“سمعتُ أنك كنتَ مشغولاً مؤخراً. ما كان اسمه… نواه ويبر، أليس كذلك؟ أحد مرؤوسيكَ في البحريّة كان يُسبِّبُ لكَ المتاعب. حادثة حريق القطار تلك…”
نظر إدوارد إلى إيديث، وابتسم ابتسامةً خفيفة. ثم تابع بصوتٍ ماكر.
“سمعتُ أن الدوقة أُصيبت بجروحٍ بالغةٍ على يد ذلك المجرم، لكن لحسن الحظ يبدو أنها تعافت. وبالمناسبة، لقد قدّمتِ استنتاجاتٍ مقنعةٍ للغاية في مسرح الجريمة. بدوتِ بخيرٍ حينها وكأنه لم يحدث شيء.”
عندما لم يُجب يوهانس، ضيّق الابن الضال للعائلة المالكة عينيه.
ثم قرأ في نظرة يوهانس أنه يُحاول محاسبته.
“حادثة القطار لا علاقة لي بها على الإطلاق. وكما تعلم، فإن حجّتي قوية.”
شعر إدوارد بظلمٍ كبير، فواصل الإصرار على أنه لا علاقة له بالأمر، على الرغم من أن أحداً لم يُلِحّ عليه. تحدّث يوهانس، الذي كان يستمع بصمتٍ إلى أعذاره، ببطءٍ أخيرًا.
“بالطبع، لقد تحقّقتُ من أمركَ أيضًا. لم يكن لديكَ أيّ اتصالٍ بنواه ويبر، وحجّتكَ واضحة.”
بدا إدوارد مذهولًا، ثم شدّ على فكيه. أدرك أنه وقع ضحية خدعة يوهانس.
ضحك إدوارد.
“هذا صحيح. أعتقد أنكَ كنتَ تشكّ بي دائمًا، لذلك اختلقتُ الأعذار دون وعي.”
* * *
سار الجدول الزمني في قلعة بافرين بسلاسةٍ وسرعةٍ أكبر ممّا كان متوقّعًا.
بالطبع، كانت هناك بعض العقبات.
في القطار العائد إلى موسن مع يوهانس، تذكّرتُ المحادثة التي دارت بين إدوارد ويوهانس للتوّ.
“عن ماذا تحدّثتِ مع إدوارد ويندسور؟ لم تبدي سعيدة.”
في تلك اللحظة، حوّل يوهانس نظره من النافذة وسأل.
«إذن، هل ذُكِر اسم يوهانس شولتز ولو لمرّةٍ واحدةٍ في رسائله؟»
ظلّت كلمات إدوارد الأخيرة تُشعِرني بعدم الارتياح، لذا لم أستطع أن أكون صادقة. أجبتُ بنبرةٍ تحمل شيئًا من الذنب.
“لم أقل الكثير. نفس الكلام المعتاد فقط. أشياءٌ من قبيل ‘هل زوجكِ بخير؟’ وكل هذا الهراء…”
“حقًّا؟”
بدا وكأنه لا يُصدّقني على الإطلاق. لكن لم يكن لديّ أيّ عُذرٍ آخر. أومأتُ برأسي سريعًا.
“بالتأكيد. شعرتُ فقط ببعض الانزعاج، لذا يكن تعبير وجهي مُرتاحًا.”
بتعبيرٍ عابسٍ بعض الشيء، استقام يوهانس، ولا يزال يبدو غير مُصدّقٍ لي.
لكن بطريقةٍ ما، شعرتُ بعدم الارتياح إن أخبرته عن حديثي مع إدوارد. بدا الأمر كما لو أن ليوهانس علاقةً بوفاة والدي.
‘ربما يكون هذا قلقًا لا طائل منه…’
… ظهر ظلٌّ فجأةً أمام عيني.
كلّما تعمّقتُ في البحث، شعرتُ وكأنني أسقط في متاهة. ضيّقتُ عينيّ، وتذكّرتُ الأدلة التي جمعتُها، ثم تذكّرتُ الوسيط الذي نسيتُه.
“بالمناسبة، ماذا حدث مع الوسيط في المرّة الماضية؟ قال إنه سيُجري تحقيقًا منفصلًا، لا… قال إنه سيُعطيني الإجابات التي أُريدها في زيارتي القادمة.”
وبينما كنتُ أُسهِب في الحديث، أمال يوهانس رأسه.
“إنها حيلة. أيّ شخصٍ يذهب إليه لديه مشكلةٌ يصعب حلُّها. يتصرّفون وكأنهم يعرفون كلّ شيء، ثم يزيدون تدريجيًا من المعلومات التي يطلبونها.”
“آه…”
رمشتُ في ذهول.
افترضتُ بسذاجةٍ أن الوسيط يعرف كلّ شيءٍ عن والدي. مهما كانت كمية المعلومات التي يتعامل معها، فمن المستحيل أن يعرف شيئًا عن الرّسالة التي تلقّيتُها.
كنتُ أُعامله كشخصٍ بصير.
ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ ومرّرتُ يدي بعصبية في شعري الأشعث.
“لكن يحق لي أن أسأل، أليس كذلك؟”
“……”
“متى سنذهب إلى سوق الأعشاب الطبية مجدداً؟ عندما تخرج البحرية للتحقيق، أرجو أن تسمح لي بالذهاب معك.”
“…فهمت.”
“شكرًا لك.”
أدرتُ رأسي نحو النافذة دون وعي.
بعد لحظةٍ طويلةٍ من التحديق في المناظر التي تمرّ أمام عيني، تحدّث يوهانس.
“بخصوص ما حدث في قاعة العرش…”
نظرتُ إليه لا إراديًا.
“…أنا آسف. لم يكن هذا هو الرّد المناسب على عرض الملك.”
“آه.”
لم أتوقّع أن يُثير يوهانس هذا الموضوع، فاتّسعت عيناي.
من خلال فكّه المشدود، أدركتُ أنه كان منتبهًا لي طوال الوقت. شعرتُ بجفافٍ في حلقي.
“…لا بأس. كنتُ مرتبكةً قليلًا في البداية، ولكن حتى لو سلّمني الدوق إلى الملك، لكنتُ شعرتُ أنه أمرٌ لا مفرّ منه.”
تمكّنتُ من قول ذلك بصعوبة، متجنّبةً النظر إليه.
لا أعرف كيف كنتُ سأتصرّف لو أن يوهانس سلّمني إليه بالفعل. لكن كان عليّ على الأقل أن أبدو بخيرٍ ظاهريًا. لم يكن من جزءًا من دوري الصحيح إظهار استيائي وخيبة أملي.
بشكلٍ غريب، شعرتُ بأنه مستاء. لم أكن أعرف ماذا أقول، فعضضتُ شفتيّ، عندها تكلّم يوهانس.
“… ألم تكوني منزعجة؟”
هل يختبرني؟ تأمّلتُ تعابيره بشرود، لكنني لم أستطع فهمها جيدًا.
ربما كان يحاول الضغط عليّ لأداء واجبي، بما أنني كنتُ منشغلةً بعمل والدي.
“بالتأكيد. لا أعتقد أنني ورقةٌ سهلة.”
“ورقة؟”
“نعم. لقد قال الدوق إن لديه سببًا لاختياري… وأيضًا… لقد قررنا أن نثق ببعضنا كما لو كنا زوجين حقيقيين، أليس كذلك؟”
هل كانت إجابتي صحيحة؟
بطريقةٍ ما، بدت تعابير يوهانس غريبة. عبثتُ بشعري المنسدل وتابعتُ الحديث معه، بينما كان صامتًا.
“مع أن الملك يبدو كذلك، إلّا أنني أعرف جيدًا مدى دهاءه. رأيتُه يراقب ردّة فعلي بتمعّن.لم أستطع السيطرة على تعابير وجهي حينها من شدّة الارتياك، لكنني في تلك اللحظة، لا بد أنني بدوت له كامرأةٍ قلقةٍ على فقدان الرجل الذي تحبّه.”
في الواقع، لم يكن وضع الملك في دوسيليا جيدًا.
لم يكن حاكمًا جيدًا فحسب، بل إن جشعه بدّد خزينة الدولة، حتى أنه ذبح الخيميائيين الأبرياء.
لحسن الحظ، تمكّن من الحفاظ على منصبه باستخدام الكيميائيين لتطوير البارود عديم الدخان، لكن هذه الحرب لا بد أنها أضعفت موقفه أكثر.
أمام هذا المأزق، لم يكن أمامه سوى سبيلٍ واحدٍ لتجاوز هذه الأزمة.
‘كان دوق شولتز، بموقفه الثابت القوي، في الحقيقة وغدًا يسخر من شعبه.’
من خلال تضحية شخصٍ واحد، تم كبح هيبة عائلة الدوق شولتز، وتقليل معارضة العائلة المالكة، واستعاد موقعه استقراره مرّةً أخرى.
لم أكن غافلةً عن ذلك.
لكن يبدو أن ردّي لم يعجبه، فقد عبس يوهانس بفمه بشكلٍ ملتوي، وبدأ بالكلام بنبرةٍ ساخرة.
التعليقات لهذا الفصل " 55"