“هاه؟”
… ما هذا السؤال المفاجئ؟
ومع ذلك، وجدت نفسي أُمعن النظر في أساد من رأسه حتى أخمص قدميه بسرعة.
شعره الأحمر، عيناه الزرقاوان المتلألئتان كالبحر، بشرته البيضاء، جسده المتماسك المصقول بالسيف منذ الصغر.
كان يرتدي زيّ الحفل الأسود المزدان بالأزرق، وقد بدا ملائمًا له تمامًا وكأنه فُصّل على مقاسه.
رأيته بالأمس أيضًا، فما الذي تغيّر كثيرًا بين يوم وليلة؟
هل قصّ غُرّته قليلًا؟ أم أنه وضع شيئًا على وجهه بالمناسبة الخاصة؟ هل قصّ أظافره؟ أم أنه وضع نعلًا داخليًا ليبدو أطول؟
… حقًا لا أرى فرقًا.
هل يريد مني أن ألعب معه لعبة “ابحث عن الاختلاف”؟
“ههه.”
أساد بدا مستمتعًا وهو يراقب ارتباكي.
أي نوع من الأحاديث هذا؟ ومع أساد بالذات!
“لديك عينان، أنف واحد، فم واحد، أجل، كل شيء في مكانه. تمامًا مثل الأمس.”
أجبتُ ببرود وأنا أشعر فجأة بالإرهاق، ثم حاولت أن أبتعد.
“هيه!”
صرخ ساخطًا، ثم أمسك بكتفي من الخلف ليمنعني من الابتعاد.
… يا له من مزعج.
بدأت أفهم أخيرًا لماذا كان راسل يتصرف دائمًا بتلك الطريقة المريبة كلما سألته:
“هل ترى أي تغير في مظهري؟”.
حاولتُ أن أتهرّب بجواب عابر، لكن من ردّة فعله بدا أن الأمر لن ينتهي بسهولة.
تنهد أساد بعمق، وكأنه يئس من صبري، ثم قال بنفسه:
“لقد عقدت ربطة العنق كما طلبتِ مني بالأمس. وأغلقت كل الأزرار. حتى أنني لم أحضر بسيفي اليوم.”
وكان محقًا.
بالتدقيق، بدا مظهره أكثر أناقةً من الأمس.
ربطة العنق السوداء مُحكمة، الأزرار مغلقة حتى العنق.
الزيّ هو نفسه، لكن الانطباع تغيّر قليلًا.
“صحيح، أرى ذلك.”
أجبت بلا مبالاة، لكني لاحظت انقباض حاجبيه من استيائه.
“صحيح؟ فقط “صحيح”؟”
“… وماذا بعد.”
كرّر كلمتي ساخرًا، واضح أنه لم ينل ما كان يرجوه من رد فعل.
“حتى إنني لم أحضر سيفي.”
فتح ذراعيه وكأنه يحاول إقناعي.
ملامحه تقول: “ألَا تفهمين حجم تضحـيتي؟”.
“هل تعلمين أي قرار عظيم اتخذته؟! السيف جزء من جسدي، ومع ذلك تركته. وبسبب من؟ بسبب كلامك أنتِ!”
كان يريد مني الاعتراف بمجهوده وكأنه أنجز إنجازًا عظيمًا.
لكني لم أجد الأمر جديرًا بالثناء.
بالنسبة لي، هذا طبيعي.
وأنا لم أطلب سوى ما يجب أن يكون بديهيًا.
في الأصل، فكرة أن يحضر أحدهم إلى حفلة ملكية كهذه—يحضر فيها أمراء من دول أخرى—وهو يحمل سيفًا، أمر مضحك وغير مقبول.
“أليس هذا بديهيًا؟”
*احس اشفقت عليه، و الله انه مسكين*
“….”
أجبت مختصرة، وعدت أتناول البسكويت بهدوء.
“نفّذت ما طلبتِ، ولا شيء في المقابل؟”
“هذا من أساسيات الذوق.”
نظر إليّ بوجه محبط، كطفل انفجر بالونه المفضل فجأة.
“يا للبخل! بعض كلمات المديح على الأقل!”
مديح؟ مديح على ماذا بالضبط؟ هل جنّ؟ بأي وجه يطلب مني أن أمدحه؟
“ذا—”
كنت على وشك أن أكرّر ما قلته: “هذا أمر بديهي”. لكن—
“آنسة فالنتاين.”
“؟”
ناداني صوت من خلفي.
استدرت فرأيت فتى يبدو أكبر مني بعامين أو ثلاثة.
عرفته. قبل عودتي، كنت قد رأيته كضيف عند أخي في بيت البارون.
لم نكن مقربين، لكن سمعته لم تكن طيبة، حتى أنني حذّرت أخي من الاقتراب منه.
لكن في هذا الخط الزمني، لم يكن بيني وبينه أي رابط.
سألته باستغراب:
“ما الأمر؟”
“المعذرة، هل تسمحين لي بطلب الرقصة الأولى؟”
“الرقصة؟ آه…”
التفتُّ لأرى قاعة الحفل.
على الجانب، كان بعض النبلاء والنّبيلات يرقصون معًا.
في حفلات النبلاء، الرقص جزء أساسي. وطلب “الرقصة الأولى” يحمل معنى خاصًا…
أيعقل أنه يحاول مغازلتي؟ يا لذوقه الغريب!
ترددتُ قليلًا، ثم أمسكتُ بيد الفتى النبيل الممدودة.
كنت منزعجة من إصرار أساد المزعج على التعلّق بي، فوجدت في الأمر فرصة مناسبة.
“حسنًا.”
“ستذهبين؟!”
أساد، الذي كان يراقب الموقف بصمت، صرخ بدهشة.
لم يتوقع أبدًا أن أقبل طلب الرقص.
لم أكن أعرف الكثير عن هذا الفتى غير ما سمعته من شائعات في حياتي السابقة، لكنه بدا أفضل من البقاء عالقة مع أساد.
بل بصراحة، كنت سأوافق أيًّا كان من يمد يده.
إصرار أساد الممل على طلب المديح قد أنهكني.
“إذن حُسم الأمر. أيها الواقف هناك، خذ هذا.”
“هاه؟”
أمسك الفتى النبيل بيدي كمن يرافق سيدة، ومدّ يده الأخرى التي تحمل كأس الشراب نحو أساد.
وفيما كان أساد لا يزال مذهولًا من الموقف، أفلت الفتى الكأس فجأة.
تناثرت الشظايا مع رنين حاد على الأرض، وتلطخت ثياب أساد بالمشروب.
ثم، بنظرة مليئة بالازدراء، قال الفتى وكأنه تذكّر شيئًا:
“آه، يا لها من ورطة! لقد بدا لي وكَأنك خادم، لم أنتبه.”
“….”
كان واضحًا أنها ليست خطأ، بل كانت إهانة متعمّدة.
أساد بدا أكثر أناقة من أي وقت مضى اليوم، بل حتى أقرب للنبلاء في المظهر من ذلك المتعجرف نفسه.
ومع ذلك، راح الفتى يرمقه من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه، قبل أن ينطق بازدراء:
“لماذا لا تعود أدراجك؟ إن منظرًا كهذا يسيء للمكان.”
“… ماذا؟”
صوته المنخفض كان يغلي بالتهديد.
عيناه تكادان تنطقان أنه يرغب في سحق خصمه فورًا.
تراجع الفتى خطوة للوراء، مرتبكًا من نظرات أساد المميتة.
لكن أساد، وبحركة غريزية، مد يده إلى خصره حيث اعتاد أن يكون سيفه… فلم يجد شيئًا.
“تشه…”
عضّ على أسنانه بغيظ، وسحب يده.
“هـ-هه! كما توقعت. أنتم العامة لا تعرفون سوى العنف. مثيرون للشفقة.”
لو كان أساد مسلّحًا، لكان ذلك النبيل قد انتهى في تلك اللحظة.
لحسن الحظ أنني نصحته بترك سيفه.
أعادني التفكير في الأمر: منذ البداية، كان اهتمام الفتى منصبًّا أكثر على استفزاز أساد، لا عليّ.
ابتسمتُ ابتسامة مشرقة، ثم قلت للفتى:
“أرى أنك أنت من يجب أن يغادر فورًا، يا سيدي.”
“ماذا؟”
تفاجأ للحظة من تدخلي، لكنه تدارك نفسه بسرعة، وردّ بابتسامة متصنّعة:
“ماذا تعنين، آنسة فالنتاين؟”
“الأمر واضح. وجودك أنت هو الإزعاج بعينه. من يدري ماذا سيسقط من يديك المرتعشتين بعد قليل؟”
سحبت يدي من قبضته، وأنا ما زلت مبتسمة ببراءة مصطنعة.
“ثم إن ثياب أساد مصنوعة من قماش منحته صاحبة الجلالة الإمبراطورة بنفسها. مثل هذه البقع لا تؤثر فيها أبدًا.”
اتسعت عينا الفتى، مستوعبًا ما عنيته.
“ماذا قلتِ…؟”
“بلى. حتى لو سكبت برميلًا كاملًا من الشراب عليه، لن يتأثر. فلا تقلق.”
كانت تلك طريقة لامعة للتلميح إلى أن أساد تحت حماية الإمبراطورة، وهو سر لم يكن أحد يعرفه يقينًا غيري.
“لكن قلقي الحقيقي عليك أنت، يا سيدي. إن لوّثت ثوبًا كهذا مرة أخرى بهاتين اليدين غير المجديتين… فقد تجد نفسك بلا يدين! تخيّل فحسب! كارثة!”
“ت-توقفي! أرجوك، كفى يا آنسة.”
رفعت صوتي متعمّدةً ليسمع الجميع، فيما ارتبك الفتى محاولًا إسكاتي.
“توقف إذن، وابتعد من هنا.”
قلت ذلك بنبرة صارمة قبل أن يقترب أكثر.
ارتبك، ثم استدار وغادر غاضبًا.
… انتهى الأمر بأن وقفت في صف أساد من دون قصد، لكن على الأقل سيكفّ الآخرون عن مضايقته لبعض الوقت.
الإمبراطورة كلّفتني بحمايته، ولم يكن مسموحًا أن تقع أي مشاكل.
“هاه…”
تنفست بارتياح، وعدت إلى طاولتي.
“… هيه.”
“ماذا؟”
التفتُّ إلى الصوت من خلفي.
كان أساد يحدّق بي، بوجه مذهول وكأنه رأى شبحًا.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 36"