“ذلك هو…”
“…”
كان يبدو وكأنه لا يعرف ماذا يقول.
ملامحه حملت شيئًا يشبه… الذنب؟ الأسف؟ وربما قليلًا من الامتنان أيضًا.
وقبل أن ينطق أساد بكلمة، سارعت أنا بالكلام أولًا.
“لم أفعلها لأجلك أصلًا. أنا فقط أكره هذا النوع من النبلاء أكثر من أي شيء.”
“…”
في الخط الزمني الأول، عندما تدهورت أوضاع عائلتنا ووجدت نفسي مباعة كالعروس إلى بيت دوقي، عوملت بنفس الطريقة تقريبًا.
ومنذ ذلك الحين، كرهت النبلاء بأكملهم.
ثم تذكرت فجأة… ذلك الفتى بعينه كان قد حاول إغواء أخي بالمقامرة.
لحسن الحظ أنني أوقفت الأمر قبل أن ينجرف، لكن صورته لم تتحسن أبدًا في عيني.
بالتالي، لم يكن الأمر حقًا من أجل أساد.
حين سمع كلامي، بدا وكأن وجه أساد يحمر فجأة حتى بلغ أطراف أذنيه، ثم استدار بعنف مبتعدًا عني.
“لم أكن بحاجة لمساعدتك أصلًا.”
“…”
…ما خطبه الآن؟
قبل لحظات فقط، كان يظهر مشاعر مختلطة من الذنب والامتنان، والآن بدا وكأنه استاء فجأة.
*لا يعني تقولين له لم افعل هذا لاجلك و تتوقعين يقعد ممتن لك و يسكت؟*
هل يملك شخصيتين مختلفتين؟ ارتبكت لدرجة أنني آثرت الصمت.
“…”
شعرت بنظرات الناس من حولنا، والهمسات التي بدأت تنتشر.
لم يكن غريبًا، فقد أثرت ضجة صغيرة لتوّي.
ومع وجودي أصلًا بجانب شخص لافت مثل أساد، ازدادت الأنظار علينا.
“… تينا؟”
“…”
حين التقت عيناي بعيني أختي وأخي، اللذين كانا يراقبانني من بعيد بذهول، أدرت ظهري بسرعة وغادرت المكان.
كنت أرجو أن لا يصل هذا كله إلى آذان ليوبولد.
وبينما كنت أبحث عن مكان هادئ، عثرت على شرفة فارغة ودخلتها.
“هاه…”
أسندت جسدي إلى الحاجز، أحدّق إلى الأسفل، وأفكر أن أبقى هنا حتى تهدأ الأجواء.
الريح الباردة لامست وجهي بينما غمرني ضوء الغروب الأحمر، كاشفًا جمال العاصمة الإمبراطورية من الأعلى.
المشهد لم يتغيّر بين قبيل عودتي وبعدها.
في الماضي، كنت أراه برفقة إيفلين… وهذا لا يعني سوى أن موعد ظهورها قد اقترب.
“هيه.”
بينما كنت غارقة في أفكاري، سمعت صوتًا مألوفًا خلفي.
استدرت، فإذا به أساد، وقد تبعني إلى الشرفة.
…لماذا لحق بي مجددًا؟ هل بقي له كلام لم يقله؟
“… ماذا تريد؟”
“…”
أجبت ببرود، دون أن أغيّر وضعيتي، فقط أدرت رأسي نحوه.
اقترب أساد بخطوات واسعة حتى وقف بجانبي مباشرة، وأسند ظهره إلى الحاجز بجواري.
لم يعجبني وقوفه هنا، فقررت أن أبتعد إلى الشرفة المجاورة.
ليس خوفًا منه… بل لأن وجوده يزعجني.
لكن قبل أن أتحرك، سأل بصوت منخفض:
“… ماذا ستفعلين في عطلة نهاية الأسبوع؟”
توقفت عن الحركة، ثم نظرت إليه.
من زاويتي لم أر سوى جانبه.
بدا وكأنه يتعمّد عدم النظر نحوي.
لكن ضوء الغروب جعل وجهه المحمّر أشبه بجذع جزر أحمر.
“…”
يبدو أنني اليوم أرى من أساد وجوهًا لم أتخيلها حتى في أغرب أحلامي.
تأملت ملامحه المغايرة للحظة، ثم أجبت:
“ألصق عيونًا للدمى.”
“ماذا؟!”
انتفض من مكانه كأن صاعقة ضربته.
ظل جامدًا مكانه من شدة الدهشة.
ثم قطّب حاجبيه تدريجيًا وكأنه يحاول استيعاب الأمر.
“إلم ترغبي بلقائي، كان يكفي أن تقولي ذلك!”
“…لكنني جادة.”
لم يصدق أن سيدة نبيلة مثلي يمكن أن تقوم بمثل هذا العمل، لكنه الحقيقة.
بدأت ذلك كعمل جانبي لكسب المال، ووجدته مربحًا أكثر مما توقعت.
… لكن تمهلي. ما الذي قاله للتو؟
كان يسأل عن عطلة نهاية الأسبوع… بخجل! هل كان ينوي دعوتي للقاء؟
أفقت فجأة من ذهولي.
“انتظر لحظة. لماذا عليّ أن أضيّع عطلة نهاية الأسبوع الذهبية لأقابلك؟ على أي أساس؟ … لا، انسَ الأمر.”
“…”
كتمت في داخلي الجملة التي كدت أن أقولها: “العمل على لصق عيون الدمى أكثر إنتاجية من لقائك.”
لكن يبدو أن أساد التقط ما لم أقله.
نظر إليّ وكأنه قرأ أفكاري تمامًا.
ثم تنفّس بعمق وأسند ظهره مجددًا إلى الحاجز، قبل أن ينطق ببطء…
“قالت لي الإمبراطورة أن أتقرب إليك أولاً، وأبني بعض الألفة معك، ثم أجعلك تبوحين بكل ما تعرفينه عن ذلك الأمير المسمى ولي العهد.”
“……ماذا؟”
……أليس هذا صريحًا أكثر من اللازم؟
كان هذا الرجل في الحقيقة شخصًا غرسته الإمبراطورة لكي يتجسس ويستخرج المعلومات عن ليوبولد…… بعبارة أخرى، جاسوسا.
لكن الغريب أنه بدا قليل الحذر على نحو غير عادي.
في السابق لم يكن أبدًا بهذا الشكل.
لكن الآن، بدا وكأنه يتصرف وكأنني أصبحت حقًا في صفه.
هل لأنه في المرة الماضية دعتنا الإمبراطورة معًا إلى الحديقة، فاعتقد أننا حلفاء؟
إن كان كذلك، فذلك كان وهمًا كبيرًا، وكان عليَّ أن أصححه على الفور.
“لكنني لا أنوي بذل كل ذلك الجهد. فحتى تلك المرأة، الإمبراطورة، لا يبدو أنها تثق بي تمامًا……”
“انتظر، انتظر! هل يجوز لك أن تقول مثل هذا الشيء لي؟”
حتى وأنا غارقة في التفكير، كان أساد يبوح لي بأحاديث خطيرة دون أي تحفظ.
ولأنني لم أعد أرغب في سماع المزيد من هذا التعقيد، قاطعته على عجل.
“ولِمَ لا؟ نحن على أي حال شركاء في الجريمة، أليس كذلك؟”
“…….”
رد أساد وكأن الأمر بديهي، وكأنه مقتنع تماما أننا في صف واحد.
بدا أنه يعتقد أنني حليفته.
كنت في حيرة من أمري، أفكر كيف أزيل هذا الوهم عنه، وفي النهاية قررت أن أستعمل اسم ليوبولد كدرع.
“……في الحقيقة أنا من أتباع صاحب السمو ليوبولد.”
بالطبع، لم يخطر ببالي قط أن أكون من أتباع ليوبولد.
لكن الآن كان من الأفضل أن أثبت موقفي وكأني في صفه.
لم أُرِد أن أبقى في موقف رمادي لا أنتمي فيه لأحد، فيتم استغلالي أكثر من قِبَل الإمبراطورة وأَساد.
……’لا تتجرّئي على أن تُخفي عني أي سر بعد الآن.’
تذكرت تلك الجملة التي قالها لي ليوبولد بجانب البحيرة.
لم أرغب أن يكون بيننا أسرار إضافية.
“……ماذا؟”
“…….”
فتح أساد عينَيه الزرقاوين بدهشة بالغة، وكأنه صُعق تمامًا.
كنت غير واثقة إن كان مجرد هذا كافيًا لقطيعة، لكن حين رأيت وجهه المصدوم أدركت أنني اخترت الصواب.
تلعثم أساد، وقد بدا مذهولًا أكثر مما توقعت، بل ترنح حتى كاد أن يسقط من على الشرفة.
لم أرَ وجهه على هذا القدر من الاضطراب.
ولأسباب لا أعلمها، شعرت في داخلي براحة خفية، وكأن شيئًا ثقيلًا أزيح عن صدري.
ظل أساد يقطب حاجبيه مطولا ويفكر بجدية، قبل أن يتمالك نفسه أخيرًا وينطق ببطء:
“……لكن الإمبراطورة قالت أنه يستحيل أن يكون لذلك الأمير أصدقاء، وأنه ادعاءه لامتلاك صديقة ليس إلا قناعًا.”
يا لها من امرأة ثابتة الطباع.
أليست في الحقيقة أمه؟ لقد وصفت طباع ليوبولد بدقة بالغة: شخص بلا أصدقاء.
حقًا إن الحب والكراهية المتطرفة يلتقيان في نقطة واحدة.
كان اهتمامها بليوبولد يفوق حتى اهتمام الأم بابنها.
صحيح أن ليوبولد ليس لديه صديق حقيقي.
ولا في المستقبل سيكون. لكنني، بوجه بارد، قلت:
“ها أنا ذي.”
“…….”
صمت أساد طويلًا وهو يفكر بجدية غير معتادة، لدرجة أنه بدا بلا دفاعات، ولو أن أحدًا لو غرس خنجرًا في جنبه لما شعر.
لو رآنا ليوبولد الآن، لكان حدق بي بعينيه الجليديتين قائلًا: “من أعطاك الحق لتستعملي اسمي بهذا الشكل؟”
صحيح أنه الآن يعرّفني على الآخرين كصديقة، لكنني أعلم يقينًا أنه لا يعني ذلك بصدق.
في السابق حاولتُ لفترة قصيرة أن أكون صديقته.
فقد كان ولي العهد، والبطل، وكان أقرب الناس إليّ.
لكن ذلك الجهد انتهى باستخفاف شديد.
لأنني حين طلبت منه أن ينسى الماضي ويقبلني كصديقة، نظر إليَّ بجدية صارمة وقال:
‘ليس لدي أي نية لأن أكون صديقك.’
*ما قدر يقول لها بكلمتين انا احبك و لا اعتبرك صديقة بدل اللف و الدوران و الرجوع بالزمن؟*
كان وجهه آنذاك قاطعًا، لا يقبل النقاش.
لدرجة أنه حتى لو انقسم العالم نصفين، فلن يرضى بأن يكون صديقي.
تبا، حتى الآن مجرد تذكر تلك اللحظة يجعلني أرتجف خجلًا.
لو كنت قد رُفضت في اعتراف حب، لما شعرت بمثل هذا الإحراج.
والآن، مهما كانت نزواته، وهو يطلق عليّ كلمة “صديقة”، فأنا أعرف أنها لن تدوم طويلًا.
لقد قالها بنفسه، بلهجة قاطعة: لن يكون بيننا صداقة أبدًا.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 37"