“أنت!”
كان قاطع الطريق ذاك، أو صيّاد الوحوش، الذي كان قد اختفى، يقف أمامي الآن سليمًا معافى.
يبدو أنّه قد استغلّ الوقت لتنظيف نفسه، فلم يكن يرتدي ملابسه الممزّقة والمُتّسخة، بل سروالًا جلديًّا نظيفًا وقميصًا فوقه.
ومن الواضح أنّه اغتسل أيضًا، فقد كانت خصلات شعره الأماميّة المُمشّطة للخلف مبلّلةً قليلًا وتتدلّى على جبهته.
‘لقد تلطّختُ بالوحل وأنا أبحث عن البضائع المُختلَسة المتبقّية.’
ومع ذلك، كان وجهه، الذي خلت منه آثار السخام والطين، مُشرقًا لدرجة أنّني شعرتُ بالإعجاب.
حوّلتُ بصري الذي كان ينجذب دون وعيٍ إلى وجه الرجل، وبحثتُ عن بيث.
“الخادمة هناك.”
اتبّعتُ إشارة ذقن الرجل، فرأيتُ بيث التي كانت تتحدّث مع مَن بدا أنّه كبير خدم قصر الدوق، وقد توقّفت عن اللحاق بي في الخلف.
“نحن قادمون من العاصمة. المرسوم الإمبراطوريّ للملك…… المرسوم موجودٌ هنا في مكانٍ ما. لا، أنا حقًّا لا أكذب.”
كانت بيث تبحث بعجلةٍ في حقيبتها اليدويّة وهي تقول ذلك.
نظر رئيس الخدم إلى بيث، ثمّ أدار عينيه بقلقٍ إليّ وإلى الرجل.
‘يا ليتني لم أُحمّلها العبء.’
شعرتُ بالأسف لأنّها كانت خادمتي الوحيدة، فاضطرّت للقيام بدور مساعدتي الشخصيّة أيضًا.
على أيّة حال، اطمئننتُ بعد التأكّد من مكان بيث، وحوّلتُ نظري إلى الرجل مرّةً أخرى.
“أنت……”
“أنا صيّاد وحوشٍ تابعٌ لقصر الدوق.”
“آه.”
“ذهبتُ عبر ممرّ الخدم قبل قليلٍ.”
كنتُ على وشك أن أسأل لماذا هو هنا ولماذا اختفى من قبل.
ولكن بعد أن أجاب على كلّ شيءٍ مُسبقًا، لم أجد ما أقوله.
رفع الرجل حاجبيه، وكأنّه يجد دخولي إلى هنا أمرًا غير متوقّعٍ.
“اعتقدتُ أنّكِ لن تتمكّني من الدخول.”
“كنتَ تعرف ذلك وتركتني؟”
“نعم.”
“يا للأسف حقًّا.”
“ليس لديّ واجبٌ يقضي بإدخال شخصٍ غريبٍ عبر ممرّ الخدم.”
نظر الرجل إلى يدي التي كانت تُشير إليه بازدراءٍ.
“……”
كانت تحت أظافر يدي، التي استخدمتُها للحفر وإخراج براميل الفلين المدفونة، بعض الأوساخ.
كنتُ على وشك طيّ أصابعي خجلًا.
“……هل أُصبتِ؟”
أمسك الرجل بأصابعي التي كنتُ أحاول طيّها. حدث ذلك بسرعةٍ خاطفة.
“آه.”
فُردت أصابعي المُمسَكة فجأةً، وأصبحت أسيرةً في يده الكبيرة.
إنّه رجلٌ اعتاد على الإمساك بأيدي الناس بشكلٍ قهريّ.
لو رأته بيث، لكانت أسرعت نحوه، وهي تهتف بأنّه منحرفٌ بلا خجل.
“هنا جرحٌ.”
لكن عندما سمعتُ كلماته، شعرتُ أنّ نيّته كانت القلق الصادق، فكان من المحرج سحب يدي.
كان يُشير إلى إصاباتٍ أُصبتُ بها أثناء التدريب في كتيبة الفرسان.
“وهي كبيرةٌ جدًّا.”
“ليست كبيرةً جدًّا.”
“إنّها كبيرةٌ من حيث أنّها ليست إصاباتٍ عاديّةً تُصاب بها آنسة.”
“لقد رأيتَ بالفعل أنّني لستُ آنسةً عاديّةً.”
زمّ الرجل شفتيه وكأنّه لم يسمع كلماتي.
ثمّ سمعتُ منه شيئًا مدهشًا:
“كيف حفرتِ الأرض بيدين كهاتين؟”
“كهاتين؟”
“إنّهما صغيرتان.”
“هاتان اليدان الصغيرتان نجحتا في نقل البراميل جيّدًا، على ما أذكر.”
شعرتُ بشعورٍ غريبٍ لكوني أُعامَل فجأةً على أنّني كائنٌ ضعيفٌ.
ظلّ الرجل يعبث بيدي بوجهٍ عبوسٍ.
“بالإضافة إلى أنّهما ناعمتان.”
“أظنّ أنّ يدك أنعم.”
لم يكن قولي هذا اعتباطًا.
كانت يد الرجل خاليةً من القفّاز، على عكس ما كانت عليه سابقًا.
كانت يده ناعمةً بشكلٍ غير متوقّعٍ، كأنّها يد شخصٍ يعتني بها.
كان ملمس راحة يده الناعمة جدًّا مزعجًا ويدغدغ. في الواقع، كانت يدي، التي تدربتُ بها في كتيبة الفرسان، أكثر خشونةً.
تدفّق إحساسٌ غامضٌ وخفيفٌ بين راحتينا.
بسبب هذا الشعور الغريب، انزلق السؤال منّي تلقائيًّا.
“هل تعتني بها بالزيوت المعطّرة؟”
“نعم.”
“أشعر وكأنّني ألمس جلد ثعبان.”
في اللحظة التي قلتُ فيها ذلك، انزلقت أصابع الرجل والتفّت حول أصابعي.
عندما تلامست الأيدي العارية، أصبح الإحساس الشبيه بالزيت بين الجلد الناعم أكثر وضوحًا.
“أوه.”
تنهّدتُ باقتضابٍ وسحبتُ يدي.
ظلّ الرجل بوجهٍ مصدومٍ لبعض الوقت، ثمّ تذكّر ما كان يريد قوله، وتكلّم:
“على أيّة حال، الجرح……”
“هذا الجرح لم أُصَبْ به هنا، لذا لا تهتمّ.”
“هل يمكن لآنسة نبيلة أن تُصاب بجروحٍ كهذه في مكانٍ آخر؟”
“لقد عشتُ بهذه الطريقة نوعًا ما.”
“بهذه الطريقة؟”
“نعم. بعيشةٍ صعبةٍ.”
ظلّت نظراته تلاحق يدي بإلحاح.
لم أكن أهتمّ بالجروح التي على يدي كثيرًا، لكنّ قلقه جعلني أهتمّ بها أيضًا.
نظّفتُ حلقي على نحوٍ غير ضروريٍّ، وأجبتُ:
“أليس لديك ما تفعله؟ اذهب وساعد الجنود.”
“لماذا أساعد هؤلاء الناس؟”
“سيكونون مشغولين. بسبب البحث عن الاختلاس.”
“……”
“بما أنّك أيضًا من خدم قصر الدوق، يمكنك المساعدة قليلًا، أليس كذلك؟”
شعرتُ بالإحراج قليلًا بعد أن قلتُ أيّ شيءٍ على عجلٍ، فقط لأتخلّص من الرجل.
في تلك اللحظة، حدّق الرجل في عينيّ كأنّه يريد أن يقرأ أفكاري.
“بالحديث عن ذلك.”
“ماذا؟”
“كيف عرفتِ أنّ هناك اختلاسًا يحدث؟”
“آه.”
هل كان هذا هو السبب في أنّه اقترب منّي في المقام الأوّل؟
‘كان عليه أن يقول ذلك.’
بما أنّها لم تكن سرًّا عظيمًا، أجبتُ بصراحةٍ:
“بسبب اللوز المحمّص.”
“اللوز المحمّص؟”
بصراحةٍ، كان بسبب رائحة اللوز المحمّص الممزوجة بالقطران.
“يبدو أنّ الخبر لم يصل إلى هنا بعد.”
“الخبر.”
“المُخدّرات الممنوعة التي انتشرت في العاصمة مؤخّرًا كانت لها هذه الرائحة تحديدًا.”
“في العاصمة؟”
“لقد سبّبت فوضى عارمةً لبعض الوقت.”
في ربيع هذا العام.
جلبت كتيبة الفرسان، التي كانت مُرابطةً في الشرق، أوراق التبغ إلى العاصمة.
كانت المشكلة أنّ شخصًا ما اكتشف أنّ أوراق التبغ هذه تحتوي على مكوّناتٍ هلوسيةٍ خفيفةٍ، ورأى أنّها قد تدرّ مالًا.
خلط هذا الشخص اللوز المحمّص ومكوّناتٍ هلوسيةٍ أخرى مع التبغ، وأضاف إليه رائحةً شهيّةً، وحوّله إلى مُخدّرٍ ممتاز.
كان تأثيره مذهلًا.
ارتكب المدمنون، الذين غرقوا في الوحل، كلّ أنواع الاختلاس والفساد لشراء التبغ.
‘ولسوء الحظّ، انتشر ذلك إلى كتائب الفرسان الأخرى في الإمبراطورية.’
لم يكن الفرسان المقدّسون استثناءً.
‘ربّما لأنّهم كانوا ممنوعين من شرب الكحول والتدخين عادةً.’
بمجرّد أن تذوّقوا الشيء الممنوع، فقدوا عقولهم تمامًا وأصيبوا بالجنون.
يقولون إنّ فعل شيءٍ ممنوعٍ سرًّا هو أمرٌ مثيرٌ، ويبدو أنّ طعم الانحلال كان حلوًا جدًّا.
لحسن الحظّ، لم يظهر أيّ مدمنٍ في كتيبة الفرسان المقدّسين الثالثة.
‘لأنّني كنتُ سأكسر رأس أيّ شخصٍ يظهر عليه الإدمان بيدي.’
ومع ذلك، كنتُ نائب قائد كتيبة الفرسان.
هذا يعني أنّني كنتُ مُلزَمةً بالذهاب إلى الكتائب الأخرى ومطاردة المدمنين واستجوابهم.
باختصار، بينما كان الآخرون يجنّون بسبب المُخدّرات……
جننتُ أنا بسبب العمل الإضافيّ لعشرة أيّامٍ متواصلة.
‘أين كلّ هؤلاء الأشخاص الذين يجب استجوابهم الآن؟’
‘لماذا تسأل……يا نائب القائد؟’
بالنسبة لي، كنتُ محاطةً برجالٍ يفوح منهم رائحة العرق، ولا يمكنني الاستحمام أو تغيير ملابسي بحرّيةٍ خوفًا من أن ينكشف تنكّري كرجل، كانت ساعاتي السلميّة بعد العمل هي المُخدّر الوحيد الذي سمحت به الدولة.
الوقت الذي يمكنني فيه خلع القماش الذي يشدّ صدري، وارتداء قميص نومٍ، والتمدّد على السرير.
لكنّني حُرِمتُ من ذلك لأنّ الآخرين كانوا يتعاطون المُخدّرات، ففقدتُ صوابي.
‘ما هذا الذي في ساحة التدريب؟’
‘إنّه هدفٌ بشريٌّ عاديّ، أليس كذلك؟’
‘انتظر! تلك رصاصاتٌ حقيقيّةٌ……’
‘نائب القائد إيلين!’
في النهاية، تمّ تخفيض راتبي لاستخدامي أولئك الذين اشتروا وباعوا المُخدّرات كأهداف تدريبيّة بعد تقييدهم.
‘……لا تتركوا إيلين باسكال مسؤول،عن إدارة الناس في المستقبل. هو سيتسبّب في المشاكل بالتأكيد.’
بالتفكير في الأمر الآن، كان قائد الكتيبة الخامسة، الذي قدّرني بهذه الطريقة، يتمتّع ببصيرةٍ جيّدةٍ حقًّا.
‘لقد أثبتُّ كلامه عندما ساعدتُ أميرات العدوّ على الهرب.’
على أيّة حال، بعد ذلك الحادث، تمّ تعييني للبحث عن الإمدادات المُختلَسة بدلًا من الاستجواب.
‘لقد عانيتُ كثيرًا وقتها في البحث عن الأشياء التي اختلسها المدمنون.’
بمجرّد أن شممتُ رائحة التبغ المألوفة هنا، عادت ذكريات تلك الأيّام بشكلٍ واضحٍ.
‘إذا كانت هذه المُخدّرات قد انتشرت إلى هنا.’
فلا بدّ أنّها انتشرت أثناء عمليّة تبادل البضائع مع العاصمة.
والأشخاص الذين وقعوا في فخّ هذا المُخدّر سيرتكبون الاختلاس والفساد باحتمالٍ كبيرٍ……
“بمجرّد أن قيل لي إنّ الإمدادات مفقودةٌ، اعتقدتُ أنّ شخصًا ما خبّأها.”
“همم.”
“من الطبيعيّ أن أفترض أنّهم سرقوا البضائع لكسب المال لشراء المُخدّرات. والمكان الذي يمكنهم إخفاء البضائع فيه في هذه المنطقة واضحٌ.”
عندما بحثتُ بالقرب من الجدار المتصدّع، ظهرت بسرعة.
من المؤكّد أنّها كانت المكان المثاليّ للاختباء، حيث لم يكن أحدٌ يقترب بسبب المخلوقات الشيطانية.
وكانت الأرض سهلة الحفر، على عكس الأراضي الأخرى التي تنمو فيها الأعشاب الضارّة؛ لأنّها كانت قد حُفِرَت مرّةً من قبل.
ابتسم الرجل بتهكّمٍ بعد أن سمع كلّ ما قلته.
“أنتِ حقًّا لستِ آنسةً عاديّةً.”
“قلتُ لك ذلك بالفعل.”
قرّرتُ اعتبارها مُجاملةً وأومأتُ برأسي.
“إذًا، هل أنتِ جاسوسةٌ؟”
……ما هذا الكلام الجديد؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"