“…يا إلهي! ما الذي يحدث هنا؟ ثمة رائحة طيبة للغاية تنبعث من مكانٍ ما.”
“بتلات زهور؟ لكننا في فصل الخريف الآن…”
إيفيلين لم تكن تعلم، لكن الأرواح التي وقعت في حبها في هذه الأرض هي من ساعدتها في دخولها.
صحيح أن الآخرين لم يتمكنوا من رؤيتهم، لكن عيني أنا – التي ربت روحًا في بيتي – رأت كل شيء بوضوح.
عند هبوب الريح المفاجئة المحملة بالزهور، فتحت إيفيلين عينيها الكبيرة بدهشة، لكنها سرعان ما بدأت بخطواتٍ هادئة نحو الداخل.
كل الأنظار تركزت عليها.
“……”
“……”
وسرعان ما عمّ السكون قاعة الحفل.
حتى عزف الفرقة الموسيقية وأحاديث الناس الجانبية توقفت فجأة، حتى خُيِّل للجميع أن الزمن قد تجمد.
لا بد أن السبب هو جمال إيفيلين الآسر الذي جعل الجميع يذهلون.
رغم أنها لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، فقد كانت جميلة إلى درجةٍ تجعلها تستحق لقب “الحسناء النادرة”.
شعرها الطويل الذهبي اللامع انساب حتى خصرها، وعيناها الكبيرتان الخضراوان تلمعان كأن دموعًا ستنهمر منهما في أي لحظة.
أما فستانها الوردي ذو النقوش الصفراء البسيطة، فقد بدا وكأنه صُنع خصيصًا لها.
صحيح أنه كان بسيطًا على أميرة من سلالة ملكية، لكن جمالها هو ما جعله يبدو الأجمل في القاعة كلها.
إنها أشبه ببطلة خرجت للتو من صفحات مانغا رومانسية.
“واااه!”
“من تكون هذه؟”
“إنها الأميرة! من العائلة المالكة لآشـفورد!”
“كنت أعلم أن شخصًا غير عادي دخل للتو… إنها الأميرة بالفعل!”
وما أن أنهت إيفيلين دخولها، حتى أطلق الجميع زفرات مبهورة، ثم انهالت كلمات المديح بلا توقف.
إيفيلين، التي لم تعتد على مثل هذا الترحيب والاهتمام، احمر وجهها حتى كاد ينفجر خجلًا.
“أ-أنا… الأميرة السابعة عشرة من مملكة آشـفورد… إيفيلين آشـفورد. أشكركم كثيرًا على الدعوة!!!”
لكن صوتها المرتبك والمتقطع أسقط القاعة في صمتٍ محرج.
حينها كسر أحدهم الصمت بالتصفيق.
تصفيق… تصفيق…
صفقتُ أنا بكل حماسة.
فاليوم كان أول يوم في حياتها تخرج فيه من القصر لترى العالم الخارجي، وكان ذلك يستحق الاحتفاء.
“……”
عندما التقت عيناها بعيني، بدت عليها الحيرة.
كنت على وشك أن أبادلها ابتسامة تشجيع، لكنني توقفت فجأة…
كدت أنسى وعدي مع ليوبولد.
فتصلبت ملامحي وعدلت عن النظر إليها.
بجواري، نظر إليّ أساد طويلًا، ثم بدأ هو الآخر بالتصفيق.
وامتلأت القاعة بعد ذلك بتصفيقٍ صاخب للترحيب بالأميرة.
بعد لحظات، غادرت إيفيلين مع الوفد لمقابلة الإمبراطور.
فمن المعتاد أن يقدم وفدٌ أجنبي الجزية مباشرة بعد وصوله.
ومع مغادرتها، أخذ الناس يستعيدون وعيهم تدريجيًا، وتطايرت التعليقات في الأرجاء.
“حقًا إنها في غاية الجمال.”
“كيف لم نسمع بوجود مثل هذه الأميرة في مملكة آشـفورد من قبل؟”
شعرت بالفخر وكأنني أنا من نال هذا الاعتراف.
لكن… ما قيمة أن تعترف بها مجرد شخصيات ثانوية كهؤلاء؟
التفتُّ نحو أساد الذي وقف بجانبي منذ البداية.
لم ينطق بكلمة منذ ظهورها، وكان واضحًا أنه ذهل تمامًا.
“رائعة جدًا، أليس كذلك؟”
“هاه؟”
رفع رأسه فورًا وكأن عينيه كانتا مثبتتين عليّ منذ البداية.
بدا عليه الارتباك من سؤالي.
لماذا هذه النظرة الغريبة؟
“أعني… الأميرة إيفيلين.”
“آه، نعم… لكن، لا شيء مميز بها.”
أجاب وهو يتجنب نظري.
لا شيء مميز؟! بعد رؤية إيفيلين بتلك الطلة؟!
…هل يمكن أنه لم يلتفت إليها أصلًا؟ إلى ماذا كان ينظر إذن؟
سألته بدهشة:
“لا تقل أنك لم تنظر إليها؟”
“لا، رأيتها جيدًا. إنها أميرة. مختلفة تمامًا عن أمثالي من أزقة الشوارع.”
“……”
تأملت ملامحه بريبة.
توقعت أن يقول شيئًا مثل “كانت فاتنة” أو “لقد سلبت لبي”، لكن رده كان باردًا، كأنه يعتبرها من عالم آخر لا يمسّه.
خيبة أملٍ تسللت إلى صدري.
…أم تراه يخجل من الاعتراف؟
فبمزاجه المعتاد، لا يمكن أن يقول مباشرة إنها جميلة أو أنه أعجب بها.
وعليه، سألتُه بنظرة متفهمة:
“وقعتَ في حبها من النظرة الأولى، أليس كذلك؟”
“ماذا؟”
“لا داعي للخجل، كن صريحًا.”
“……ما الذي تريدين أن أجيب به تحديدًا؟”
كان يقطب حاجبيه قليلًا، وكأنه يظن أني أعبث معه.
“ألم تكن الأميرة جميلة؟”
“نعم… لنقل ذلك.”
أجاب أخيرًا باستسلام، وكأنه لم يجد مفرًا من الاعتراف.
“لكن… لماذا ردّ فعلك هكذا؟”
“……كما تعلمين، لكل شخص ذوقه الخاص.”
“لكنها من النوع الذي يعجبك، أليس كذلك؟”
“أنا؟”
“…….”
بدا أساد متفاجئًا حقًا، فأومأتُ بصمت.
راح يضع يده على فمه وكأنه يفكر بعمق، وصمت طويلًا… بدا كأنه يستعيد صورة إيفيلين في ذهنه.
“……آه! لون عينيها كان جميلاً. ولو نظرتِ سريعًا، لظننتِ أنه يشبهك قليلًا.”
“لون عينيها؟”
أخيرًا فتح فمه وكأنه اكتشف شيئًا، لكن ما قاله بدا غريبًا جدًا.
كل ما وجده ليصفه هو لون عينيها؟! بل ويشبههما بعينيّ أنا؟
سألته بنبرة تطالب بتفسير:
“ماذا تقصد بذلك؟”
“لا، أعني… هاه؟ لم أقصد ذلك… ماذا قلتُ بالضبط؟”
بدا واضحًا أنه أدرك لتوه زلة لسانه، وارتبك ارتباكًا شديدًا.
وكان يحاول أن يفسر مرتبكًا حين قاطعه صوتٌ آخر:
“آه، حان وقت دخول أفراد العائلة الإمبراطورية.”
هل مضى الوقت بهذه السرعة؟
رفعت بصري إلى الساعة الكبيرة المعلقة في القاعة، فوجدت عقاربها تشير إلى السادسة مساءً.
وقد بدا أن أجواء الحفل وصلت إلى ذروتها بالفعل، وكان الوقت قد حان لدخول الإمبراطور والإمبراطورة وسائر أفراد العائلة المالكة.
فالوليمة الحقيقية تبدأ ليلًا عند حضورهم.
“عليّ أن أذهب الآن.”
تمتمت لنفسي وأنا أنظر إلى الساعة.
فقد كان ليوبولد سيأتي قريبًا.
وبما أنه طلب مني ألّا ألفت الأنظار، فملاقاته هنا قد يسبب مشكلة كبيرة.
لذا قررتُ أن أغادر فورًا.
لكن أساد، الذي التقط كلامي، أسرع يتبعني.
“ماذا؟ ستغادرين الآن؟ إذن سأذهب معك–”
“لا.”
أجبته بصرامة.
إلى أين يظن نفسه ذاهبًا؟
إن استمر بملاحقتي فسيظن الجميع أننا جئنا معًا.
وسيبدو الأمر وكأنني أنفذ طلب الإمبراطورة المذكور في الرسالة رغماً عني.
تأملني أساد بنظرة غير راضية ونقر بلسانه بضجر، لكنه لم يحاول اللحاق بي أكثر.
رغم أنه لم يحضر سيفه معه، بدا وكأنه يسمع الكلام على غير عادته.
“ابقَ هنا ساعة تقريبًا قبل أن تلحق.”
“…….”
لم يكن مقصدي أن يضيّع وقته بلا هدف.
كان عليه أن ينجز مهمته: لقاء إيفيلين.
رغم احتمال أن ليوبولد قد يغيّر مجرى الأحداث الأصلية، فإن أساد سيشهد في هذه الوليمة أول لقاء رسمي له مع إيفيلين.
ربّتُ على كتفه مرتين وكأني أشجّعه، ثم استدرت عنه.
“إذن… بالتوفيق.”
“بالتوفيق في ماذا؟”
“…….”
سمعته يصرخ من خلفي: “بالتوفيق في ماذا بالضبط؟!” لكنني تجاهلت كلامه ومضيت إلى الأمام.
لحسن الحظ، لم أشعر أن أحدًا يتبعني.
أخيرًا وقد أصبحت وحدي، بدأت أبحث بعيني عن أفراد عائلتي.
بدا أن والديّ قد أسكرهم الخمر، أما أختي الكبرى فكانت تتحدث بحماس مع فتيات من النبلاء.
اقتربتُ منها وربتُّ على ظهرها بخفة.
“أختي، سأعود إلى الغرفة أولًا.”
“هاه؟ ما زلتِ هنا؟”
“…….”
يبدو أنها لم تدرك أنني بقيت في القاعة حتى الآن.
ولأنني لم أكن بجوار العائلة ولا أعرف أحدًا هنا، ظنت أنني عدت منذ زمن.
“سأذهب إذن.”
“حسنًا~ ليلة سعيدة.”
كان القصر قد فتح غرفه الفائضة ليستضيف الضيوف.
ورغم أن الوقت كان مبكرًا قليلًا، فقد قررت العودة إلى غرفتي.
“…….”
وما أن خرجت من قاعة الوليمة، حتى ابتعدت عني بسرعة أصوات الموسيقى والضحكات.
مضيت في أروقة القصر التي بدأت تظلم قليلًا مع حلول المساء.
ويبدو أنني كنت الوحيدة التي تسير في هذا الممر الطويل المؤدي إلى غرف الضيوف.
خطوة… خطوة… خطوة…
ارتد صدى خطواتي عاليًا في هذا الممر الواسع والفارغ.
بدا القصر وكأنه واسع بشكل مبالغ فيه.
لا أدري كم من الوقت مشيت هكذا…
“…….”
خطوة… خطوة…
تك… تك… تك…
ما هذا؟
توقفت فجأة.
خطوات؟ ليست خطواتي وحدها… بل هناك صوت خطوات آخر.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 39"