كان الليل ينسدل على العالم ببطءٍ ثقيل، كأن السماء تتعمّد إطالة لحظة الصمت قبل العاصفة. القمر نصفُ مكتمل، يسكب ضوءه الشاحب على أطراف غابة إيلفار، تلك الغابة التي لم تطأها الأقدام منذ قرون إلا من كُتب لهم أن يعرفوا الحقيقة… أو أن يهلكوا قبل بلوغها.
وقفت فولير عند حافة الأشجار، ثابتة الجسد، مضطربة الروح. كانت الرياح تعبث بطرف عباءتها الداكنة، بينما عيناها البنفسجيتان تتأملان الظلال المتشابكة أمامها، ظلالاً بدت كأنها تتحرك بوعيٍ خاص، لا كأشجار جامدة.
لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها بالخوف، لكنها المرة الأولى التي شعرت فيها بأن الخوف يعرف اسمها.
خلفها بخطوتين، وقف أولفين، صامتاً، يراقب المكان بعينين حادتين اعتادتا قراءة الخطر قبل وقوعه. كان جسده متأهباً، وطاقته السحرية تدور في داخله كدوّامةٍ غير مرئية. منذ خروجهما من بوابة أركان، وهو يشعر بأن السحر من حولهما يراقبهما… يختبرهما.
قال بصوتٍ خفيض، كأنه يخشى أن يسمعه المكان نفسه:
“هذه الغابة ليست كما تبدو. السحر هنا قديم… وأقدم مما واجهناه من قبل.”
أومأت فولير ببطء، دون أن تلتفت إليه.
“أشعر بذلك. كأن الأرض تتنفس تحت قدمي.”
وفي تلك اللحظة، وقبل أن يخطوا خطوة واحدة إلى الأمام، اهتزّ الخاتم في إصبع فولير اهتزازاً عنيفاً، حتى شعرت بوخزٍ حارقٍ امتدّ إلى ذراعها.
شهقت، وتراجعت نصف خطوة.
“أولفين!”
لم يحتج إلى تفسير. رأى الضوء البنفسجي الخافت ينبعث من الخاتم، ملتفّاً حول يدها كضبابٍ حيّ. مدّ يده فوراً، وأمسك بمعصمها، محاولاً تهدئة اندفاع الطاقة.
“الخاتم يستجيب للمكان… أو لشيءٍ فيه.”
قبل أن يكمل جملته، انشقّ الظلام أمامهما، لا بانفجارٍ أو ضوء، بل بانسحابٍ بطيء للظلال، كأنها تُفسح الطريق لشيءٍ كان ينتظر منذ زمنٍ طويل.
ظهر كيانٌ غير مكتمل الملامح، جسده شفاف كالدخان، وعيناه نقطتان من نورٍ أبيض ثابت. لم يكن شبحاً، ولا روحاً، بل شيئاً بينهما… شيء يحمل وقار العصور.
دوّى صوته في المكان، لا من فمه، بل من كل اتجاه:
“مرحباً بكِ يا وريثة الدم المنسي.”
تجمّدت فولير في مكانها.
“من… من أنت؟”
“أنا الحارس الأخير لما أُخفي، والشاهد على ما مُحي من الذاكرة.”
شدّ أولفين قبضته، وتقدّم خطوة أمام فولير دون أن يشعر.
“تكلّم بوضوح. ما الذي تريده منها؟”
التفت الكيان إليه، وكأن وجوده لم يكن متوقَّعاً.
“وأنت… حامل القوة المستيقظة قبل أوانها. مصائركما متشابكة أكثر مما تظنّان.”
ساد الصمت، ثم قال الكيان:
“يا فولير، لقد وصلتِ إلى مفترق الطرق. ما تحمله دماؤك ليس لعنة، ولا نعمة… بل اختيار.”
رفعت رأسها، وقلبها يخفق بعنف.
“أي اختيار؟”
امتدّ نورٌ خافت من الكيان، ليرسم في الهواء رمزاً قديماً، الرمز ذاته المنقوش على الخاتم، وعلى جدران المعبد الذي انهار في الجزء الماضي.
“إما أن تتابعي طريقكِ بما قيل لكِ، وتبقي الحقيقة نائمة…
أو أن تفتحي الباب، وتستعيدي ما سُلب منكِ منذ ولادتك.”
التفتت فولير إلى أولفين. التقت عيونهما للحظةٍ طويلة. لم يتكلم، لكنه أومأ برأسه ببطء، نظرةٌ واحدة كانت كافية لتقول: لستِوحدك.
قالت بصوتٍ ثابت، رغم ارتجاف قلبها:
“أريد الحقيقة.”
ما إن نطقت الكلمة، حتى انفجر الضوء.
لم يكن انفجاراً مؤلماً، بل اندفاعاً من الذكريات، اجتاح عقلها وروحها معاً.
رأت نفسها…
طفلة صغيرة، ليست في القرية التي تربّت فيها، بل في قاعةٍ عظيمة، جدرانها من حجرٍ أبيض، والنار تحيط بها من كل جانب. سمعت صراخاً، تعاويذ، وامرأةً تضمّها إلى صدرها وتهمس:
“سامحيني… هذا السبيل الوحيد لإنقاذك.”
رأت الخاتم يُلبس في إصبعها، ورمزاً يُمحى، واسماً يُدفن.
ثم سمعت صوتاً آخر، عميقاً، مهيباً:
“اسمكِ الحقيقي ليس فولير.”
انقطعت الرؤيا فجأة.
سقطت فولير على ركبتيها، يلهث صدرها، وعيناها متسعتان بصدمةٍ لم تعرف لها مثيلاً. أسرع أولفين إليها، أمسك بها قبل أن تسقط أرضاً تماماً.
“فولير! انظري إليّ، أنتِ هنا… انتهى.”
تنفّست بصعوبة، ثم همست:
“كل ما قيل لي عن نفسي… كان ناقصاً. حياتي… ليست كما ظننت.”
ساد صمتٌ ثقيل. اختفى الكيان كما ظهر، لكن كلماته بقيت عالقة في الهواء.
وقف أولفين، ونظر إلى الغابة، ثم عاد ببصره إليها.
“واضح أن من أخفى الحقيقة، لن يقف متفرجاً بعد الآن.”
وفي أعماق الغابة، بعيداً عن أعينهما، تحرّكت ظلال أخرى.
التعليقات لهذا الفصل " 16"