كان الليل قد استقرّ أخيرًا، لا كعدوٍّ مترصّد، بل كستارٍ رحيم يُخفي ما أنهكه النهار. السماء صافية، والنجوم متناثرة كأنها تراقب بصمتٍ ما يجري على الأرض، دون أن تتدخل.
جلست أيراثيل قرب النار، لا تحدّق في لهبها، بل في الفراغ خلفه. لم تكن أفكارها متشابكة كما كانت من قبل، لكنها كانت ثقيلة، مستقرة في أعماقها كحجارةٍ في قاع نهر.
جلس أولفين على مسافة قريبة، لا يراقبها مباشرة، لكنه لم يغفل عنها لحظة. تعلّم منذ زمن أن القرب الحقيقي لا يحتاج إلى نظراتٍ متواصلة، بل إلى حضورٍ صادق.
قالت فجأة، دون أن تنظر إليه:
“أتعلم ما هو أصعب ما في الأمر؟”
رفع رأسه قليلًا.
“ماذا؟”
“ليس الاسم… ولا القوة… بل أن يعرفك العالم بشيءٍ لم تختَره، ثم ينسى كل ما عداه.”
ساد صمتٌ قصير.
قال بهدوء:
“العالم دائمًا يفعل ذلك.”
ثم أضاف:
“لكن ليس الجميع.”
التفتت إليه أخيرًا.
لم تكن عيناها دامعتين، بل صافيتين على نحوٍ موجع.
“هل ترى فيّ أيراثيل فقط؟”
تأملها طويلًا قبل أن يجيب.
“أراكِ حين تتردّدين قبل القرار.
حين تضعفين ولا تسمحين لأحد أن يرى ذلك.
وحين تختارين رغم الخوف.”
سكت لحظة، ثم قال:
“هذه ليست صفات اسم… بل إنسانة.”
انخفضت كتفاها قليلًا، كأنها أفرغت حملًا لم تكن تدرك ثقله.
“كنت أخشى أن تختفي فولير.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“هي لم تختفِ.
هي التي جعلت أيراثيل ممكنة.”
أعادت نظرها إلى النار.
“وماذا عنك؟
أنت تحمل سرًّا أثقل مما توقعت… ومع ذلك تقف كأن الأمر لا يعنيك.”
قال بصوتٍ منخفض:
“لأنني اعتدت أن أكون ما يحتاجه المكان… لا ما أحتاجه أنا.”
نظرت إليه هذه المرة بتركيز.
“وهل هذا خيارك؟ أم ما فُرض عليك؟”
تردّد.
وللمرة الأولى، بدا عليه شيء من الانكشاف.
“كان مفروضًا… ثم صار اختيارًا.”
لم تسأله المزيد.
أدركت أن بعض الأسئلة تُطرح فقط حين يكون الطرف الآخر مستعدًا للإجابة.
مرّت لحظات طويلة.
ثم قالت:
“أخاف أن أؤذيك يومًا، دون أن أقصد.”
نظر إليها مباشرة.
“وأنا أخاف أن أراكِ تؤذين نفسكِ لأنكِ تحاولين حماية الجميع.”
ساد الصمت مجددًا، لكنه لم يكن ثقيلًا.
قالت أخيرًا:
“إن وصلتُ إلى نقطةٍ لا أرى فيها الطريق…”
قاطعها بلطف:
“سأكون هناك.”
لم يقل لأقودك،
ولا لأمنعك،
بل فقط: هناك.
وذلك كان كافيًا.
في تلك اللحظة، لم تهدأ النار،
ولم يلمع الخاتم،
ولم يتحرّك العالم.
لكن شيئًا أعمق استقرّ.
ليست رابطة قدر،
ولا فرضًا كونيًا،
بل اختيارٌ متبادل بأن لا يواجه أحدهما الظلام وحده.
التعليقات لهذا الفصل " 22"