لم يكن الطريق الذي سلكاه واضح المعالم، وكأن الغابة نفسها تعمّدت إخفاءه. الأشجار العالية انحنت أغصانها، متشابكة كأصابع تتآمر، والهواء صار أثقل كلما تقدّما خطوة. لم تعد هذه مجرد غابة؛ لقد تحوّلت إلى حدٍّ فاصل بين ما كانت عليه فولير، وما ستصبحه.
كانت تسير بصمت، عباءتها تلامس الأرض الرطبة، وعقلها يضجّ بصدى الكلمات التي سمعتها. وريثة الميزان. لم تكن العبارة سهلة الفهم، لكنها كانت ثقيلة بما يكفي لتغيّر نظرتها لكل ما مرّت به.
قطع الصمت صوت أولفين:
“منذ أن استعاد الخاتم نوره… أشعر أن شيئًا ما يتحرّك خلفنا.”
لم تلتفت فورًا، لكنها شدّت قبضتها.
“ليس شيئًا واحدًا. إنهم كُثر.”
توقّفا.
في تلك اللحظة، خفَتَ صوت الغابة. لا حفيف أوراق، لا صدى خطوات. حتى الريح بدت وكأنها اختفت احترامًا لما هو قادم.
ثم…
ظهروا.
خرجوا من بين الأشجار بلا صوت، كأن الظلال أنجبتهم. ستة أشخاص، يرتدون عباءات رمادية، ووجوههم مخفيّة خلف أقنعة تحمل الرمز ذاته الذي طارد فولير منذ بداية رحلتها.
همس أولفين:
“حرّاس المجلس المنفي.”
شدّت فولير أنفاسها.
كانت قد سمعت عنهم في الأساطير، رجال ونساء أقسموا على إبقاء ميزان العالم ثابتًا… ولو على حساب الأرواح.
تقدّم أحدهم خطوة، وصوته بارد كالحجر:
“الاسم استيقظ.”
لم تنكر.
“لم أُرد إيقاظه. لكنه كان جزءًا مني.”
ردّ آخر بسخرية خافتة:
“وهذا بالضبط سبب وجوب إنهائك.”
تحرّكوا في لحظة واحدة.
لم يكن الهجوم عشوائيًا. كانوا يعرفون ما يفعلون. دوائر سحرية أُغلقت حول المكان، تمنع الهروب، وتكبح تدفّق الطاقة. شعر أولفين بالضغط فورًا، كأن قوة خفية تحاول خنقه من الداخل.
“إنهم يعطّلون السحر الحر!”
صرخ وهو يسحب سيفه.
لكن فولير… لم تتحرّك.
وقفت في المنتصف، الخاتم يلمع بقوة غير مسبوقة. لم تكن خائفة. لأول مرة، لم يكن الخوف هو المسيطر.
قالت بصوتٍ واضح، ثابت:
“أنتم لا تحمون العالم. أنتم تخافون منه.”
انفجر الضوء من حولها.
لم يكن انفجار تدمير، بل إعادة ترتيب. تكسّرت الدوائر، تراجع اثنان من الحرّاس، وسقط أحدهم على ركبتيه، كأنه فقد توازنه الداخلي.
نظر أولفين إليها بدهشة.
“فولير… ماذا تفعلين؟”
أجابت دون أن تنظر إليه:
“أُعيد الميزان إلى وضعي الطبيعي.”
لكن القوة لم تمرّ بلا ثمن.
ركعَت فجأة، والضوء خفت. سال خطٌ رفيع من الدم من زاوية فمها. أدرك أولفين في تلك اللحظة الحقيقة المرعبة:
قوتها لا تدمّرها… لكنها تستنزفها.
اندفع نحوها، وقف أمامها، وسيفه مرفوع.
“اقتربوا خطوة أخرى… وسأجعلها الأخيرة.”
تردّد الحرّاس.
لم يكن أولفين جزءًا من حساباتهم.
قال قائدهم:
“أنت لست من نبوءتنا.”
ابتسم أولفين ببرود:
“ولا أنتم من قدري.”
اندلع القتال.
لم يكن قتالًا طويلًا، لكنه كان عنيفًا. تحرّك أولفين بسرعة لا تناسب جسده، كأن القوة التي استيقظت داخله لم تعد تنتظر أوامره. ومع كل ضربة، كانت الأرض تهتز قليلًا.
وفي لحظة فاصلة، صرخ أحد الحرّاس:
“إن استمرّت… سيتداعى التوازن!”
صرخت فولير:
“إذًا توقفوا عن دفعه!”
ساد صمتٌ مفاجئ.
انسحب الحرّاس، لا هزيمة ولا نصر، بل إنذار.
قال قائدهم قبل أن يختفي:
“إن استيقظ الاسم كاملًا… لن نكون نحن أعداءكِ فقط.”
ثم تلاشى الجميع.
سقطت فولير أرضًا، منهكة. أمسكها أولفين بسرعة، جلس بها مستندًا إلى جذع شجرة.
“لا تفعلي هذا بنفسك مرة أخرى.”
نظرت إليه، ابتسامة ضعيفة على شفتيها.
“لا أستطيع الهرب مما أنا عليه.”
سكت لحظة، ثم قال بصوتٍ خافت:
“إذًا سنتعلّم كيف نواجهه معًا.”
رفعت رأسها نحوه.
وفي تلك اللحظة، شعرت بشيءٍ جديد… ليس قوة، بل طمأنينة.
لكن بعيدًا، خلف حدود الغابة، كان هناك من شعر بما حدث.
التعليقات لهذا الفصل " 18"