الفصل السادس
“يا إلهي! دوق بيترا بذاته؟ هل سيحضر فعلاً مأدبة في قصر كونت بسيط؟”
“ههه، أنا أيضاً تفاجأت. ربما سمع عن جمال ابنتنا كاميلا وأراد المجيء لرؤيتها؟”
وسط هذا الحماس، تظاهر زينوبيو بالمعرفة العميقة قائلاً:
“لقد ورث لقب دوق بيترا مؤخراً، لذا لا بد أنه يحتاج لوضع بصمته في الأوساط الاجتماعية الراقية.”
كان من المضحك رؤيته يتباهى رغم أنه يدير نقابة معلومات صغيرة تفتقر للدقة وقدرات الجمع.
“إنه يعاني حالياً من مشاكل في الميراث، لذا قد يرغب في كسب الرأي العام لصالحه. هذا ما أخبرني به أعضاء نقابتي.”
أما زوجة عمي، فلم تكن أقل تباهياً منه.
“لقد استحق الأمر كل تلك المشاحنات مع السيدات النبيلات لأكون أول من يقيم حفلة هذا العام. تصوروا، دوق بيترا أرسل رسالة قبول!”
كانت تهوي بمروحتها ببالغة، كأنها تؤكد أن هذه الفرصة الثمينة هي من صنع يديها.
“كاميلا، بما أن القانون يقضي بأن ترقص سيدة المنزل المضيفة مع أعلى نبيل حاضر كأول رقصة، فأنتِ من سيرقص مع الدوق في منتصف قاعة الرقص!”
أضاف الكونت ستاراتشي بحماس:
“يقولون إن دوق بيترا كفؤ جداً ووسيم. إنه عريس مثالي. سيكون أمراً رائعاً لو تمكنت كاميلا من الإيقاع به.”
هزت كاميلا كتفيها بدلال:
“سأشعر في ذلك اليوم وكأنني الدوقة فعلاً.”
“يا كاميلا، هل ستكتفين بالشعور؟ عليكِ استغلال الزخم لتصبحي الدوقة الحقيقية. أخيراً سيخرج من عائلتنا نبيل رفيع المستوى.”
“ههه، بما أنني السيدة الوحيدة المثقفة في هذه العائلة، فهذا أمر بديهي.”
أخذ الاثنان ينسجان طموحاتهما العظيمة. نظر الكونت ستاراتشي إلى زوجة أخيه بنظرة دافئة:
“بعد وفاة زوجتي، كادت مكانة العائلة تهتز لغياب سيدة تدير شؤونها، لكنكِ أنقذتِ ماء وجهنا. شكراً لجهودكِ.”
احمر وجه زوجة عمي الأرملة أمام والدي البيولوجي.
“لا شكر على واجب، فهذا من أجل عائلة ستاراتشي. لقد رغبتُ منذ زمن طويل في مساعدة الكونت بعد أن أصبح وحيداً.”
“يا لروعة قلبكِ، أنا ممتن دائماً.”
تبادلا نظرات غامضة. والدي يعتقد أن بقاء العائلة متماسكة بعد رحيل أمي يعود لفضل زوجة أخيه، ولا يخطر بباله أبداً أنها الشخص الذي يختلس أموال العائلة.
“بما أننا سنقيم حفلة، علينا شراء الكثير من الفساتين والمجوهرات مجدداً. يجب أن نزين كاميلا، أليس كذلك؟”
“بالطبع. لبناء شبكة علاقات لكاميلا وزينوبيو، لا بد من بذل الجهد.”
“لذا، سمعتُ أن ‘دار واردن’ أصدرت فساتين جديدة، يصل سعر الواحد منها إلى 4000 جولدن. يمكننا استثمار هذا المبلغ في كاميلا، صح؟”
لا، سعره 2000 جولدن فقط. كانت كذبتها واضحة أمامي، لكن والدي الذي لا يفقه شيئاً في أزياء النساء
ومجوهراتهن، ويصدق كل ما تقوله، وقع في الفخ فوراً.
“فلنفعل ذلك. إنه لقاء العمر مع الدوق، يجب أن تتزين بأفضل ما يمكن.”
أما الـ 2000 جولدن المتبقية، فستذهب حتماً إلى جيب زوجة عمي. قديماً، حاولتُ تلميح والدي بالأمر، لكن زوجة عمي كشفتني وحبستني في العلية لخمسة أيام مع التهديدات، ومنذ ذلك الحين تظاهرتُ بالجهل التام. على أي حال، لم يكن والدي ليصدقني لو تكلمت.
“أما فيولا فـ…”
نطق الكونت اسمي وكأنه يمنّ عليّ باهتمامه:
“لديكِ الكثير من الفساتين في الخزانة، صح؟”
كان هذا كل شيء. وبما أنني لم أتوقع شيئاً، لم أنبس ببنت شفة. غضبت آنا لسماع ذلك، وحاولت جاهدة تعويضي بقطف زهور برية من الحديقة لتزيين شعري. ومنذ ذلك اليوم، كانت تقتطع من وقتها لتقوم بمهام “الوصيفة” من تصفيف الفساتين واختيار المجوهرات البسيطة.
وبينما كان هناك من يختلس ومن يزين بصدق، مر الوقت وجاء يوم المأدبة.
كنتُ قد تزينتُ ببساطة بما لدي من مجوهرات قليلة، وقبل الخروج للقاعة، وجهتُ سؤالي الأخير لآنا:
“اسمعي يا آنا.”
رمشت آنا بعينيها وهي تدلك عضلاتها المتعبة من تزييني. تابعتُ سؤالي ببطء:
“إذا قُدر لي مغادرة هذا المنزل خلال الأيام القليلة القادمة، هل لديكِ الرغبة في مرافقتي؟”
هذا السؤال سيحدد مستقبلنا.
“ستتمكنين من العمل هناك كما تفعلين الآن، لكنكِ لن تقابلي أفراد هذه العائلة أو خدمهم مرة أخرى.”
لم أرغب في أخذ شخص معي رغماً عنه. رغم أنني سأشعر بالأسف لو رفضت، لكنني سأصنع حلفاء جدد هناك.
“… ممم، سأتبعكِ.”
جاء الرد بالإيجاب أسرع وأكثر حزماً مما توقعت.
“لقد سئمتُ أنا أيضاً من هذا المنزل الذي يتجاهل الآنسة باستمرار.”
قد يكون التكيف مع بيئة جديدة صعباً على آنا، لكنها كانت مستعدة لقبول هذا التغيير بكل سرور.
“إذا كانت الآنسة ترغب في ذلك، فسأرحل معكِ. عدم رؤية هؤلاء الناس هو خبر سعيد بالنسبة لي.”
شعرتُ براحة غامرة دون وعي مني. يبدو أنني كنتُ أنتظر هذا الرد بشوق.
“حسناً. من هذه اللحظة، أنتِ وصيفتي الخاصة.”
“ماذا؟ أنا مجرد خادمة بسيطة، هل يمكن تغيير مسمى عملي بهذه السرعة؟”
“أنا من قرر ذلك، فمن سيجرؤ على الاعتراض؟”
“أوه، سأكون سعيدة جداً كوصيفة! المعاملة هناك أفضل بكثير من كوني خادمة!”
ابتهجتُ لرؤية حماس آنا.
“إذن، ابدئي بجمع أمتعتكِ فوراً. سنرحل قريباً.”
شعرتُ بالقوة فجأة. لقد نجحتُ في تأمين أثمن علاقة لي في هذا المنزل، وبقلب خفيف اتجهتُ نحو قاعة الرقص المغمورة بالأنوار.
. . . * * * . . .
تلألأت النجوم في السماء. وبصفتنا الجهة المضيفة، وقفتُ مع عائلتي بالقرب من البوابة لاستقبال الضيوف. وفي لحظة ما…
“لقد وصل.”
تمتم زينوبيو الذي كان يرتدي أفخر ثيابه.
سرعان ما بدأت الأخبار تتوافد من أعضاء نقابته المتخفين كخدم وسائقين حول القاعة:
“الدوق وصل بمفرده، بدون شريكة.”
“لكن يقال إن الدوق يرغب بشدة في مقابلة سيدة معينة الليلة؟”
التفت الكونت وزوجة أخيه نحو كاميلا. بدت كاميلا متفاجئة وضغطت على موضع قلبها من شدة التأثر.
تجاهلتُ الضجيج بجانبي وانتظرتُ إيجيكل بهدوء.
سرعان ما تغير الهواء في القاعة. حتى النبلاء الذين دخلوا مسبقاً ركزوا أنظارهم نحو المدخل.
“سمو دوق بيترا يدخل الآن!”
دخل إيجيكل بيترا حاملاً معه هيبة تحبس الأنفاس.
وبصفته القوة الثانية التي تحكم المقاطعة المستقلة الوحيدة في الإمبراطورية، كان ظهوره مهيباً كالإمبراطور.
لدرجة أن لقبه لم يكن “صاحب السعادة” المعتاد للدوقات، بل “سموّه” ، وهي رتبة توازي الأقارب الملكيين. من حيث التشريفات، كان إيجيكل يأتي مباشرة بعد ولية العهد.
عزفت الأوركسترا موسيقى مهيبة تليق باللحظة.
“أهذا الرجل هو الدوق؟”
أذهل وجهه الذي تنبعث منه البرودة الجميع. وبينما كان ينزل الدرج، رآني وأومأ برأسه؛ كانت تحية سرية وبسيطة.
أومأتُ له بدوري حين التقت أعيننا.
بمجرد وصول الدوق إلى نهاية الدرج، بدأ الناس يتهامسون ويتجمعون حوله، لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه بسهولة، بل اكتفوا بالحوم حوله.
“ما هذا؟ هيبته لا تصدق.”
عضت كاميلا شفتها بذهول. كان رد فعل معظم من يرى الدوق لأول مرة متشابهاً.
“بالفعل. يبدو مخيفاً قليلاً من الخارج، أليس كذلك؟”
نظرت إليّ كاميلا بعينين ضيقتين وقالت:
“وهل رأيتِ الدوق من قبل؟ ما بالكِ تتحدثين وكأنكِ تعرفينه جيداً؟”
لم أجبها، فاستغلت الصمت لتسخر مني مجدداً:
“أمثالكِ لن يتمكنوا من الوقوف بجانب الدوق ولو بعثوا من جديد. كفي عن الحلم.”
“أمثالي؟ أنا أختكِ الكبرى.”
“ههه، ومن قال إنني سأعاملكِ كأخت كبرى؟”
وقبل أن تبدأ كاميلا في افتعال مشاجرة حقيقية، دوى صوت في القاعة:
“ستبدأ الرقصة الأولى قريباً!”
نظرت إليّ كاميلا بنظرة اشمئزاز لثوانٍ، ثم قامت بتفقد هندامها للمرة الأخيرة وهي تهمس لزوجة عمها. كانت كاميلا، التي لم تدرك مدى مبالغتها، تبدو بلمعان فستانها المكشوف والمجوهرات التي تملأ شعرها كفراشة سامة.
يبدو أن مظهرها جذب انتباه الدوق بالفعل، فبعد وقت قصير، حصلت كاميلا على الفرصة التي كانت تنتظرها.
“إنه قادم نحونا.”
“ماذا أفعل!”
لقد كان دوق بيترا بذاته يقترب من جهتنا.
قام الكونت وزينوبيو بمسح أيديهم استعداداً للمصافحة، بينما حاولت كاميلا تنظيم أنفاسها.
لقد عزموا جميعاً على ترك أفضل انطباع لدى الدوق.
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل "6"