عند عودتي إلى قلعة إيفانشتاين، توجّهتُ مباشرةً إلى الغرفة الداخلية.
بعد وفاة والدي، كان من المؤلم لي رؤية ممتلكاته.
لذا كنتُ أُخفيها بعيدًا عن الأنظار، ولكن الآن حان الوقت لإخراجها.
أزحتُ كومة الملابس التي كانت فوقها وسحبتُ صندوقًا. ركعتُ أمامه، أُفكّر مليًّا.
هل ذكر والدي يوهانس في رسائله؟ بالطبع …
‘هل…؟’
صُدِمتُ من إهمالي لأمرٍ جوهريٍّ كهذا.
منذ ذهابه إلى الحرب، كان والدي يكتب لي رسائل، وكأنه يُخبرني بكلّ تحرّكاته. كانت أشبه بمذكّراتٍ يوميّة. وكان يُرسِل لي مرًةً في الشهر رُزمةً سميكةً من الرسائل.
كانت الرسائل تملأ هذا الصندوق الكبير.
ولكن هل ذُكِر يوهانس ولو لمرّةٍ واحدةٍ فيها؟ أغمضتُ عينيّ، مُحاوِلةً استعادة ذكرياتي.
‘لا أدري …’
ربما فعلا لكنني لا أتذكّر، أو ربما لم يكن مذكورًا حقًا.
لكن لو كان والدي يعتبره صديقًا مُقرَّبًا، لذُكِر على الأقل سطرًا في الرسالة عنه. ولا يُعقَل ألّا أتذكّر ذلك.
كنتُ أقرأ الرسائل التي تلقيّتُها مرارًا وتكرارًا.
أتذكّر رسالة التاسع من مارس، التي اشتكى فيها من لحم البقر المجفّف وشراب الصويا رديء الجودة اللذين تناولهما على الغداء.
ورسالة الأوّل من يونيو، عندما فحص هو وزميله الأسطول واكتشفا تسرّبًا للغاز، ممّا أنقذ حياة الجميع.
أما الرسالة الأخيرة، المؤرَّخة في الثلاثين من أغسطس، فقد عبّر فيها عن سعادته باحتمالية عودته إلى الوطن قبل الموعد المتوقّع.
لم يُذكَر فيها شيءٌ عن يوهانس شولتز. لم يُشِر إليه حتى كقائد.
لكن ربما لا أتذكّر فحسب.
وضعتُ يدي برفقٍ على الصندوق وقلبتُه. تساقطت الرسائل التي كانت محشورةً في الداخل. وبدأتُ أُقلِّب بينها.
“لا شيء.”
لكن مهما بحثتُ، لم أجد أيّ ذِكرٍ ليوهانس شولتز. ذاكرتي كانت صحيحة.
“لماذا لا…؟”
رفعتُ رأسي ببطء. شحب وجهي.
هل كذب عليّ يوهانس؟
* * *
بمشاعر مختلطة، توجّهتُ إلى غرفة النوم. كان يوهانس جالسًا على السرير يقرأ كتابًا.
حدّقتُ به، غارقًا في كتابه، ثم مشيتُ نحوه ببطء. حتى عندما جلستُ بجانبه، بدا وكأنه لم يُلاحظني. شعرتُ وكأنه يتجاهلني.
شعرتُ بإهانةٍ غريبة.
لا أعرف من أين أتت هذه الإهانة، لكنني شعرتُ بسوءٍ أكبر في داخلي. تحرّكتُ تحت الأغطية، مُبالِغةً في حركاتي عمدًا، لكنه مع ذلك لم يُلقِ عليّ أدنى نظرة.
ألقيتُ نظرةً خاطفةً عليه. هل أسأله مجدّداً عن علاقته بوالدي؟ كان من الأفضل سؤاله مباشرةً بدلاً من الشك فيه. كنتُ أُراقب تعابير وجهه، أُحاول أن أجد طريقةً لفتح الموضوع.
“إلى ماذا تنظرين؟”
عندها فقط التفت يوهانس إليّ. زحفتُ ببطءٍ من تحت الأغطية واتّكأتُ عليه.
“…قلتَ إنكَ كنتَ مُقرَّباً من والدي. متى بدأت هذه العلاقة؟”
ضاقت عينا يوهانس. ثم وضع الكتاب على المنضدة. استطعتُ أن أُدرِك أنه يحاول فهم مغزى السؤال.
أخيراً، وكأنه استسلم في البحث عن إجابة، تنهّد تنهيدةً خفيفةً وقال.
“هل كان ذلك عندما بدأت الأمور تتغيّر في سير المعركة؟”
“متى كان ذلك…؟”
“لماذا تسألين هذا السؤال؟”
“لا، أنا فضوليّةٌ فقط. منذ متى وأنتما مُقرّبان…؟”
نظرتُ إلى يوهانس بنظرةٍ جامدة.
“لا أتذكّر جيدًا.”
“هل مرّ وقتٌ طويل؟”
“هل هذا استجواب؟ لم أُستجوَب من قبل، لذا فهذه تجربةٌ جديدة.”
ارتفع حاجبا يوهانس استنكاىًا. هززتُ رأسي بسرعة.
“لا، ليس هذا هو السبب.”
“… كان ذلك في الشتاء، قُرب نهاية الحرب.”
أجاب يوهانس على مضض.
“الشتاء؟”
الشتاء يعني حوالي شهر نوفمبر، على ما أظن.
بما أنه قيل أن والدي توفي في ديسمبر، هذا يعني أن يوهانس ووالدي لم يعرفا بعضهما إلّا لشهرٍ واحدٍ على الأكثر.
هل يُعقل أنه تلقّى كلّ هذه المساعدة وتوطّدت علاقتهما في ذلك الشهر…؟
في الواقع، لم يكن ذلك مستبعدًا. لا بد أنهما قضيا كلّ يومٍ معًا على متن السفينة. ليس من الصعب أن يتقرّبا بعد شهرٍ من التواجد معًا يوميًا.
لكن لا يوهانس ولا والدي اجتماعيّان بطبيعتهما. لو كان أحدهما ودودًا، لتقرّبا بسرعة، لكن هذين الاثنين…
‘حسنًا، لا أعتقد أنهما كانا ليتمكّنا حتى من إجراء محادثةٍ طبيعية.’
أعلم أنني أُبالغ في الشكّ بيوهانس. في الظروف العادية، كنتُ سأقول ببساطة ‘أفهم’، وأتجاهل الأمر.
لكن كلّ مَن حولي كان يحثّني على تجنّب يوهانس. كيف لي أن أتخلّص من شكوكي في هذا الموقف؟
تنهّدتُ وسألت.
“كيف أصبحتُما مُقرَّبين …؟”
عبس يوهانس، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة. ازدادت نظراته حدّة.
“لماذا تتساءلين عن ذلك، زوجتي؟ يبدو أنكِ تشكّين في أنني أكذب.”
“لا.”
صرفت نظري عنه بخفّة، فأمسك يوهانس معصمي وجذبني إليه. فجأةً، وجدتُ نفسي جالسةً فوقه بشكلٍ مُحرِج. احمرّ وجهي خجلاً. كانت عينا يوهانس الزرقاوان الساطعتان تحدّقان بي مباشرةً.
“إن لم يكن كذلك، لماذا لا تستطيعين النظر في عينيّ؟”
“…أشعر بالحرج من وضعيّتي.”
رفعتُ عينيّ.
“لقد تصرّفتِ وكأنكِ لا تشعرين بأيّ خجلٍ في حفل الاستقبال. هل كان شخصٌ آخر هو مَن لفّ ذراعيه حول عنقي؟”
“حينها…!”
“لن أدعكِ تذهبين حتى تتحدّثي بشكلٍ لائق. إن لم تكوني تريدين أن تبقي على هذه الحال، فأجيبي بشكلٍ لائق.”
ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ لم يتصرّف يوهانس شولتز هكذا من قبل.
هل يحاول إحراجي؟
حدّق بي بتمعن، وكأنه لن يتركني حتى يفهم نواياي.
تحوّل الإحراج إلى حيرة. عبستُ، ناسيةً للحظاتٍ القلق الذي كان يملأ رأسي قبل لحظات.
“هل أنتَ تستجوبني الآن حقًا، دوق؟”
“مستحيل. هل تظنين حقاً أنني سأستجوب شخصاً بهذه الطريقة؟”
“…الأمر مؤلمٌ بما فيه الكفاية.”
عقد يوهانس حاجبيه. بدا الأمر مستحيلاً، لكن وجهه كان مجروحاً بشكلٍ غريب. السؤال الذي تلاه زادني إحراجاً.
“حسناً، بما أننا نتحدّث في هذا الموضوع، دعيني أسألكِ سؤالاً آخر. ألم تكوني منزعجةً حقًا؟ على الإطلاق؟”
“…هاه؟”
هل كان هذا هو السؤال المناسب في هذا الموقف؟ رمشتُ بسرعةٍ من السؤال غير المتوقّع.
بالتفكير في الأمر، كان يوهانس يتصرّف كشخصٍ ساخطٍ منذ أن أجبتُ بتلك الإجابة.
“هل تقول هذا لأنني قلتُ سابقاً إنني لستُ منزعجة؟”
“كنتُ أسأل فقط.”
أوه، ربما كانت إجابتي خاطئة. لكنني ظننتُ أنه كان جوابًا مُرضيًا له.
أضفتُ، وما زال يساورني شكٌّ طفيف.
“إذن سأسألك. هل أنتَ مُنزعجٌ لأنني قلتُ إنني لستُ كذلك؟”
تصلّبت ملامح يوهانس للحظة.
حقًّا؟
تأمّلتُ وجهه المثالي. لكنّ الشعور الوحيد الذي برز كان الانزعاج. لا شيء غير ذلك.
“أليس من الطبيعي أن يشعر الزوجان بالانزعاج؟”
قال يوهانس، وكأنه لا يفهم شيئًا.
خفق قلبي بشدّة.
وفي الوقت نفسه، تسلّل شعورٌ خطيرٌ إلى معصمي الذي كان يمسكه.
كان حدسي يُحذّرني. لقد كنّا أنا وهو مُفرِطين في الانفعال. لم نكن نستطيع الاستمرار أكثر من ذلك.
لم نكن نستطيع خلق أيّ سوء فهم، وكان علينا أن نلتزم بأدوارنا.
“هذا يؤلمني. هل يمكنكَ أن تتركني؟”
أومأتُ برأسي نحو معصمي الذي كان يمسكه.
عبس يوهانس، لكنني تمكّنتُ من الإفلات. بعد ذلك، استدرتُ على جانبي، وشعرتُ بعدم الارتياح.
وما زالت تراودني تساؤلاتٌ حول والدي وعلاقته، لكن أفكاري ازدادت تعقيدًا فقط.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 56"