الحلقة 8
‘……لا يمكنني قول ذلك.’
“فقط خطرت لي هذه الفكرة. لكن كما قال ديكير، أظن أنّه من الأفضل التفكير بوجود شرير خفي في مكانٍ ما داخل القصر. لا أريد أن أشكّ في أصدقائي.”
“صحيح. في مثل هذه الأوقات، يجب أن نثق بمن هم قريبون منا.”
ثم فجأةً اكتست عينا ديكير بنظرةٍ جادّة.
“لهذا أقول، هاينا. لديّ ما أريد قوله لكِ.”
ما الذي أصابه فجأة؟
الشخص الذي كان يبتسم ابتسامةً مشرقة قبل لحظات أمسك بثقل الحديث فجأة، فتوتّرتُ دون أن أشعر.
“ما هو……؟”
“في الحقيقة…….”
تردّد في آخر كلامه وأطال الصمت.
أكان ذلك بسبب التوتر؟ بدت ثانيةٌ واحدة وكأنها دقيقة كاملة. كنتُ أبتلع ريقي الجاف وأنا أحدّق في شفتيه فقط.
وبعد تردّدٍ طويل، انحنى ديكير فجأةً برأسه.
“سأبدأ بالاعتذار أولًا. أنا آسف، آنسة هاينا.”
تفاجأتُ من حديثه المفاجئ بصيغة الاحترام، لكنني تظاهرتُ بعدم الاكتراث واستمررتُ في الاستماع.
“قولُ إنني كنتُ أعرف آنسة هاينا منذ الطفولة كان كذبًا.”
“…….”
ما هذا الكلام فجأة؟
لم أتوقّع أن يبوح بالحقيقة بهذه السرعة، بل وأمامِي مباشرةً.
لم أفتح فمي، وانتظرتُ كلماته التالية.
“حينها، بدا أنّ الآنسة هاينا أصبحتْ موضع شكّ بسببي، فكدتُ أرتكب كذبةً لتجاوز الموقف. لا بدّ أنكِ ارتبكتِ كثيرًا بسببي، أليس كذلك؟ أنا آسف حقًا.”
كنتُ أعلم أنّه كذب. فمن الأساس، في الإعداد الذي كتبته لهاينا، لم يكن هناك شخصٌ مثل خطيبٍ عرفها منذ الطفولة. وأنا أيضًا، بعدما أصبحتُ ‘هاينا’، لم أتذكّره.
ولو كان ديكير حقًا وجودًا ثمينًا في طفولة هاينا الوحيدة، كغيثٍ في زمن قحط، لترك أثرًا ولو ضئيلًا في ذاكرتها.
لكن بما أنّه لا يوجد أي ذكر لاسمه، ولا حتى لوجهه، فهذا يعني أنّ ذلك اللقاء في طفولة هاينا لم يكن موجودًا أصلًا.
ومع ذلك، لم أتوقّع أن يعترف ديكير بنفسه بهذا الأمر.
ظهر في ذهني سؤالٌ واحد: ‘لماذا؟’
لو كان هو فعلًا الشرير الخفي، فهل هناك سبب يدفعه لكشف هذه الحقيقة الآن؟
‘لكان من الأسهل عليه أن يُصرّ على إعداد كونه شخصًا عرفني منذ الطفولة، ليختلط بنا بشكلٍ طبيعي.’
رغم امتلاء رأسي بالأسئلة، أجبتُ بهدوء أولًا.
“لا داعي للاعتذار. أنا أيضًا استغليتُ ديكير لأتجاوز الموقف. بل أنا من يجب أن يعتذر.”
“لا، لو لم أكن موجودًا من الأساس، لما أصبحت الآنسة هاينا موضع شكّ…….”
من حاجبيه المنخفضين ونبرته المنكمشة، شعرتُ أنّه يعتذر لي بصدق.
مع أنّ ذلك لا يُفترض أن يكون صحيحًا.
“هذا لأنني حكمتُ على السيّد ديكير على هواي. كما واعتبرتك الشرير الخفي. إنّه ليس خطأك.”
“شكرًا لقولكِ ذلك.”
كانت ابتسامةُ ديكير ودودة إلى درجةٍ يصعب معها تصديق أنّها ابتسامة شخصٍ يحيك مؤامرةً في الخفاء.
“الآنسة هاينا ليست مخطئة. ربما لو كنتُ مكانكِ، لشككتُ بي أيضًا. توقيت انضمامي كان بعد وقتٍ قصير من رؤية رسالة شروط إنهاء اللعبة، أليس كذلك؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“في وضعٍ كهذا، ثم يظهر شخصٌ غريب فجأةً…… من الطبيعي أن يُشكّ به.”
“…….”
“كنتُ أفكّر في كيفية إثبات براءتي، وفجأةً قام زيون باتهام الآنسة هاينا على أنّها الشرير الخفي، ففوجئتُ جدًا. ومع ذلك، وبفضله، تخلّصنا نحن الاثنان من الشكوك، لذا يمكن القول إننا ساعدنا بعضنا.”
أمام نظرتِه الطيبة التي لا يظهر فيها أي أثرٍ للخبث، وخزني ضميري مرارًا.
‘كنتُ أشكّ في ديكير طوال الوقت…….’
لو لم يكن ديكير فعلًا هو الشرير الخفي، فهذا يعني أنّه وثق بي وساعدني بلا سبب، رغم شكوكي فيه.
حتى لو تركني أُتَّهم بكوني الشرير الخفي، لما لحق به أي ضرر.
“شكرًا لك، ديكير.”
للمرة الأولى، قدّمتُ له شكرًا نابعًا من قلبي.
“لا شكر على واجب. آه، لكنّ الأمر محيّر قليلًا. سنضطر إلى التظاهر بأننا مقرّبان أمام الناس باستمرار…….”
تجعّد ما بين حاجبي ديكير بعمق.
“ألن يكون ذلك مزعجًا للآنسة هاينا؟ ماذا نفعل؟ لو كشفنا الحقيقة الآن فسنثير الشكوك حولنا نحن الاثنين…….”
كان تعبيره وهو يفكّر بجدّية فيما سنفعله لاحقًا مضحكًا على نحوٍ لا بأس به.
‘غريب.’
كلما تبادلتُ الحديث مع ديكير، كانت قناعتي بكونه الشرير الخفي تتلاشى شيئًا فشيئًا.
في الحقيقة، أليس من الممكن أنّه ليس الشرير الخفي حقًا، وأنّ هناك شريرًا خفيًا مختبئًا في مكانٍ ما داخل هذا القصر، كما قال؟
بعد تفكيرٍ قصير، اتخذتُ قراري.
‘نعم. لنجرب أن نثق بديكير.’
حتى لو كان شخصيةً جديدة لم تظهر قط في <قصر الذكريات الضائعة>.
فمن يدري؟
في هذا الوضع الذي تغيّر فيه نظام اللعبة، بل وحتى القصة نفسها، إلى حدٍّ كبير، فقد يكونُ من المعقول أن تظهر شخصيةٌ لم تكن موجودة في اللعبة الأصلية.
بعد أن حسمتُ أمري، ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
“بما أنّ الأمور وصلت إلى هنا، فلنواصل هذا الإعداد كما هو. لنفترض أننا كنّا قريبين إلى درجة أننا كنا مخطوبين منذ الطفولة.”
“أه، هل هذا مناسب حقًا؟”
“نعم. سيد ديكير، لا، ديكي، أنتَ مرحّبٌ بكَ في أي وقت.”
“شكرًا لكِ، آنسة هاينا. لا، شكرًا، هاينا.”
ما إن تخلّصتُ من الشكّ، حتى شعرتُ بأنّ قلبي أصبح أخفّ بكثير.
[حان وقت الاختيار.]
‘آه، يا إلهي، أفزعتني.’
تفاجأتُ بالرسالة التي ظهرت فجأة أمام عيني، وكدتُ أشعر بأنّ قلبي سقط من مكانه.
‘صحيح… كنتُ الوحيدة التي تلقت مهمة مختلفة.’
كان ديكير يبتسم بارتياح، ولم يبدو أنّ أي رسالة ظهرت أمامه.
‘لا أعرف لماذا أتلقى هذه الرسالة وحدي، لكن عليّ أن أحتفظ بهذا الأمر لنفسي. فلو علم أحد بذلك بلا داعٍ، فقد أُصبح موضع شكٍّ مجددًا.’
[ما هي حقيقة ‘ديكير’؟]
1. شرير خفي.
2. شخص عزيز خُطِبَتِ له منذ الطفولة
3. لا هذا ولا ذاك.
‘وما معنى <لا هذا ولا ذاك>؟’
على أيّ حال، الخياران 1 و2 ليسا صحيحين قطعًا.
إذًا الصحيح هو أنه ليس أيًّا منهما…….
حرّكتُ إصبعي بحذر كي لا يلاحظ ديكير.
‘الخيار 3.’
[تهانينا!]
[لقد أنهيتَ المهمة الأولى.]
دوى في أذني صوت ألعابٍ نارية صاخب. كان ذلك المؤثر الصوتي الذي يظهر عند إنجاز المهمة.
‘يا للحظ. لو لم أتحدث مع ديكير بصراحة، لكنتُ واصلتُ الشكّ فيه على أنّه الشرير الخفي.’
ولو حدث ذلك، لما استطعتُ إنهاء المهمة أيضًا.
وما إن حصلتُ على مكافأة إتمام المهمة، حتى ظهرت مهمة جديدة فورًا.
[مهمة] اقتحم غرفة الذكريات دون أن تُكشَف هويتك.
(المكافأة) الاسترجاع
الاسترجاع.
باستخدام هذا العنصر، يمكنك التراجع مرةً واحدة إذا اخترتَ خيار حوارٍ خاطئ. كانت هذه مكافأةً بالغة الأهمية لا يمكنني التفريط بها أبدًا.
لكن لم يكن لديّ متّسع من الوقت للاهتمام بالمكافأة.
‘……ألاَّ تُكشَف هويتي؟’
ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟
***
[أنت ‘البطل’.]
‘البطل؟’
حين تلقّى □□□ الرسالة الأولى، ارتبك.
بطل، فجأةً ومن دون سابق إنذار.
[من الآن فصاعدًا، ستستكشف القصر مع ‘اللاعبين’، وتقودهم حتى يتمكّنوا من الوصول إلى الفصل الأخير من <قصر الذكريات الضائعة>.]
‘قصر الذكريات الضائعة؟ هل يقصدون هذا القصر؟’
بحسب الرسالة، كان هذا القصر هو المكان الذي تُقام فيه اللعبة، والرفاق الذين سيشاركون □□□ هم اللاعبون. أما □□□، فهو البطل الذي يقودهم.
لم يكن □□□ حتى الآن قادرًا على فهم محتوى الرسالة بالكامل، ولا الوضع الذي وجد نفسه فيه. لكن……
‘ممتع.’
لم يكن هذا الوضع سيئًا إلى هذه الدرجة بالنسبة إلى □□□.
فتح عينيه ليجد أنه لا يتذكّر ما كان يفعله قبل قليل، وقد حُبس داخل قصر عائلةٍ مدمّرة. ورسالةٌ غامضة تناديه بـ‘البطل’ وتطالبه بأن يقود ‘اللاعبين’ إلى الفصل الأخير.
وفوق ذلك، يبدو أنّ في هذه اللعبة ‘شريرًا خفيًا’.
‘سيكون العثور عليه ممتعًا.’
كان لدى □□□ بالفعل شخصٌ يشتبه به بوصفه الشرير الخفي.
كان □□□ يتمتع بحدسٍ حاد، وغالبًا ما تصيب شكوكه الهدف. لذلك، لا يمكن لحدسه هذه المرة أن يكون مخطئًا.
ألم يقل إنّ القضاء على الشرير الخفي يسمح بالخروج فورًا؟
‘هذا مملّ.’
إن كانت هذه لعبةً صنعها شخصٌ ما……
‘فبالطبع يجب أن أفوز.’
كان □□□ شديد التعلّق بالفوز. ولم يكن يقبل الهزيمة في أي ظرف.
وبالنسبة لشخصٍ مثله، فإن إنهاء اللعبة في منتصفها دون إتمام الدور الموكَل إليه حتى النهاية يُعدّ هزيمةً بحدّ ذاتها.
ولكي يؤدي دور البطل على أكمل وجه، قرر □□□ أن يتظاهر بعدم معرفة حقيقة الشرير الخفي التي كان واثقًا منها أصلًا.
***
“هاينا!”
لوّحت روز، التي كانت قد وصلت قبلنا، بيدها وهي تبتسم إشراقةً. وبجانبها كان تومي يتذمّر.
“ما هذا؟ كان الطريق متصلًا في النهاية؟ افترقنا إلى فرق بلا داعٍ.”
“لماذا أنتَ كثير التذمّر إلى هذا الحد؟ بما أننا وصلنا جميعًا من دون أن نضلّ الطريق، علينا أن نُعدّ ذلك حظًا جيدًا.”
“لا تعظِيني.”
“كلام الآنسة روز صحيح، سيد تومي. لو تفرّقت الطرق فعلًا، لأصبح الأمر أكثر إزعاجًا، أليس كذلك؟”
“……حسنًا، ليس كلامًا خاطئًا.”
حين وافق تومي بسهولة على كلام زيون، ثارت روز غضبًا. أمّا زيون فلم يحاول تهدئتها، بل اقترب مني.
ثم همس في أذني.
“آنسة هاينا.”
“نعم؟”
“هل سارت الأمور على ما يرام بينكما؟”
كان فمه يرسم تلك الابتسامة اللطيفة المعتادة، لكن عينيه اللتين كانتا تحدّقان بي بثبات لم تبتسما على الإطلاق.
‘وكأن ما بي لا يكفيني، لماذا يتصرف معي هكذا؟’
“ما الذي تقصده بأن تسير الأمور؟ لم يحدث شيء يُذكر.”
أجبته بحدّةٍ غير مقصودة.
“أحقًا؟”
ضاقت عيناه اللتان تشبهان الشمس. وكان في نظرته الموجّهة إليّ بريق شكٍّ واضح.
[(تتجاهله.)]
[“ما الذي بكَ منذ قليل، زيون؟ لقد جرحتَ مشاعري.”]
[“أعلم أنك تشكّ بي. لكن معاملتي بهذه الطريقة من دون أي دليل أمرٌ قاسٍ بعض الشيء، أليس كذلك؟”]
هذه المرة، ظهرت خيارات طبيعية جدًا.
الخيار الثاني مستبعد تمامًا.
وبالنظر إلى شخصية زيون، فالخيار المناسب في هذا الموقف هو 1 أو 3……
‘لو اخترتُ الخيار الصحيح، ألن ترتفع درجة الإعجاب فجأة كما حدث مع روز؟’
لم أكن أرغب كثيرًا في ارتفاع درجة إعجاب زيون.
صحيح أنّني فكّرتُ للحظة في احتمال أن أكون أنا الشرير الخفي.
فمحتوى المهمة، وما أحمله من أشياء، كلّه يبعث على الريبة. لكن……
‘زيون لا يعرف شيئًا.’
لم أكن بحاجة إلى درجة إعجاب من شخصٍ يشكّ بالناس من دون دليل.
لذلك اخترتُ الخيار الذي لن يرفع درجة إعجاب زيون أبدًا.
“ما الذي بك منذ قليل، زيون؟ لقد جرحتَ مشاعري.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"