الفصل الحادي عشر
في اللحظة التي سقطتُ فيها في الفتحة بين الرصيف والقارب، ملأت رأسي مخاوف شتى.
سيكون الماء باردًا، ماذا أفعل؟
هل سأصاب بالزكام؟ أنا لا أجيد السباحة حتى!
“كياك!”
غاصت قدماي حتى الكاحل. ظننتُ أن رأسي سيغرق تاليًا…
… غريب. لماذا لم أتبلل أكثر؟
“فيولا!”
استيقظتُ تمامًا على صوت إيجيكل وهو يناديني. كان يمسك خصري ويرفعني بكل قوته.
حتى المجدف ألقى بمجدافه وساعد في سحبي للأعلى.
بفضل توازن هذين الرجلين المذهل فوق القارب المتأرجح، لم تبتل سوى حذائي ونجوتُ بأمان. كانت معجزة.
حتى بعد أن وطئت قدماي أرض الرصيف الصلبة، لم أستوعب الأمر. إيجيكل أيضًا قفز ببراعة من القارب ليحط على الأرض.
بدا وكأنه سنجاب طائر في رشاقته.
“شـ.. شكرًا لك.”
تحسستُ هندامي الجاف بدهشة. لم يجبني، بل ألقى نظرة على المكان. كان الناس في الساحة يراقبوننا وهم يضعون أيديهم على قلوبهم من شدة القلق.
تركزت أنظار الجميع على ما سنفعله تاليًا.
“حذاؤكِ مبلل. اصعدي على ظهري.”
“نعم؟ لا! لا داعي لهذا!”
“البند الأول، الفقرة الثانية من العقد.”
[يمثل فيولا وإيجيكل دور زوجين مثاليين.]
“آه…”
أردتُ أن أقول إن الحمل على الظهر مبالغ فيه، لكنني خضعتُ في النهاية لنظرات إيجيكل. كان ظهره العريض صلبًا، وبصراحة، لم يكن الركوب مريحاً تمامًا.
تجولتُ في الساحة وأنا محمولة على ظهره كطفلة في الخامسة. المتفرجون الذين رأوا هذا المنظر العجيب كاد يغمى عليهم من الصدمة.
ممم… ليتهم يغمى عليهم فعلًا حتى لا يروا هذا الإحراج…
“بما أنكِ فزعتِ كثيرًا، سأشتري لكِ هدية.”
“ما علاقة هذا بذاك؟”
“لا أريد أن تكون ذكرى خروجكِ اليوم بشعة، لذا سأغطيها بذكرى جيدة.”
يتعامل معي وكأنه يرضي طفلة صغيرة.
رغم أن تفكيره يذهب أحيانًا باتجاهات غريبة، إلا أنني تقبلت الأمر. وبفضله، حظيت بجولة في منطقة تجارية ضخمة بعد عبور الساحة.
“لا أعرف أي السلع تُباع وأين.”
“وأنا أيضًا لا أعرف.”
بعد إقناع طويل، نزلتُ عن ظهره وأخذتُ أتفحص المحلات بحيرة.
حاولتُ التخمين من لافتات الرسوم أو أسماء المتاجر، لكن دون رؤية البضاعة فعليًا لم أفهم الكثير. غرقنا في المتاهة أكثر.
وبعد جولة طويلة، كان الشيء الذي اخترته هو…
“تفوح رائحة زكية من هناك!”
كان خبزًا أبيض يتصاعد منه البخار، محشوًا بالمربى اللذيذة.
“كنتُ أود شراء شيء أفضل، من المؤسف أن تختاري الخبز. هناك عطور نادرة جلبها سحرة من الخارج، وهناك ستائر مزخرفة بأسلوب الشينوازري.”
“وأين هي؟”
“ربما في مكان ما هناك.”
ما معنى “ربما” هذه؟ يا لك من دليل سياحي!
رغم ذلك، شعرتُ براحة في قلبي.
‘على أي حال… هو يعتني بي بطريقته.’
أنقذني من الغرق وأراد إهداءي شيئًا، يبدو أن جوهره شخص طيب.
شعرتُ بالرضا وتولد لدي حدس بأن حياتي الزوجية معه لن تكون سيئة.
وعلاوة على ذلك، وكأنما استجابة لتوقعاتنا، اختفت كل الشكوك التي كانت تثيرها صحف النبلاء حول “الزوجين المستقبليين” منذ اليوم التالي.
* “هذا حقيقي! لقد رأيت بعيني هاتين!”
توالت مقابلات الناس الذين شهدوا اللحظات الحميمية بين الدوق وخطيبته.
أصبح جو المقاطعة وديًا، وعم السلام في “بيترا”.
لكن يبدو أن هناك من لم يعجبه هذا السلام أبدًا.
.
. . * * * . . .
بعد أيام قليلة من ذلك الخروج “الرومانسي” المدروس بعناية.
أيقظتني “آنا” وهي ترتدي ملابس أرقى وأنظف تليق بوصيفة دوقة.
بسبب توتري، قفزتُ من السرير بمجرد أن لمستني يدها.
أنهيتُ استعداداتي بسرعة ووصلتُ إلى غرفة الاستقبال، حيث كان إيجيكل ينتظرني بملابسه الكلاسيكية.
كان انطباعه البارد الذي لا يناسب “مدينة المياه” المشرقة قد وصل إلى ذروته بفضل ملابسه الداكنة.
“تذكري جيدًا. أنتِ ستصبحين دوقة بيترا عما قريب، وأنتِ الآن الوريثة بدلاً من ابن أخي.”
تلا موقفي ببرود.
“طلبي الوحيد اليوم هو: لا تنكمشي أمام الإمبراطور. من الآن فصاعدًا، عليكِ خوض صراع إرادات مع هذا الرجل لمدة عام.”
اليوم كان موعد لقائي الأول مع الإمبراطور.
رغم أن الزفاف لم يتم بعد، إلا أن اللقاء تم بناءً على رغبة جلالته في رؤية الدوقة الجديدة سريعًا.
“فكري في أي شيء آخر. سأشرح أنا كل ما يتعلق بالمقاطعة. أنتِ اجلسي بظهر مستقيم وابتسمي بهدوء.”
“لا تقلق. لستُ ضعيفة تمامًا.”
“سأثق بكِ.”
كرر مرارًا أنني لستُ مضطرة لفعل شيء سوى التواجد بذهن صافٍ.
حاولتُ أن أشبك ذراعي بذراعه كنوع من الشجاعة، لكنه نفض ذراعي وكأنني أحرقته بنار. شعرتُ بجرح بسيط في مشاعري.
على أي حال، بعد رحلة استغرقت ساعات، وصلنا إلى القصر الإمبراطوري الذي كان يتمتع بهيبة عظيمة.
رغم أن سكان “بيترا” يفتخرون بقصر الدوق ويسمونه قصرًا، إلا أن القصر الإمبراطوري كان في مستوى آخر تمامًا.
ومع ذلك، كنتُ أحمل كبرياء مقاطعة بيترا على كتفي.
دخلتُ غرفة الاستقبال في القصر الإمبراطوري محاذية لخطوات إيجيكل، وشعرتُ بثقل المسؤولية.
“دوق بيترا وخطيبته.”
انغرزت نظرات الإمبراطور فيّ فورًا. رجل وسيم في منتصف العمر، بجسد قوي ولحية غزاها الشيب، كان ينظر إليّ بامتعاض.
بتلك النظرة والموقف، بدا وكأنني مكروهة بشدة لديه.
انكمش قلبي الذي كان شجاعًا قبل قليل.
حتى بعد تقديم القهوة، ظل الجو سيئًا للغاية. نظرتُ إلى وجه إيجيكل الجامد وحاولتُ ضبط تعابير وجهي.
“لا بد أنكما مشغولان بالتحضير للزفاف، شكرًا لقدومكما.”
كان فم الإمبراطور يبتسم، لكن عينيه لم تفعلا. كانت نظراته حادة كالنصل وهو يتفحصني أنا وإيجيكل.
“من حسن حظك أنك حصلت على زوجة في هذا التوقيت المناسب تمامًا. يا له من أمر عجيب.”
“إنه بفضل مساعدة القدر.”
“آه.. تقصد ذلك القدر الذي خطفك وجعلك تتزوج، يبدوا انه بذل جهدًا كبيرًا.”
آه.. ربما بقائي صامتة هو أفضل مساعدة أقدمها؟
بينما كان الرجلان يتبادلان الشرارات بجانبي، أخذتُ أرتشف القهوة بسلام وأنا أراقب العصافير والأزهار خارج النافذة.
“سمعتُ أن الدوقة من عائلة كونت .”
لكن فجأة، وُجه السؤال إليّ وكأن السلام ممنوع.
“هذا صحيح. أنا الابنة الكبرى للكونت ستاراتشي.”
“عائلة ستاراتشي… أتذكر أن ابن تلك العائلة يدير نقابة معلومات صغيرة، والكونت كان يعاني من ضائقة مالية منذ زمن.”
“إذا كنت تقصد ابن عمي زينوبيو، فنعم.”
“وبالنسبة للضائقة المالية؟ هل وعد دوق بيترا بتسوية ديون العائلة عند الزواج؟”
“جلالتك. زوجتي المستقبلية هي الآن وريثة عائلة بيترا، لذا أعتقد أنه يمكننا التوقف عن الحديث عن عائلتها السابقة.”
حاول الإمبراطور الاستمرار في الأسئلة وكأنه وجد ثغرة، لكن إيجيكل قاطعه بهدوء.
وبالطبع، رغم هدوء نبرته، كان المحتوى كافيًا لجعل الإمبراطور يصاب بالذهول.
“لقد عينتها وريثة بالفعل؟!”
“كلما كان ذلك أسرع، كان أفضل. ألم تكن جلالتك ترغب في استقرار بيت الدوق؟”
“… بلى. ههه.”
حاول الإمبراطور الحفاظ على ابتسامته المصطنعة وهو يتقبل كلمات إيجيكل.
“بما أن الخلافة استقرت، ستستريح أنت وابن أخيك الصغير قليلًا. سمعتُ أن ابن أخيك يدرس في مدرسة داخلية.”
“نعم. لا يزال في المدرسة بسبب الفصل الدراسي. سيعود إلى القصر عند حلول عطلة الصيف.”
بلعتُ ريقي سرًا. في الرواية الأصلية، يتم اختطاف ابن أخي البطل من قِبل القصر الإمبراطوري وهو في طريقه للعودة لقضاء عطلة الصيف.
لكن الآن، لن يحدث ذلك.
“فهمت. في سن الثانية عشرة، من الجيد التركيز على الدراسة.”
“بالطبع. في العام القادم، سيصل للسن الذي يستوفي شروط قانون الميراث الإمبراطوري، لذا عليه توسيع آفاقه.”
كانت تلك هي النقطة الغريبة في قانون الميراث الإمبراطوري.
يُعتبر الطفل من سن الثالثة عشرة “شبه بالغ” ومؤهلًا للتعيين كوريث رسمي.
كان قانونًا يراعي امتلاك الوريث للقدرة الذهنية والحكم الأدنى لإدارة المقاطعة.
بمعنى آخر، قبل هذا السن، لا يمكن إعلانه وريثًا رسميًا.
لذا، كنتُ أنوي خوض منافسة صورية مع ابن الأخ عندما يبلغ الثالثة عشرة بعد عام، ثم أخسر وأسلم له منصب الوريث.
“إذا نشأ ابن أخي بشكل رائع، فقد يرث مقاطعة بيترا يومًا ما.”
“هوه. وليس زوجتك المحبوبة؟ لا تقل لي أنك أتيت بها فقط لملء الوقت؟”
“هذا أمر تم الاتفاق عليه مع زوجتي بالفعل. أليس من الأفضل أن يرثها الشخص الأكثر كفاءة؟”
“نعم، هذا صحيح. موقفي وموقف زوجي واحد.”
مسح الإمبراطور لحيته وقطب ما بين حاجبيه.
“لكن إذا رُزقتما بطفل، فسيكون هو الوريث بدلاً من ابن الأخ.”
“…”
فتح إيجيكل فمه ثم أطبقه بصعوبة. بدا وكأنه أراد أن يقول إن هذا لن يحدث أبدًا، لكنه تراجع.
ترجمة : ســايــومــي ❥
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"