الفصل الثالث عشر
أطلقتُ ضحكةً خافتةً من شدة الذهول، مما جعل الضيوف يتهامسون فيما بينهم.
“العروس تبتسم بسعادة.”
“بالفعل، يبدو أنهما سيعيشان حياةً هانئةً معاً.”
شكراً لكم على هذا سوء الفهم الجميل.
“ماذا ستفعل الآن؟”
سألتُ إيجيكل بهمسٍ دون أن أحرك عضلات وجهي. بدا أن إيجيكل لم يكن على علمٍ بهذا الأمر أيضاً، إذ بلل شفتيه بارتباك. كان الجميع قد استعدوا للهتاف بالفعل، ولكي نرتقي لتوقعاتهم، كان علينا القيام بالأمر على أكمل وجه.
“البند الأول، الفقرة الأولى من العقد.”
نطق هو أولاً، فاستسلمتُ للأمر الواقع وقلتُ:
“فهمت، أمِل بشفتيك نحوي.”
تلامست أكثر أجزائنا حساسية. شعرتُ بشفتيه الناعمتين تتدخلان بين شفتيَّ. كانت نكهة القبلة الأولى تشبه الماء الصافي. ارتفعت هتافات الناس وتصفيقهم الحار؛ بدا أنهم متحمسون لرؤية ذلك الدوق البارد وهو يعبر عن حبه لامرأة لأول مرة.
شعرتُ أن عليَّ فعل شيءٍ ما فبدأتُ أحرك شفتيَّ بارتباك، عندها لفَّ الدوق ذراعه حول خصري وأمال رأسه لتغيير الزاوية.
” تَنفسي من أنفكِ.”
قالها باختصار ثم أطبق شفتيه على شفتيَّ مجدداً.
أغمضتُ عينيَّ بغريزية وشعرتُ بحركته. تقبضت أصابع قدمي، وشعرتُ برفرفةٍ في صدري وكأن سرباً من الفراشات قد استقر فيه. ومع تتابع موجات المد والجزر في عقلي، بدأت أفكاري تتلاشى تدريجياً.
لا أدري كم مرَّ من الوقت، لكن الدوق دفع كتفي بخفة واعتدل في وقفته. كانت شفتاه ورديتين ورطبتين.
“بهذا ينتهي عهد الحب بين العريس والعروس.”
أنهى رئيس الأساقفة إعلانه، وعزفت الأوركسترا أغنية مباركة مهيبة. لقد عرضنا للتو مشهداً عاطفياً مكثفاً أمام الضيوف من مسافة قريبة؛ وهو تماماً نوع التصرفات التي كان الدوق يمقتها بشدة.
“إذا كنا سنؤدي قبلة العهد هنا، فلماذا علينا القيام بقبلة الشرفة أيضاً؟”
أجاب وهو يتجنب نظراتي المتذمرة:
“ذلك من أجل سكان المقاطعة المحتشدين أمام القصر.”
‘على أولئك الناس رؤية ذلك أيضاً’
، هكذا تمتم إيجيكل وهو يخفض رأسه متهرباً. رمشتُ بعينيَّ بامتعاض وقلتُ:
“العالم كله مليء بالمنحرفين. لماذا يصرون على مشاهدة قبلات الآخرين؟”
رفع الدوق أحد حاجبيه ثم خفضه قائلاً:
“أرجو استثنائي من قائمة المنحرفين.”
“أجل، أجل.”
رددتُ عليه بسخرية محاكيةً نبرة صوته المعتادة. وبعد انتهاء عهد الحب المربك، بدأت المأدبة الرسمية. لم يكن لديَّ وقت لالتقاط أنفاسي بعد أن بدلتُ ثيابي إلى الزي الذي يرمز إلى لقبي “دوج” و”دوجاريسا” (ألقاب حكام بيترا)، وجلستُ في المأدبة الخارجية. لقد حان الوقت لأكون وليمةً دسمة لصحفيي الجرائد.
“دوجاريسا، لماذا لم يحضر والدكِ الكونت ستاراتشي؟”
“كيف التقيتما؟”
استمررتُ في الإجابة على الأسئلة المتوقعة في ما يشبه المؤتمر الصحفي أكثر من كونه مأدبة، حتى ظهر المساعد أولي وأنقذنا.
“على سموّكما الذهاب للقاء سكان المقاطعة الآن.”
بفضل وضع فقرة إضافية في الجدول بعد المأدبة، تمكنا من الهروب من الصحفيين مبكراً. كانت حجة ممتازة، لولا أن تلك الفقرة الإضافية هي قبلة الشرفة.
‘انتهيتُ من قبلة لأجد نفسي أمام أخرى.’
كانت الساحة أسفل الشرفة مكتظة بالناس. سكان المقاطعة كانوا يضجون لرؤية وجه الدوقة الجديدة التي ستحكمهم، وبالطبع، أكثر ما كانوا ينتظرونه هو قبلتنا.
“لقد جربنا الأمر مرة، ألن نستطيع فعله مرة ثانية؟”
لم أكن راغبةً حقاً، لكنه لم يكن أمراً مستحيلاً.
‘هذا عقد، ونحن نمثل مسرحية فحسب.’
لذا أشرتُ إلى شفتيَّ أولاً وقلتُ:
“هيا لننهِ الأمر بسرعة.”
بدا للناس وكأنني أنا من أطلب القبلة، فتعالت صيحات الإعجاب بينهم. بدا إيجيكل مربكاً لكنه قَرَّب وجهه وهمس:
“اغفري لي وقاحتي بتقبيلكِ مرتين في يومٍ واحد.”
قضم كل منا شفتي الآخر مرة أخرى. كانت نكهة القبلة الثانية حلوة بعض الشيء.
. . . * * * . . .
بعد انتهاء مراسم الشرفة وقبل الدخول إلى غرفة النوم، التقى إيجيكل بمساعده أولي سراً.
“ما هي تحركاتهم؟”
نقر أولي بلسانه بأسف وقال:
“لقد حضروا بصفة ضيوف رغم أنهم لم يتلقوا دعوة.”
“حثالة وقحون، تصرفوا تماماً كما توقعت. جيد أنني أمرتُ مخبري النقابة بحفظ وجوههم مسبقاً.”
قطب إيجيكل حاجبيه وسأل:
“هل جاؤوا جميعاً؟”
“نعم، الأربعة جميعاً. من يراهم يظنهم عائلة متماسكة مكونة من زوجين وأبنائهما.”
“هذا يثير الغثيان.”
قيل إن تسللهم لساحة الزفاف لبيع اسم ابنتهم للناس كان مجرد البداية. الكونت تظاهر بأنه أب صالح وأخذ يتنهد شاكياً من مدى “إرهاق فيولا لقلبه”. أما ابنا العم، فقد ضُبطا وهما يتوددان لشخصيات المجتمع الراقي مدعين القرب منها.
“ومن أين حصلوا على تلك الملابس والمجوهرات السحرية الباهظة؟ المؤكد أنهم اقترضوا من المرابين.”
“أحسنت. حذرهم بصفتي دوق بيترا وأمر الجنود بطردهم فوراً.”
“لكن ألن يلوموا الدوقة في النهاية حتى لو استخدمتَ اسمك؟”
“فليلوموا كما يشاؤون.”
سخر إيجيكل بنبرته المعتادة وأضاف:
“لن يجرؤ أحد من عائلة ستاراتشي على لمس شعرة من زوجتي لفترة طويلة.”
رسم ابتسامة باردة ممتلئة بالاحتقار وقال:
“الغضب الذي لن يصل إليها لا قيمة له مهما صرخوا به.”
أثناء فكه لربطة عنقه، أكد إيجيكل بيترا بشدة قبل دخول الغرفة:
“أبقِ أمر اليوم سراً عن زوجتي. لا يجب أن يفسد مزاجها بسب هؤلاء الحثالة في يومٍ كهذا.”
انحنى أولي بوقار كإجابة صامتة.
. . . * * * . . .
عندما مالت الشمس نحو المغيب، كنتُ قد استُنزفتُ تماماً وسقطتُ من التعب. إذا كان الضيوف قد تعبوا من الزفاف الطويل، فما بالكم بأصحاب الشأن؟
“غداً سيمتلئ الغلاف الأول للصحف بصوركِ.”
“لا بأس، لقد بدأتُ هذا الأمر وأنا أضع ذلك في الحسبان.”
رغم أنها الغرفة التي كان يجب أن نقضي فيها ليلتنا الأولى، إلا أن المشاعر الرومانسية كانت منعدمة. كل ما فكرنا فيه هو الارتماء على الأريكة والسرير. سألني إيجيكل وهو يفك أزرار قميصه العلوية:
“منذ الغد، ستصبحين دوقةً حقيقية. لنتظاهر بالاعتكاف لبضعة أيام بحجة أن الاهتمام يرهقكِ، وعندما يهدأ الجو، سنبدأ نشاطكِ الاجتماعي.”
“سأستطيع التقاط أنفاسي لبضعة أيام إذن.”
“كلا، في الحقيقة هناك مهمة حددتُها مسبقاً.”
تقدم نحوي وهو يرتدي قميصاً رقيقاً، وارتمى على الأريكة المجاورة لي تماماً.
“ما هي تلك المهمة؟”
“هذا سر.”
‘يا لك من شخص يخفي الكثير.’
نفختُ في آخر شمعة مشتعلة لأطفئها وتسللتُ إلى السرير.
مرت الليلة الأولى هكذا؛ أحدهما على الأريكة والآخر في السرير. وبفضل كرم إيجيكل في تركه السرير لي، استيقظ في الصباح بقميصٍ مجعد تماماً بسبب الأريكة.
“من الأفضل أن نحضر سريراً صغيراً آخر.”
“على أي حال، سنستخدم غرفاً منفصلة بدءاً من اليوم.”
غرف منفصلة منذ اليوم الثاني للزواج؟ كان أمراً جافاً لكنه أفضل من قضاء ليالٍ مريحة كهذه. نزلنا إلى غرفة الطعام لتناول الإفطار معاً. أخذ الخدم يختلسون النظر إلينا نحن الاثنين بعد قضاء ليلتنا الأولى. ولتجاهل نظراتهم المليئة بالخيال الفاسد، غرستُ وجهي في الحساء وحركتُ ملعقتي فقط.
‘كيف يتخيلون أشياءً فاسدة وهم يروننا نأكل على طاولة طولها متران؟’
لا أدري إن كان الجميع يعلم أن المسافة الفيزيائية بيني وبين إيجيكل في ليلتنا الأولى كانت بهذا القدر تماماً.
ولحسن الحظ، قامت وصيفتي آنا بقيادة الخدم للخارج بشكل طبيعي، مما جعلنا نتناول طعامنا براحة أكبر. بعد الإفطار، استعددتُ للخروج فوراً. ارتديتُ فستاناً محافظاً بأكمام طويلة مما يفضله زوجي وسألتُه:
“إذاً، قبل البدء بالنشاط الاجتماعي الفعلي، ماذا علينا أن نفعل؟”
“علينا صنع دليل إضافي يثبت علاقتنا.”
“لماذا الإصرار على ذلك؟”
“كلما زادت الأدلة التي تثبت علاقة الزواج، كان ذلك أفضل.”
قال إنني سأعرف ما هو الدليل الجديد عندما نصل.
“ليس شيئاً غريباً هذه المرة، أليس كذلك؟”
“بالطبع. هل أبدو لكِ شخصاً غريباً إلى هذا الحد؟”
“……”
“هذا محزن.”
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"