كيف لها أن تكون بهذه القسوة؟ لطالما كانت إيديث تنام نومًا عميقًا، وكأنها لا تراه كرجل.
كان جسدها يتحرًك بإيقاع أنفاسها المتقطّعة. بدت في غاية السكينة.
أثار هذا في يوهانس موجةً من المشاعر. لم يكن يدري إن كان غاضبًا لأنها شكّت فيه، أم أن كبرياءه قد جُرِح من عدم ردّها.
‘من الطبيعي أن تكوني مستاءة.’
ضيّق يوهانس حاجبيه بشرود.
بالطبع، لم يكن ذنبه أن إيديث لم تُبدِ أيّ ردّة فعلٍ تجاه ردّه.
كما قالت إيديث، كانت تحاول ببساطةٍ القيام بدورها، كما اتفقا في البداية، للحفاظ على هذا الزواج المجنون.
لكن ردّ إيديث ظلّ يُزعجه. لهذا السبب كان ردّ فعله تجاهها تافهًا بعض الشيء. مع ذلك، لم يكن يعلم أنه سيشعر بهذا القدر من الشفقة على نفسه.
‘هل تكرهينني لهذه الدرجة حتى أن لمستي تؤلمكِ؟’
ضحك يوهانس ضحكةً جوفاء.
كانت هذه المرأة، التي أربكته إلى هذا الحد، غارقةً في نومٍ عميق.
بل إن شعرها الكثيف، الذي يصل إلى خصرها، كان يتمايل ويداعب ذراعه كلّما غيّرت وضعيّتها، مانعًا إياه من النوم تمامًا.
مدّ يوهانس يده بحذرٍ نحو شعر إيديث. داعبه برفق، فانتشر إحساسٌ ناعمٌ وباردٌ بين أصابعه.
كل شيء في هذه المرأة، التي كانت تدير ظهرها له، كان ناعمًا. وجهها، يداها، شعرها…
أخيرًا، تذكّر يوهانس لمسة شفتيها الناعمة على شفتيه.
“…تبًّا.”
عندها أدرك أنه كان يلمس شعرها دون وعي.
“همم…”
تقلّبت إيديث في فراشها، وعانقت يوهانس بذراعيها النحيلتين. سرعان ما بدأت تداعب صدره.
ها نحن ذا من جديد.
كانت لمستها سافرةً لدرجةٍ جعلته يتساءل إن كانت تفعل ذلك عمدًا، لأنها تكرهه بشدّةٍ وتريد تعذيبه.
بطريقةٍ ما، انتهى بهما الأمر يتعانقان، تحرّك يوهانس بحذرٍ ليُبعِد يده التي علقت في شعرها. في تلك اللحظة.
فتحت إيديث عينيها بنعاس، ربما لشعورها بعدم الارتياح في هذا الوضع. عندها تجمّد يوهانس في مكانه.
“همم…؟”
رمشت عدّة مرّات، وكان تعبيرها ضبابيًا، قبل أن تتّسع عيناها عندما أدركت أنها بين ذراعي يوهانس.
كان يوهانس في حيرةٍ مُماثلة. فقد اختفى تعبيره الحادّ.
“مـ ما هذا…!”
صرخت إيديث، وهي تقفز من السرير. تفحّصت ملابسها على عجل، بل وحدقّت في يوهانس بغضب.
نهض يوهانس ببطءٍ من السرير. ثم تحدّث بنبرةٍ حائرةٍ إلى المرأة التي كانت تنظر إليه كما لو كان منحرفًا.
“أظن أنني أنا مَن تأذّى هنا.”
“نعم…؟ لكن احتضاني …”
هل سبق لتلك المرأة أن شعرت بهذا الارتباك؟
شعر يوهانس برغبةٍ غريبةٍ في إحراج إيديث أكثر. قال بهدوء.
“أنتَ مَن استدرتِ لتعانقيني، فعلقت ذراعي.”
بدأت وجنتا إيديث تحمرّان كالطماطم. حدّق يوهانس بها، وقد أغلقت فمها فجأة، فضحك.
بدت إيديث وكأنها تذكّرت وضعيّتها السابقة، ثم نهضت من السرير وهربت.
* * *
ظهرت مؤخرًا بعض المخاوف البسيطة، لكنها جديدة.
أحدها أنني لاحظتُ عادة نومي بالالتصاق بيوهانس، ما جعل من المحرج النظر إلى وجهه عندما أستيقظ.
والآخر هو…..
منذ إصابتي في رأسي، بدأتُ أحيانًا أستعيد ذكرياتٍ مجهولة المصدر.
تبدو ذكرياتي صحيحة، لكنني لا أملك أدنى فكرةٍ عن مكانها أو كيفية حدوثها.
على سبيل المثال، هذه المرّة.
“آهين!”
في الطريق إلى قلعة إيفانشتاين، ركضتُ مُسرِعةً نحو آهين وناديتُها. كانت آهين جاثمةً أمام نبتةٍ مليئةٍ بالزهور البيضاء، تحاول استنشاق عبيرها، ثم التفتت إليّ.
هززتُ الزهور من يدها بسرعة. تراجعت آهين إلى الوراء، وعلى وجهها تعبيرٌ من الحيرة.
اتسعت عيناها بارتباك.
“سيدتي…؟”
“لا تلمسيها. هذه شجيرة شوكران. كلّ جُزءٍ منها سام. يمكن أن يصيبكِ بالشلل. في الحالات الشديدة، يمكن أن يقتلكِ.”
“هاه…؟”
انفرج فم آهين على مصراعيه. بدت مصدومةً تمامًا لأنها لمست شيئًا سامًا.
“لم تبتلعيها، أليس كذلك؟”
“أوه، لا…! مستحيل! لماذا آكل زهرة؟”
أنكرت آهين ذلك بشدّةٍ ولوّحت بيدها.
لا أعتقد أنها أكلتها بالفعل، ولكن تحسّبًا لأيّ طارئ.
ساعدتُ آهين على النهوض وقلتُ.
“على أيّ حال، إيّاكِ أن تلمسي هذه الزهرة. إنها خطيرةٌ حتى بكميّاتٍ قليلة. لا يوجد ترياقٌ لها، لذا من الأفضل تجنّبها قدر الإمكان.”
“إنها تشبه زهرة الهندباء لدرجة أنني لم أُلاحظ … يا إلهي كدتُ أن أموت.”
تمتمت آهين وعيناها متّسعتان.
“لم تفركي عينيكِ أو تلمسي فمكِ، أليس كذلك؟”
“هذا… لا أعرف. لا أتذكّر. ربما كنتُ ألمسها بشكلٍ اعتيادي…”
تشوّه وجه آهين وكأنها على وشك البكاء. نظرت إليّ والدموع تترقرق في عينيها.
“سـ سيدتي. ماذا أفعل الآن؟ هل سأموت؟”
هززتُ رأسي بسرعة.
“لا بأس. عادةً ما تكون الأعراض شديدةً عند تناولها. أحيانًا، يمتصّ الجلد كميةً صغيرة، لكن…”
ثم نظرتُ إلى آهين. كان طمأنتها هي الأولوية الآن.
“ستكونين بخير.”
تبدأ أعراض التسمّم عادةً بعد 30 دقيقة…….
تظهر بثورٌ أو كدماتٌ على الشفاه، وقيء، ودوار. في الحالات الشديدة، قد تحدث تشنّجات، وشلل، وفشلٌ تنفّسي، وحتى الموت.
أنا أرتدي قفازات، لذا عادةً ما أكون بخير، لكن …..
نظرتُ إلى يدي آهين المتصلّبتين. أخرجتُ على الفور زجاجة الماء التي أحضرتُها وغسلتُ يديها.
“الآن، اغسلي يديكِ.”
“لم أكن أعرف حتى أن هناك شيئًا يُسمى الشوكران. ظننتُ حقًا أنها مجموعةٌ من الهندباء…”
قالت آهين، وهي تُحوّل نظرها إلى باقة الزهور.
“فقط كوني حذرةً في المرّة القادمة. لم أكن أعلم بوجود أشياء كهذه في القلعة… إذا وجدتُ المزيد، فسأُخبِرُكِ، لذا كوني حذرةً أيضًا.”
أومأت آهين برأسها سريعًا.
لحسن الحظ، لم تكن هناك نباتاتٌ سامّةٌ كثيرةٌ كما كنتُ أظن.
كان عليّ إخبار آهين عن النباتات القاتلة. أشرتُ إلى فطرٍ أبيض ينمو تحت شجرةٍ وقلت.
“هذا أيضًا فطرٌ سام.”
“هاه؟ لكنهم يقولون إن الفطر السام جميل اللون. إنه لافتٌ للنظر ونابضٌ بالحياة… هذا أبيضٌ فقط.”
“ليس كلّ الفطر السامّ جميلًا. هذا فطر ذبابة الأغاريك. تناول واحدةٍ منه قد يقتلك.”
أومأت آهين برأسها بقوّةٍ عندما انتهيتُ من شرحي.
“يبدو أنكِ تعرفين الكثير، سيدتي. أنا سعيدةٌ جدًا لأنني أتيتُ إلى هنا وليس إلى عائلةٍ نبيلةٍ أخرى.”
ثم بدأت آهين بالثرثرة.
شرحت لي أن لديها صديقةً من الشمال الشرقي جاءت معها إلى دوسيليا، لكنها كانت تواجه صعوبةً في التأقلم مع العائلة النبيلة بسبب ضعفها في لغة دوسيليا.
“مع أن دوسيليا هي اللغة الرسمية، إلّا أنه من النادر إيجاد فرصٍ كثيرةٍ لتعلّمها في المنطقة الشمالية الشرقية، نظرًا لنُدرة الاحتكاك بها.”
وأضافت أنها كانت محظوظةً لأنه تعلّمت القليل منها أثناء عملها على متن القارب.
بعد نزهتنا، كنّا في طريقنا إلى المنزل. عندها سألتني آهين.
“بالمناسبة، من أين لكِ كلّ هذه المعرفة؟ هل تعرفينها بشكلٍ طبيعيٍّ أثناء دراستكِ للصيدلة؟”
“هاه؟”
حينها فقط أدركتُ ما قلتُه وفعلتُه.
“…لا أعرف.”
توقّفتُ فجأةً وأجبتُ.
“ماذا؟”
سألت آهين بصوتٍ حائر. بدا وكأن تعابيرها تقول ‘إن لم تعرفي أنتِ، فمَن سيعرف؟’
لكن حتى أنا كنتُ على وشك الجنون.
كيف لي أن أعرف كلّ هذا؟
لم أره في كتابٍ قط. وبالتأكيد، لم يكن ذلك مذكورًا في الكتب التي درستُها.
بمعنًى آخر، كانت نبتةً لم أرها من قبل. لكن كيف لي أن أعرف أنها نباتٌ سام، وحتى أعراضها؟
وينطبق الأمر نفسه على جنس الأمانيتا. تمامًا كما حدث مع الجثّة في المرّة السابقة… وقفتُ ساكنةً لبرهة، مشوّشةً بذكرياتٍ لم أستطع تحديد مصدرها.
نادتني آهين “سيدتي؟”، فاستعدتُ وعيي.
ظننتُ أنها ستظنّني غريبة الأطوار إن استمررتُ في شرودي الذهني، لذا اختلقتُ عُذرًا مناسبًا.
“آه… لقد تعرّضتُ لإصابةٍ في رأسي، أليس كذلك؟ لقد نسيتُ من أين عَلِمتُ بذلك منذ ذلك الحين، أليس كذلك؟”
الآن، كلّ ما كنتُ أتمنّاه هو أن يكون اختيار أن أكون شخصاً مثيراً للشفقة بدلاً من أن أكون شخصاً غريباً خياراً أفضل بالتأكيد.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 57"