بل جاءت كوجعٍ بطيء، يبدأ همسًا، ثم يتحوّل إلى ثِقَلٍ لا يمكن تجاهله.
بعد المواجهة في الغابة، لم تجرؤ فولير على استخدام الخاتم مجددًا. لم يكن الخوف هو السبب، بل الإحساس بأن كل مرة تستدعي فيها القوة، يقترب العالم خطوة من انكساره. كانت تسير إلى جوار أولفين في صمتٍ طويل، صمتٍ لم يكن فارغًا، بل ممتلئًا بأسئلة لم تجد طريقها إلى اللسان.
حتى وصلا إلى أطلال معبد نيراث.
كان المعبد مهدّمًا، أعمدته مكسورة، وسقفه منهارًا جزئيًا، لكن شيئًا فيه ظلّ حيًا. الهواء كان مختلفًا، أثقل، كأنه يحمل ذاكرة المكان. توقّفت فولير فجأة، دون أن تنطق بكلمة.
قال أولفين:
“هنا… أليس كذلك؟”
أومأت.
لم تعرف كيف عرفت، لكنها كانت متأكدة:
هنا دُفن الاسم.
دخلت بخطوات بطيئة. كل حجر تحت قدميها كان كأنه يعرفها. كل شقّ في الجدران بدا مألوفًا بشكلٍ مخيف. وفي عمق القاعة المنهارة، كان هناك مذبح حجري قديم، مكسوّ بالرماد.
ما إن اقتربت، حتى اشتعل الخاتم.
لم يكن الضوء عنيفًا هذه المرة، بل عميقًا، ثابتًا، كأنه استيقاظٌ أخير لا رجعة بعده.
قال أولفين بقلق:
“فولير… إن شعرتِ أن الأمر أكثر مما تحتملين—”
قاطعته بهدوء:
“إن لم أحتمله الآن، فسأهلك لاحقًا.”
وضعت يدها على المذبح.
وفي اللحظة التي لامست فيها الحجر، انفتح المكان… لا فيزيائيًا، بل وجوديًا.
لم تعد في المعبد.
كانت في فراغٍ أبيض، بلا أرض ولا سماء، وفي منتصفه وقف ثلاثة أشخاص.
تعرفت عليهم فورًا، رغم أنها لم ترهم من قبل.
إيلمارا…
وأحد شيوخ المجلس القديم…
وكيان ثالث، طويل القامة، ملامحه غير واضحة، لكن حضوره طاغٍ.
قال الكيان بصوتٍ لا يُسمع بالأذن، بل يُحَسّ بالقلب:
“لقد عدتِ، أخيرًا.”
شدّت فولير قبضتها.
“لم أغادر يومًا. أنتم من أخفيتموني.”
تقدّمت إيلمارا خطوة، ودموعها تلمع.
“أخفينا الاسم، لا ابنتي.”
صرخت فولير:
“ولماذا؟!”
ساد الصمت.
ثم قال الشيخ:
“لأن الاسم ليس تعريفًا… بل أمرًا.”
تحرّك الفراغ من حولهم، وتشكّلت صور:
مدن تنهض وتنهار، حروب تُوقف فجأة، سحر يتدفّق ثم ينطفئ.
قال الكيان:
“اسمكِ هو نقطة التوازن. حين يُنطَق، يستجيب الوجود.”
همست فولير:
“إذن… ما هو؟”
نظرت إليها إيلمارا طويلًا، ثم قالت بصوتٍ مكسور، لكنه واضح:
“أيراثيل.”
ارتجّ الفراغ.
لم يكن الاسم مجرد صوت. كان حدثًا.
شعرت فولير وكأن شيئًا في صدرها انفتح، لا ألمًا، بل اتساعًا. الاسم استقرّ فيها كما لو كان ينتظر منذ ولادتها.
“أيراثيل…”
“ميزان العوالم.”
“التي إن مالت… مال كل شيء.”
قال الشيخ:
“حين وُلدتِ، اختلّ التوازن. لم يكن العالم مستعدًا، ولا نحن. فقرّرنا دفن الاسم، وربطكِ بخاتم يكبح النداء.”
سألت بصوتٍ خافت:
“وماذا لو رفضت؟”
أجاب الكيان:
“لا يمكنكِ رفض ما أنتِ عليه. لكن يمكنكِ اختيار كيف تكونين.”
في تلك اللحظة، شعرت فولير—أيراثيل—بشيءٍ ينكسر. لم يكن قيدًا، بل وهمًا. أدركت أن الاسم لم يُفرض عليها… بل حُفظ لها.
تلاشى المشهد فجأة.
عادت إلى المعبد، تسقط على ركبتيها. أسرع أولفين إليها، أمسك بها.
“ما الذي رأيتِ؟”
رفعت رأسها ببطء. عيناها لم تعودا كما كانتا. لم تلمعان بالقوة، بل بالفهم.
قالت:
“اسمي الحقيقي… أيراثيل.”
تردّد الاسم في أرجاء المعبد، رغم أنها لم ترفعه صوتًا.
شعر أولفين بقشعريرة.
“وماذا يعني؟”
نظرت إليه نظرة طويلة، صادقة:
“يعني أنني إن اخترت الصمت… ينهار العالم ببطء.
وإن اخترت التدخّل… سأكون هدف الجميع.”
سكت، ثم قال بحزم:
“إذًا لن تختاري وحدك.”
في تلك اللحظة، ارتجّت الأرض.
من بعيد، صدر صوتٌ عميق، قديم، كأنه ضحكة مكبوتة منذ قرون.
التعليقات لهذا الفصل " 19"