بينما كنتُ طريحة الفراش، كنتُ مشغولةً للغاية. كان كلّ زائرٍ يمرّ ينهال عليّ باللوم، لدرجة أنني شعرتُ وكأن الأشواك تنبت في أذني.
لم يكن اليوم استثناءً.
كنتُ قد غفوتُ في نومٍ خفيفٍ عندما استيقظتُ فجأةً على طرقٍ على الباب.
“سيدتي، أنا قادمة.”
دخلت مارلين، التي عادت من إجازتها، بوجهٍ جامد. قبل أن نتمكّن حتى من تبادل التحية، بدأت على الفور بتوبيخها.
“لا أعرف ماذا كان يفعل الخدم الآخرون! بالطبع، تتحمّل السيدة جزءًا كبيرًا من اللوم لملاحقتها مجرّد خادمةٍ في هذا الموقف.”
مع ذلك، كان صوتها مليئًا بالقلق لدرجة أنني لم أستطع أن أغضب.
“لا يمكنني ترك آهين خلفي، أليس كذلك؟”
تنهّدت مارلين تنهيدةً طويلة وقالت.
“… يبدو أن تعليمي لم يكن كافياً. سأُكرِّس نفسي للتدريب بجديةٍ أكبر من الآن فصاعداً، لذا سيدتي، أرجوكِ تابعي معي.”
كان وجهها حازماً لدرجة أنني شعرتُ أنه لا خيار أمامي سوى الاستعداد لما هو آتٍ.
مع كلّ هذا العدد من الناس الذين يمرّون بي يومياً للاطمئنان عليّ، شعرتُ وكأنني أصبحتُ حقاً جزءاً من عائلة دوق شولتز.
كان الأمر مفاجئاً و… مُفرِحاً بشكلٍ غريب.
ولكن، بالطبع، لم تكن كلّ الأخبار سارة.
بينما كنتُ مستلقيةً على سريري، بدأت الصحف تُذيع أخبار جريمة القتل الثانية.
لحسن الحظ، لم يبدُ على الناس القلق كما كان من قبل.
بعد كلّ شيء، تم تعيين أمير دوسيليا ورئيس شرطة بولن السابق في موسن.
كان الجميع على قناعةٍ راسخةٍ بأن الشرطة لن تدير الأمور بإهمالٍ كما كان من قبل.
وكأنما لإثبات هذا الاعتقاد، سرعان ما حُكِم على القضية بأنها وفاةٌ طبيعيةٌ لا جريمة قتل.
السبب هو انخفاض حرارة الجسم حتى التجمّد في الشتاء.
يُفترض أن الضحية نزلت إلى القبو لإحضار النبيذ، فغفت ولم تستيقظ.
لم يكن الأمر منطقيًا بالنسبة لي، ولكن بالنسبة لمَن لم يروا مسرح الجريمة، بدا الأمر معقولًا بما فيه الكفاية.
شعرتُ بثقلٍ في قلبي، لكن لم يكن هناك ما أستطيع فعله.
أرخيتُ قبضتي عن الصحيفة بوعي، وأطلقتُ تنهيدةً عميقة.
لا بد من وجود سببٍ غير مُعلَنٍ للتستّر عليها … كما حدث مع جريمة القتل الأولى.
* * *
من بين قلاع موسن الأربع، كانت قلعة هايبنشتاين تقع في الشرق.
حدّق إدوارد ويندسور في بحيرة بوبن المُزينة بألوان غروب الشمس، من نافذةٍ تطلّ على موسن.
بدأت البحيرة، التي كانت متجمّدةً حتى وقتٍ قريب، الآن تتدفّق برفق، وذاب الثلج المتراكم تحت الأشجار. كان الربيع على الأبواب.
سرعان ما تطلّعت عيناه الرماديتان المائلتان للزرقة نحو الأفق.
كانت أسطح المنازل الكحلية المدبّبة، التي كانت مرئيةً حتى من هذه المسافة، مختبئةً خلف الغيوم.
نقر إدوارد على إطار النافذة، ثم استدار بوجهٍ ملول.
“لا بد أن سيدات العاصمة النبلاء مفطورات القلب.”
قال بحزنٍ حقيقي.
“عدم قدرتهن على رؤية حديقة إيدن بلانك كثيرًا كما في السابق … لا بد أنهن يشعرن بحزنٍ عميق.”
“لقد أحببنَ حضور حفلات سموّك الراقصة، على أيّ حال.”
“بالضبط.”
ابتسم إدوارد ابتسامةً خفيفةً للرجل الذي أجاب.
كانت حفلات إدوارد ويندسور الراقصة دائمًا ما تكون مُسرِفةً ومبهرة، كما لو أنها تُحاكي الغرور الأرستقراطي.
لقد بذل جهدًا كبيرًا في تزيين الزهور الطازجة، جاعلاً منها موضوعًا ساخنًا لثرثرة النبلاء بعد كلّ مناسبة.
كان إدوارد مدركًا تمامًا لهذا. تابع بينما كان يخفّف من ربطة عنقه.
“حتى أن ملكنا المستقبلي سمح لي بالعناية بحديقة قلعة بافرين … لدرجة أنني لا أعتقد أنها ستكون مثيرةً مهما زرعتُ من زهورٍ فيها.”
“سأعتني الحديقة. مع إيدن بلانك.”
بعد أن تلقّى الإجابة التي أرادها، ربّت إدوارد على كتف الرجل بارتياح.
“أليس عليكَ ذلك؟ هذا ما أعتقده. ولي العهد … حسنًا … صارمٌ بعض الشيء. ليس من هواة الحفلات. تخيّل فقط مدى ملل جميع السيدات والشابات النبيلات المقيمات في العاصمة.”
نظر إدوارد حوله مرةً أخرى. حقًا، لم يكن لهذا المكان أيّ سحرٍ بالنسبة له.
“هذه القلعة باهتةٌ تمامًا مثل ملكنا المستقبلي. عتيقة الطراز ومملة.”
خفض الرجل، الذي فهم قصد إدوارد الحقيقي بأنه يريد شيئًا أكثر روعةً من قلعة بافرين في العاصمة، خفض رأسه.
“فريدريك، أنتَ بستانيٌّ موهوب. إذا حوّلتَ هذا إلى إيدن بلانك آخر كما قلت، فسيكون مثاليًا. لماذا لم أفكّر في ذلك من قبل؟”
ابتسم إدوارد بخبث، متظاهرًا بأنه لم يزرع الفكرة من الأساس.
“يمكننا أن نمنح الشابات الجميلات والنبيلات شيئًا يستمتعن به. يا له من حزنٍ لعجزهن عن رؤيتي كثيرًا. أليس كذلك، فريدريك؟”
“أجل. لن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً للتحضير. بمجرّد أن يصبح الطقس أكثر دفئًا، سنكون مستعدّين لأقامة أول لحفل.”
“أجل، أنا دائمًا أعتمد عليك. الآن، اذهب وجهِّز الحديقة.”
كانت ابتسامته ودودةً بلا شك. بينما لوّح إدوارد له، أجاب فريدريك.
“قبل ذلك، عليّ المرور بقلعة بافرين.”
“آه … ألم تحضر جميع أمتعتكَ إلى هنا بعد؟”
أومأ فريدريك برأسه مُلقيًا نظرةً على إدوارد.
“همم …”
تتفتّح الأزهار في وقتها المناسب. بعد تفكيرٍ قصير، ارتسمت على شفتي إدوارد ابتسامةٌ حلوة.
“حسنًا. يريد بستانيٌّ ماهرٌ تزيين حديقتي، لا يوجد سببٌ لأُمانع.”
* * *
كان البقاء في السرير مملًّا للغاية.
كان الراحة الوحيدة أن اليوم كان آخر يومٍ من فترة الراحة التي وصفها الطبيب.
وأخيرًا، لم أضطرّ للاحتفاظ بالضمادات التي كانت آهين تغيّرها يوميًا.
في اليوم الرابع، أخبرتُ يوهانس أنني قد ارتحتُ جيدًا، لكن الأمر لم يُجدِ نفعًا على الإطلاق.
مع أنني كنتُ أعاني أحيانًا من صداعٍ خفيف، إلّا أنه لم يكن أمرًا مثيرًا للقلق.
“كيف حالكِ اليوم؟”
سألني يوهانس، جالسًا على حافّة السرير.
بدا أكثر استرخاءً الآن. بدا مشغولاً للغاية مؤخرًا، لكن يبدو أنه انتهى من ترتيب كلّ شيء.
“أنا بخيرٍ تمامًا. شكرًا لاهتمامك.”
“على الرّحب والسعة.”
ابتسم لي ابتسامةً خفيفة. كان ذلك بمثابة راحة بالٍ طال انتظارها.
بينما كنا نجلس متقابلين على الطاولة الصغيرة في غرفة النوم، نشرب الشاي، تذكّرتُ ما كان يدور في ذهني.
“أريد زيارة بولن مرّةً أخرى.”
انقلبت ملامح يوهانس. كان رد فعله كما توقّعتُ تمامًا.
لكن إجابته … لم تكن كذلك.
“زيارة بولن ليست فكرةً سيئة. لكن الآن وقد علمنا أن أحدهم قد يستهدفكِ، سأرافقكِ هذه المرّة. لا اعتراضات.”
“هاه؟”
توقّفتُ قليلًا في منتصف شرب الشاي. ضيّقتُ عينيّ دون وعي، فأجاب يوهانس بلا مبالاة.
“يبدو أنكِ من النوع الذي سيفعل ذلك على أيّ حال حتى أن طلبتُ منكِ ألّا تفعليه. لذا من الأفضل لي أن أبقى بجانبكِ وأراقبكِ.”
ظننتُ أنه كان يمزح عندما عرض عليّ مساعدتي في العثور على والدي من قبل، لكن بدا أنه كان صادقًا.
“لكن … في الوقت الحالي، ربما من الأفضل تأجيل رحلة بولن قليلًا. ستكون موسن صاخبة.”
فاجأتني كلماته التالية مجددًا. خطرت ببالي فكرةٌ غير سارّة.
“… هل مات شخصٌ آخر؟”
إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون الوقت قد حان للاشتباه في قاتلٍ متسلسل.
بينما عضضتُ على شفتيّ بتوتر، هزّ يوهانس رأسه.
“لحسن الحظ، ليس أمرًا خطيرًا.”
“حقًا؟”
“ستُقام حفلاتٌ عندما يصبح الطقس أكثر دفئًا. ربما كثيرًا … إنه أمرٌ شبه حتمي.”
“… حفلات؟ هنا؟”
هذه مشكلة.
عادةً، سيدة المنزل هي مَن تستضيف مثل هذه المناسبات، لكنني لم أكن أعرف شيئًا عن هذا النوع من المسؤولية.
بينما كنتُ غارقةً في أفكاري، أخرج يوهانس دعوةً من جيبه.
“في قلعة هايبنشتاين شرق موسن. إنها مُلكيةٍ مَلَكية، وإدوارد ويندسور مَن يقيم فيها.”
“… آه.”
سمعتُ ذلك في مكانٍ ما. أو ربما قرأتُه في مجلةٍ أسبوعية.
كان الأمير إدوارد معروفًا بحبّه للحفلات الراقصة والمآدب، ويُقال إنه كان يستضيفها ثلاث أو أربع مرّاتٍ أسبوعيًا.
ويُقال إن حدائق قلعة بافرين جميلةٌ لدرجة أن حتى المبعوثين الأجانب كانوا يرغبون في زيارتها.
عندما قبلتُ الدعوة، أضاف يوهانس.
“بما أنه مُكلَّفٌ رسميًا بالعمل في موسن، فمن المُحتمل أن يكون هناك المزيد من هذه التجمّعات هنا.”
كان لقاء إدوارد ويندسور مزعجًا. سألتُ بصوتٍ خافتٍ، وأنا أُراقب تعبير وجه يوهانس.
“أظن أن الرفض ليس خيارًا، أليس كذلك؟”
“للأسف، لا.”
بصراحة، لم أتوقّع حقًا أن يكون لديّ خيار. لو كان لديّ خيار، لكان يوهانس قد سألني أن وددتُ الحضور أم لا.
لسببٍ ما، شعرتُ بخفقانٍ في رأسي.
تنهّدتُ وأمسكتُ رأسي، فنهض يوهانس من مقعده بسرعةٍ واقترب مني.
“هل أنتِ بخير؟”
سمعتُ قلقًا عميقًا في صوته، ثم امتدّت إليّ يدٌ كبيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 47"