن قبل أن تُكمل الإمبراطورة كلامها بابتسامتها المعتادة،
دووووم!
صدر صوت انفجارٍ هائل من جهة المدخل،
حتى أن الحديقة المصغّرة اهتزت بعنف.
“!”
وبشكلٍ غريزي، احتضنتُ إيفيلين بقوة لأحميها.
“تينا…”
“هل أنتم بخير، جلالتك الاميره؟”
“نعم…”
تنفستُ الصعداء حين تأكدت أنها لم تُصب بأذى.
بدت خائفة قليلًا، لكنها بخير.
لو أصيبت أميرة من دولةٍ أخرى داخل إمبراطوريتنا،
لكان ذلك كارثة دبلوماسية.
لكن… ما هذا الصوت الهائل؟
هل هناك من حاول اغتيال الإمبراطورة؟
أو ربما كان الهدف إيفيلين نفسها؟
نظرتُ نحو مدخل الحديقة حيث صدر الانفجار.
كان المدخل نصف مدمَّر،
والغبار الكثيف يحجب الرؤية،
لكن من بين الركام…
“!”
رأيت فتىً ذا شعرٍ فضي يقف وسط الأنقاض،
يُطلق هالة قاتلة مهيبة.
كان وجهه طفوليًا بريئًا،
لكن ملامحه تشبه ملاك الموت الصاعد من الجحيم.
لم أتوقع أبدًا أن أراه هنا.
… ليوبولد؟ لماذا يبدو غاضبًا إلى هذا الحد؟
رغم أن وجهه بلا تعبير،
كانت عيناه الذهبيتان تشتعلان كالنار.
اقترب بخطواتٍ ثابتة،
وفي يده سيف طويل ينبعث منه جوّ رهيب.
وقف أمام الإمبراطورة وقال بصوتٍ بارد:
“سيستيا.”
اتسعت عيناي دهشة.
هذا الاسم… هو الاسم الحقيقي للإمبراطورة.
الاسم الذي لا يُستخدم إلا بين أقرب المقربين.
اسمها الكامل هو فرانشيا سيستيا دي لانغديريتسا.
لكن لا أحد يناديها بـ”سيستيا” إلا من تسمح لهم بعلاقةٍ شخصية جدًا.
حتى ليوبولد، رغم كونه من العائلة،
لم أتخيل أنها سمحت له بذلك.
وفوق هذا، استخدام الاسم في العلن يُعتبر وقاحة،مما يعني أن ليوبولد أراد أن يوجّه تحذيرًا أو إعلان تحدٍّ للإمبراطورة.
“…….”
راقبتُ وجه الإمبراطورة بقلق.
لكنها اكتفت بابتسامة هادئة وهي تنظر إليه بنظرةٍ مشفقة.
لم ترتبك حتى حين انهار المدخل،
ولا حين ظهر ليوبولد من بين الركام.
رغم أنني كنت أراها مزعجة أحيانًا،
إلا أنني لم أملك إلا أن أعترف بأنها امرأة مذهلة.
وقف الاثنان متقابلين في صمتٍ متوتر.
ولم يتجرأ أحد في الحديقة على الكلام…
لكن فجأة،
“يااا! ألا تعرف معنى الأخلاق؟!”
كان ذلك صوت أساد الأحمر الشعر،
يتدخل فجأة بين الإمبراطورة وليوبولد مشيرًا بإصبعه.
… لم أتخيل أن يأتي يوم يعظ فيه أساد شخصًا عن الأخلاق.
لكن، حسنًا، كلامه في مكانه هذه المرة.
غير أن ليوبولد تجاهله تمامًا وقال ببرود:
“اخرس وابتعد… أيها الكلب الأحمق.”
“مـ… ماذا قلت؟!”
كان أساد على وشك أن ينفجر غضبًا،
لكن الإمبراطورة مدّت ذراعها لتمنعه وقالت:
“ليو، ما الأمر؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
“جئت فقط لأستعيد ما هو لي.
لولا ذلك، لما وطأت قدمي هذا المكان الحقير.”
حدّق في الإمبراطورة بنظراتٍ حادة،
وكأنه يعرف تمامًا ما يجري.
“آه… تقصد صديقتك، أليس كذلك؟”
“…….”
تغيرت ملامحه قليلًا،
ويبدو أنها أصابت الهدف.
… وهكذا إذًا، وصلت الأمور إلى هذا الحد.
كنت أتوقع شيئًا كهذا منذ أن رأيت إيفيلين في حديقة الإمبراطورة.
لكن لم أتخيل أن ليوبولد سيكتشف وجودها بهذه السرعة.
من المؤكد أنه يظن أن الإمبراطورة اختطفتها،
وغضبه مبرر… من فقد من يحب قد يثور هكذا.
*ميس : انا بجد عجزت افهم طريقة تفكير البنت دي أعلن استسلامي🏳*
لكن فجأة، تقدمت الإمبراطورة نحونا.
هل ستأخذ إيفيلين؟
لا أريد أن أتورط أكثر.
أرخيت ذراعي وتركت الأميرة تخرج من حضني.
“هم؟”
لكن بدلاً من أن تمسك بإيفيلين…
أمسكت الإمبراطورة بذراعي أنا وسحبتني أمامها.
ثم قالت لليوبولد بنبرة فخرٍ واضحة:
“للأسف عليك، تينا أصبحت الآن أحد أفراد حديقتي.”
“…….”
… ماذا؟ لأول مرة أسمع بهذا!
منذ متى أصبحت جزءًا من حديقتها؟
رفعت بصري نحوها بدهشة،
بينما كانت تنظر إلى ليوبولد بابتسامةٍ واثقة.
لكن ليوبولد بدا مصدومًا بشدة.
كان يقبض على سيفه بقوة حتى ابيضّت قبضته من الغضب.
“لا أذكر أنني سمحتَ لكِ بهذا.”
“…….”
هل يحتاج انضمامي لحديقتها إلى إذن ولي العهد أيضًا؟
ابتسمت الإمبراطورة بهدوء وقالت بسخرية لطيفة:
“سماح؟ ولماذا عليّ أن أطلب إذنك يا عزيزي ولي العهد؟”
“هاه، من الواضح أنكِ أجبرتها على المجيء.”
أشعر أنني سأُغمى عليّ.
الجو في الحديقة أصبح خانقًا،
وكأن طاقة قاتلة غير مرئية تملأ المكان.
كنت أريد الهرب فورًا،
لكن الإمبراطورة أمسكت بي وكأنني رهينة أمام ليوبولد.
كانت نظراته حادة لدرجة أنني شعرت بأن رأسي سينخفض من تلقاء نفسه.
“يا إلهي، ولماذا تظن ذلك؟”
“أنا أعرف تينا جيدًا،
إنها الآن تنظر إليكِ بوجهٍ يصرخ بأنها تتمنى الهرب والموت من الإحراج.”
… حسنًا، ليس من الصعب معرفة ذلك.
أي أحد هنا سيرى أنني غير مرتاحة جدًا.
“ليس أمرًا عبقريًا لتلاحظه…”
لكن قبل أن أقول شيئًا،
تدخل أساد من الخلف بصوتٍ حاد وكأنه تلقى صاعقة:
“هـ… هذا أنا أيضًا أعرفه!!”
♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪~♬♪
بترجمة الجميلة ميس الريم
التعليقات لهذا الفصل " 56"