في أقصى شمال القارة، حيث تقوم مدينة إيرفال البيضاء، كانت القلعة الكبرى تعجّ بالضوء والنار. لم تكن نار حرب، بل نار طقوسٍ قديمة، نار تُشعل فقط حين يولد خطر… أو معجزة.
في تلك الليلة، كانت السماء حمراء، والنجوم خافتة، وكأن العالم نفسه يحبس أنفاسه.
داخل القاعة الدائرية، وُضعت رضيعة بين أذرع امرأةٍ شاحبة الوجه، ذات شعرٍ داكن وعينين بنفسجيتين تشبهان عيني الطفلة حدّ التطابق.
قال أحد الشيوخ بصوتٍ مرتجف:
“لقد تأكدنا… الدم استيقظ.”
ساد الاضطراب، وارتفعت الهمسات.
“هذا مستحيل.”
“لقد انقرض نسلها منذ قرون!”
“إنها الوريثة…”
شدّت المرأة الطفلة إلى صدرها بقوة، وكأنها تحاول حمايتها من الكلمات قبل السيوف.
“إنها ابنتي، ولن أسمح لكم بتحويلها إلى أداة.”
تقدّم شيخٌ آخر، أكثر صرامة:
“أنتِ تعلمين ما يعنيه هذا، يا إيلمارا. إن عُرفت حقيقتها، ستُقتل قبل أن تنطق اسمها.”
في تلك اللحظة، بكت الطفلة.
وكان بكاؤها… مختلفًا.
تشقّق أحد الأعمدة الحجرية.
انطفأت المشاعل للحظة.
وساد صمتٌ مرعب.
همس أحدهم:
“السحر يستجيب لها…”
القرار
في تلك الليلة، اتُّخذ القرار الذي سيغيّر مصير الجميع.
قالت إيلمارا، وصوتها مكسور لكنه حازم:
“إن كان قدرها أن تحمل هذا الإرث، فليكن حين تختار هي، لا حين تُجبر.”
اقتربت من المذبح، وأخرجت خاتمًا قديمًا، محفورًا برمزٍ لا يُنطق.
“سنغلق الدم… سنخفي الاسم.”
اعترض البعض، خاف البعض، لكن الوقت لم يكن في صالحهم.
بدأت الطقوس.
دُوّنت تعاويذ النسيان.
أُحرِق الاسم الحقيقي من السجلات.
وارتبط الخاتم بروح الطفلة، لا ليمنحها القوة… بل ليكبتها.
وقبل أن يكتمل الطقس، اقتحمت القاعة قوات الظل.
صرخ أحد الحراس:
“لقد وجدونا!”
تحوّل المكان إلى فوضى. نار، صرخات، وسيوف.
احتضنت إيلمارا طفلتها، وهمست لها والدموع تنهمر:
“سامحيني… سيأخذون اسمي، وذكرياتي، لكنهم لن يأخذوا مستقبلك.”
ثم سلّمت الطفلة إلى امرأةٍ أخرى، شابة، ملامحها بسيطة لكن عينيها قويتان.
التعليقات لهذا الفصل " 17"