‘ألم تكوني تكرهين هذا الرجل وتصفينه بالمنحرف؟’
بالإضافة إلى ذلك، أليست بيث هي من تعلمُ بكل تفاصيلِ عملي كفارسٍ مقدس؟
‘لقد كنتِ تختبئين خلفَ ظهري حين تظهرُ الوحوش!’
أعترفُ أنَّ خطورة اعتلاء الأسطح بزيِّ الفرسان والجزمة العسكرية تختلفُ تماماً عنها بفستانٍ وحذاءٍ ذي كعب، ولكن….
“لقد كان أمراً خطيراً.”
“خطيرٌ جداً حقاً.”
نظرتُ إلى بيث التي غيرت موقفها في لمح البصر لتتفقَ مع كلمات كايل، فحاولتُ جاهدةً تغيير الموضوع:
“…. ليس هذا هو المهم الآن!”
“وإن لم يكن هذا مهماً، فما المهم إذن؟ إنَّ سلامةَ سيدتي….”
“أجل، وبمناسبةِ الحديث عن سلامتي.. أنا جائعة.”
“لا تحاولي مراوغتي!”
في النهاية، وبدلاً من إجابة بيث، وجهتُ نظري نحو كايل؛ فقد قررتُ أنَّ مواجهته أهونُ عليّ.
“على أيِّ حال، أهذا الطعامُ لي حقاً؟”
“بالطبع، إن كنتِ….”
“قلتُ لكَ نادني بإيلين.”
حتى بعد توبيخي له، أيصرُّ على مناداتي بـ “تلك” أو “أنتِ”؟
التقَت عيناي بعينيه، فتردد صدى بلع ريقه في حنجرته قبل أن يفتح فمه، وكأنه يستجمعُ شجاعته لنطقِ اسمِ أحدهم.
“…. بما أنَّ إيلين…. قالت إنها جائعة.”
“….”
“فقد أحضرتُه.”
نطق اسمي بنبرةٍ غريبة بعض الشيء، وكأنه يستكشفُ طعمَ الحروف على لسانه، وبدا وكأنَّ فكرهُ قد شردَ للحظة. لاحظتُ حركةَ لسانه المريبة، فخمنتُ أنه لا بدَّ وأن تذوقَ شيئاً وهو يحضرُ الطعام.
سألتُه متوجسة:
“هل أنتَ متأكدٌ أنه ليس لحمَ غول؟”
“….”
تلاشت نظرةُ الرضا التي كانت تلوحُ في عيني كايل، وحلَّت محلها نظرةُ عتابٍ كأنها تسألني: “هل عشتِ حياتكِ كلها مغدورةً هكذا؟”. شعرتُ بظلمٍ طفيف.
‘من بدأ بالشكِّ فيَّ واتهامي بأنني جاسوسة منذ البداية؟’
لكن لا داعي لنبش الماضي، فقلتُ مبررة:
“لا، سمعتُ فقط أنهم هنا يأكلون الوحوش.”
“ألم أغب عن ناظريكِ خصيصاً كي لا أطعمكِ لحمَ الوحوش؟”
اعتلى وجهَ كايل تعبيرٌ متكبر، يشبهُ تلك التعبيرات التي كان يصطنعها حين كان يقلدُ السيداتِ اللاتي يتعرضن للمضايقات.
“أقدمُ لكِ الوليمة، ومع ذلك ترفضين.”
“….”
“الدوقة….. إيلين، يبدو أنكِ متطلبةٌ وصعبةُ الإرضاء للغاية.”
“….”
“بهذه الصفة، أظنُّ أنكِ ستليقين بـدوقنا تماماً.”
رغم أنَّ كلماتِه كانت تحتملُ المدحَ والذمَّ معاً، إلا أنَّ نظري ظلَّ معلقاً بالطبق الذي يحمله؛ فرغم أنني تذرعتُ بالجوع للمراوغة، إلا أنني كنتُ جائعةً بالفعل.
تحرك كايل بالطبق نحو غرفة الاستقبال، فتحركت قدماي خلفه دون وعي.
“واو.”
توقفتُ مكاني حين رأيتُ ما كُشف عنه الغطاء.
“يا إلهي!”
حتى بيث لم تستطع كبحَ إعجابها. لا أدري من أين خرجت كلُّ هذه الأطباق من تلك السلة الصغيرة؛ فقد كانت طاولةُ الاستقبال تئنُّ تحت وطأةِ أنواعِ الطعام المختلفة.
‘من أين أتى بكل هذا؟x
لم يكن الستيك هو البداية والنهاية؛ ففي وسط الطاولة، استقرَّ حساءٌ تفوحُ منه رائحةُ الجبن الممتزجة بالبطاطس والفطر.
وكانت هناك فطائرُ مغطاةٌ بعجينة ذهبية تفوحُ منها رائحةُ التفاح. وللمقبلات أو ربما للتحلية، وُضع خبزُ “الراي” المغطى بتوتِ العليق ومرشوشٍ بشيءٍ يشبهُ مسحوقَ السكر.
…..بصراحة، كانت هذه المائدةُ باذخةً جداً بالنسبة لمنطقةٍ يُقال إنَّ إمداداتها صعبة، بل ومبالغٌ فيها بالنسبة لصياد وحوشٍ عادي.
‘هل يُعقل أنه سطا على مطبخ قلعة الدوق؟’
بالطبع هذا مستحيل؛ فخدمُ القلعة الذين لا يعترفون بي كدوقة لن يقدموا لي طعاماً كهذا.
‘إذن، أيُّ مكانٍ نهبه؟’
كنتُ مقتنعةً تماماً بأنَّ كايل قد سرق هذا الطعام من مكانٍ ما.
‘بما أنَّ السارق هو كايل، فلا ذنبَ لي.’
أنا الدوقة، وهذا الطعامُ يليقُ بمائدة قلعة الدوق على أيِّ حال، لذا لا بأس بأكله، أليس كذلك؟
بينما كنتُ أحاولُ طردَ تأنيبِ الضمير الضئيل، هزَّ كايل كتفيه، وارتفع طرفُ شفتيه قليلاً، وهو ما كان نذيرَ شؤمٍ كالعادة.
“بما أنَّ ذوقكِ في اختيار اللحم صعبٌ هكذا، ولا تودين الأكل….”
“ومتى قلتُ إنني لا أود؟”
“فلا خيارَ أمامي سوى أن آكله وحدي.”
“….”
ضاقت عيناي تلقائياً.
‘أيهزأ بي حقاً؟’
لا أعرفُ أيَّ شريعةٍ تسمحُ لمن أعدَّ المائدة أن يتراجعَ في كلامه هكذا. وبصفتي “كورية” تؤمنُ بأنَّ الأسيرَ نفسه يجبُ أن يُطعم، فقد شعرتُ بغضبٍ عارم.
نظر إليَّ كايل بتعبيرٍ يقول “هل أريكِ كيف أكونُ أكثر إزعاجاً؟” ثم أضاف:
“إن كنتِ ترغبين حقاً في الأكل..”
“….”
“فقولي: ‘أرجوكَ أعطني’، وتوسلي إليّ.”
“أيها الوغـ..”
وقبل أن أنطق، كانت بيث قد شحنت لسانها بالكلمات اللاذعة، لكنني لم أغفل عن كايل وهو يرفعُ الشوكةَ الموضوعة في زاوية الطبق ويغرزها في قطعةِ اللحم. سقطت قطراتُ العصارة اللامعة من اللحم الناضج الشهي فوق الطبق الأبيض.
فتح كايل فمه قليلاً وكأنه يهمُّ بابتلاعها. برزت أسنانه البيضاء، وتحرك لسانه الأحمر كأنه لسانُ أفعى يتربصُ بفريسته. كان المنظرُ يخطفُ الأبصار، لكنني أشحتُ بنظري عنه وثبته على قطعة اللحم.
‘أنا جائعة.’
ومع ذلك، لم أكن أنوي الرضوخَ لرغبته.
‘رغم أنَّ حدةَ طباعي خفت كثيراً عما مضى….’
ورغم أنني أفتخرُ بنضجي الذي يجعلني لا أمانع التنازلَ للآخرين، إلا أنني لم أرغب في فعلِ ذلك مع كايل تحديداً.
لذا، وفي اللحظة التي قَرَّب فيها الشوكةَ من فمه وكأنه سيلتهمُ اللحم…..
‘فرصة!’
انطلقتُ بسرعةٍ خاطفة لأقلص المسافة بيني وبينه. رأيتُ بؤبؤي عينيه الطوليين يضيقان وهو يحاولُ التراجع، وبدت حركته بطيئةً أمامي كأنها مشهدٌ سينمائي.
‘إلى أين تهرب؟’
قد أتراجعُ أمامه في القوة البدنية، لكن الرماية تعتمدُ على الوقفةِ الراسخة والدقة وسرعة البديهة، وهذا ملعبي.
التقطتُ سكيناً كان مغروزاً في الفطيرة بسرعةٍ وتوجهتُ به نحو قطعةِ اللحم المثبتة في شوكة كايل. تجمد كايل في مكانه وهو يتراجع؛ فلم يكن هناك مكانٌ للهرب في غرفة الاستقبال هذه، خاصةً لرجلٍ ضخم الجثة مثله.
‘رائع.’
وفي اللحظة التالية…..
أطبق كايل قبضته على الشوكة بقوة، وفجأةً سطع ضوءٌ ذهبيٌّ حولها.
‘..أيها اللئيم، أتستخدمُ الهالة هنا؟’
كنتُ قد خمنتُ أنه بمرتبة “سيد سيف”، ويبدو أنني كنتُ محقة. لم يكتفِ بمنعي من أكلِ الشواء في السوق، بل الآن….
‘يستخدمُ الهالة ليمنع سيدة رقيقةً مثلي من تناول الطعام؟’
لو ناداني أحدهم بالرقيقة في وقتٍ آخر لما صمتُّ له، لكن في مواقفَ كهذه، كنتُ أجيدُ تمثيلَ دورِ السيدة الضعيفة.
‘من الواضح أنه ليس مرشحاً لأن يكون البطل.’
نبذتُ شكوكي التي كانت تطلُّ برأسها كلما رأيتُ وسامته.
‘بل وكان مستعداً؟’
يبدو أنه لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها اندفاعي؛ فقد لاحظتُ تضخمَ عضلاتِ ذراعه في لمح البصر. وبمجرد أن رأيته يستحضرُ عضلاته والهالة لصدِّ سكيني، بدأ عقلي يعملُ بسرعةٍ جنونية.
لكن سرعةَ البديهة لا تزالُ منطقتي، أليس كذلك؟
‘حسناً إذن.’
أفلتُّ السكينَ فوراً وارتميتُ بجسدي نحوه دون سلاح.
“….!”
رأيتُ الذهولَ في عيني كايل وهو يراني أندفعُ نحوه بصدرٍ مكشوف، وبمجرد أن سحبَ نصلَ الهالة من الشوكةِ كي لا أُصاب….
“هوب!”
“….”
أمسكتُ بمعصم كايل وجذبته نحوي، ثم قضمتُ اللحم من الشوكة مباشرةً. وبسبب سرعتي، دخل طرفُ إصبعه في فمي مع قطعة اللحم.
‘أوه، طعمه سيء.’
لامس طرفُ لساني طعمَ القفازِ الجلدي المزعج؛ فحتى لو كانت المعداتُ فاخرة، فهي ليست للأكل. ورغم اشمئزازي، سحبتُ قطعةَ اللحم المثبتة في الشوكة وتراجعت، فانفجرت عصارةُ اللحم في فمي.
“همممم.”
تجمد كايل في مكانه منذ اللحظة التي لامس فيها فمي الشوكة. وبينما كنتُ أنفخُ خدّي برضا، سألت بيث بذهول:
“…. هل حدث شيءٌ للتو؟”
“لم يحدث شيءٌ يذكر.”
بالنسبة لشخصٍ عادي لم يتلقَّ تدريباً، كان المشهدُ أسرع من أن تدركه عيناها. وبينما كان كايل لا يزالُ متجمداً، التقطتُ السكين الذي سقط على الطاولة وغرزته في قطعةِ لحمٍ أخرى وقدمتها لبيث.
“تذوقي يا بيث، إنه لذيذ.”
“هاه؟ بالطبع سيكون…. يا إلهي! هذا مذهل!”
“أليس كذلك؟”
“واو! بصراحة، أريدُ قطعةً أخرى.”
يبدو أنَّ الصلصة ذات المذاق الحمضي قد نالت إعجابَ بيث حقاً. وبينما كنتُ أقدمُ لها قطعةً أخرى، ظلَّ كايل ساكناً دون حراك.
ظ…لدرجةٍ أصبحت مقلقة.
‘لا يُعقل أن يغضب من أجلِ هذا فقط؟’
بدأتُ أشعرُ بالقلقِ للحظة، خشيةَ أن أكون قد أغضبتُ الشخص الذي يطعمني، حينها بدأ كايل يتحركُ ببطء، ومدَّ يده نحوي وكأنه ينوي الانتقام.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"