الفصل الرابع عشر
لحسن الحظ، كان المكان الذي اصطحبني إليه مكاناً طبيعياً.
“أستوديو تصوير؟”
فوحت رائحة الكيمياء المميزة من خلف باب الأستوديو القديم بمجرد دخولنا.
“حتى لو كنا عائلة مزيفة، يجب أن نلتقط صوراً. لنعلقها في غرفة الاستقبال، ونضعها في غرف النوم أيضاً.”
“بما أننا نستخدم غرفاً منفصلة، فإن وضع صور زوجية دافئة سيمنع الخدم من الشك، أليس كذلك؟”
“تواصلنا الفكري يسير بشكل جيد.”
عدد الأشخاص في القصر الذين يعرفون حقيقة زواجنا التعاقدي قليل جداً؛ ربما المساعد أولي وآنا فقط.
“لكن لماذا اخترت هذا المكان تحديداً؟”
“المصور الذي يدير هذا المحل هو نفسه من التقط صور عائلتي مع والديَّ.”
همس لي إيجيكل بهذه المعلومة وأضاف:
“والداي الراحلان وأنا، التقطنا صوراً لأول مرة في حياتنا في ذلك اليوم. لقد مر أكثر من عشر سنوات بالفعل.”
خطر لي أنها لا بد كانت عائلة متآلفة جداً. وهذا يفسر الكثير، فأنا طوال عيشي في منزل الكونت لم ألتقط صورة عائلية واحدة قط.
“أيضاً، علينا التجول كزوجين في كل مكان لمقابلة سكان المقاطعة، هكذا ستنتشر شائعات بأن علاقتنا جيدة.”
“هل لهذا السبب أتيت إلى هنا بنفسك بدلاً من استدعاء المصور للقصر؟”
“ألا يبدو هذا أكثر تواضعاً وقرباً من الشعب؟”
بالفعل، تأثر المصور بشدة لمجرد أن الدوق وزوجته قد زاراه بنفسهما.
“لا أعرف كم هذا شرف لي! سألتقط لكما أفضل صورة على الإطلاق!”
“أعتمد عليك.”
اتخذنا وضعية التصوير. كانت الوضعية المعتادة: أحدهما يجلس والآخر يقف خلفه واضعاً يده على ظهر الكرسي.
“بما أن الفستان ثقيل، فلتجلس الزوجة.”
ها هو ذا مجدداً، يتصرف بوقار ودلال أمام العامة. جلستُ كما أراد، ووقف إيجيكل بجانبي واضعاً يديه خلف ظهره.
“أوه، سموّك. يبدو الوضع متصلباً قليلاً، ما رأيك في وضع يدك على ظهر الكرسي؟”
تفحص الكرسي الذي أستند إليه لبرهة ثم هز رأسه:
“كلا. لنلتقطها هكذا.”
التقطنا الصورة ونحن متباعدان بشكل غريب. وميض الفلاش انطلق عدة مرات، وبفضل سحر التحميض، تمكنتُ من رؤية النتيجة بسرعة، ولم أستطع منع نفسي من الضحك.
“ما هذا!”
كانت الصورة تبدو كأن شخصين غريبين التقيا صدفة عند المصور، فأجبرهما على التصوير معاً لضيق وقته.
“على الأقل نحن نبتسم بإشراق، أليس هذا جيداً؟ لقد خرجت بشكل رائع.”
بالكاد اجتازت الصورة درجة القبول.
“سيكون من الرائع قص الصورة من المنتصف ووضع كل جزء في إطار، هكذا سنحصل على صورتين شخصيتين جميلتين.”
“…… بهذا انتهى إثباتنا الزوجي.”
تجاهل تعليقي الساخر ووضع الصورة في أغلى إطار لديه، وصرح إيجيكل بيترا بحزم:
“نحن الآن زوجان مثاليان لا يدنو إليهما الشك.”
أخذ الإطار وعرضه في أماكن متفرقة من القصر ليراه الجميع. أما أنا، فقد أخذت نسخة صغيرة مطبوعة وحرتُ أين أضعها، ثم قررت وضعها في إطار بجانب سريري.
نقرتُ بخفة على صورة الزوجين في الإطار الجميل، وقلتُ بقلب يخفق:
‘أعتمد عليك.. يا زوجي الذي سيبقى معي للأبد!’
* * *
وكما اتفقنا، استخدمنا غرفاً منفصلة.
كان الأمر مريحاً أن أستحوذ على سرير ضخم بمفردي. لم نكن نلتقي إلا ثلاث مرات يومياً وقت الوجبات. وحتى ذلك كان يتقطع أحياناً؛ فإيجيكل كان يدعي انشغاله بشؤون المقاطعة ويتناول طعامه في مكتبه، فأجد نفسي آكل وحيدة.
في بعض الأيام، كنتُ أحمل الطعام إلى غرفتي وآكل مع آنا، كان هذا أقل وطأة عليّ.
“آنا، جربي هذا.”
“سيدتي، جربي فطيرة الخوخ هذه أيضاً.”
“لذيذة! إنها حلوة رغم أنه ليس موسمها.”
هكذا قضيتُ أيام الربيع المشرقة في أحاديث تافهة.
وبالطبع، كانت هناك جداول أعمال عليَّ القيام بها كدوقة.
ووفقاً للمساعد أولي، كان هناك طقس لا بد من القيام به في “بيترا” في هذا الوقت من السنة.
“هناك طقس للصلاة في المعبد لحماية المقاطعة. إنه أكبر حدث يحضره الدوق والدوقة.”
“هل هناك قبلات أخرى بيني وبين إيجيكل؟”
“لا يوجد. الدوق سيقبل الخاتم الذهبي فقط.”
‘هل بيترا مدينة القبلات؟ لماذا هذا الهوس بالقبلات؟’
على أي حال، كان الأمر كما قال المساعد.
ركب إيجيكل قارباً في القنوات الضخمة التي تشق المقاطعة وخرج إلى البحر، ثم قبل الخاتم الذهبي في يده وقال الكلمات بصوت عالي:
“أتزوجكِ، أيتها البحار. كوني لي للأبد. احمي سكان بيترا، وحتى لو تمايلوا أحياناً، فليكن مصيرهم ألا يغرقوا أبداً.”
كنتُ أقف بجانبه طوال الوقت. كان الناس يهللون لي بحرارة لأنني منعت دمج المقاطعة. تظاهرتُ بأنني ملاك البحر الجميلة كما يتمنون، وراقبتُ إيجيكل بشرود.
“عاش الدوج العظيم! عاشت الدوجاريسا الحكيمة!”
أسقط إيجيكل الخاتم الذهبي في البحر. الخاتم الذي يحمل قوة الحماية غرق في أعماق المياه العظيمة وكأنه يحمل قدر إنقاذ المقاطعة.
وبينما كنتُ ألوح للجموع، فكرتُ في شيء واحد:
‘هذا الرجل هو الركيزة التي يستند إليها الجميع. إنه مشغول جداً ولديه مهام جسيمة تمنعه من الالتفات لزوجة واحدة تقف بجانبه.’
لذا، فإن هدفي في تحريف الرواية الأصلية والوعد بالبقاء للأبد مع البطل قد يكون أمراً صعباً. ربما.. سننتهي بالطلاق فعلاً بعد نهاية مدة العقد؟
‘كلا. من المبكر الاستسلام بناءً على تخميناتي وحدي.’
نفضتُ الأفكار السلبية مجدداً. القلق بمفردي لن يغير شيئاً.
عزمتُ أمري وحاولتُ التقرب منه رغم أن طبيعتي تخالف ذلك؛ فالعلاقة الزوجية إن لم نتحرك، ستظل مجرد خطين متوازيين.
طق، طق، طق.
بدأتُ منذ اليوم التالي بالنقر على باب مكتبه والهمس:
“إيجيكل. هل تخرج معي؟ الجو رائع، لنخرج للقاء السكان.”
لم يأتِ رد. لم أهتم وحاولتُ عدة مرات في أيام أخرى.
“إيجيكل. ما رأيك بالخروج لرؤية السفينة التجارية التي ستصل اليوم؟ أوه، أولي؟ لماذا تخرج أنت من المكتب؟”
“سيدتي، سموّه خرج بالفعل لرؤية مغادرة السفن التجارية.”
فشل.. لقد أخطأتُ التوقيت مع زوجي.
“إيجيكل. أريد تعلم فن المبارزة أيضاً. سمعتُ أنك بارع في السيف والرماية، علمي!”
“أنا مشغول. حسابات المقاطعة فوضوية الآن.”
فشل.. لم أسمع إلا صوته.
“إيجيكل. هل نخرج لصنع رجل ثلج؟”
فتح باب المكتب فجأة. أخيراً خرج زوجي!
“نحن على وشك دخول الصيف، أي رجل ثلج هذا؟”
“هاه! شعرتُ أنني لن أراك إلا إذا قلتُ ترهات كهذه. يسعدني لقاؤك يا عزيزي.”
“……”
أُغلق الباب مجدداً. تباً.
“إيجيكل.”
“إيجيكــل!”
“إيجيكل……”
“تباً! يكفي، استسلمت!”
في يوم من أيام أوائل الصيف، شعرتُ بالتعب. كانت الشمس حارقة.. من فتح النافذة؟ تنهدتُ تنهيدة عميقة وأسندتُ ظهري إلى الباب المغلق بإحكام وانزلقتُ جالسة على الأرض.
المسافة بيني وبينه قريبة جداً، لكنها في الحقيقة بعيدة جداً.
* * *
من الواضح أن نهايات زواج التعاقد تكون مفروشة بالورود، فلماذا طريقي لا يزال مليئاً بالأشواك؟
بعد محاولات لا تُحصى، بدأتُ أشك في كليشيهات الروايات الرومانسية التي قرأتها. تمكنتُ أخيراً من التحدث مع إيجيكل عندما التقينا وقت الطعام.
طاولة الطعام كانت طويلة جداً، لذا أرجو منه أن يغفر لي بحة صوتي من كثرة الصراخ ليوصل إليه.
“لقد مر شهران بالفعل. الوقت يمضي سريعاً!”
“بالفعل.”
“بهذه السرعة سينتهي زواجنا قريباً. هل.. هل ستنفصل عني؟”
“علينا الانفصال. هذا هو الوعد.”
أومأ زوجي برأسه بجدية وحزم.
“سأنسحب بهدوء من أمام عينيكِ.”
شعرتُ بالارتباك.
‘ألا يُفترض أن يقع الأزواج في زواج التعاقد في الحب في النهاية؟’
على الأقل لم أتوقع رداً بهذا الحزم. اعتقدتُ أن علاقتنا التي بدأت بعقد ستفتح قلوبنا لبعضنا بمرور الوقت حتى لو استغرق الأمر وقتاً. ولكن، ماذا لو كنتُ أنا الوحيدة التي فتحت قلبها؟ ماذا لو كان قدر قلبه ألا يفتح أبداً؟
بيدين ترتعشان من القلق، أفرغتُ طبقي المليء باللحم الدسم تماماً. راقب زوجي طريقتي في الأكل بصمت ثم قال فجأة:
“لقد جلبنا هذا اللحم من المراعي الجنوبية، جودته
ممتازة.”
“شـ.. شكراً لك.”
انظروا إلى هذا! يتصرف بلطف يربكني مجدداً. يوفر لي أفضل اللحوم من أجلي.
‘لنستجمع شجاعتنا. لا يزال هناك متسع من الوقت.’
تمنيتُ على الأقل أن يختفي ذلك التوتر المزعج بيننا. آمنتُ أنه لا يزال هناك 10 أشهر، وبإمكاني تضييق الفجوة بيننا.
ورغم أنني لم أعد أندفع بالأفعال كما في السابق، إلا أنني كنتُ أؤمن بذلك في داخلي.
حتى أنني زرتُ معبد بيترا عدة مرات لأصلي بهدوء من أجل تحسين علاقتي بزوجي.
ولكن في أحد الأيام، سمعتُ بالصدفة حديثاً مرعباً.
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"