في المرة القادمة التي أرى فيها صاحبَ متجر الشواء، سأحاولُ استدراجه في الكلام…. وبالطبع، سأحصلُ في مقابل ذلك على ما أصبو إليه.
‘لكن، بشرطِ غياب كايل.’
فإخباره بقدرتي على تطهير اللحم يعني بالضرورة كشفَ حقيقة كوني فارساً مقدساً سابقاً. وحين يسألني كيف طهرتُه، لن أجدَ كذبةً مقنعةً أداري بها الأمر.
‘….لا أدري لِمَ، لكنني أشعرُ أنَّ نظرته لي ستزدادُ حدةً وتمرداً لو عرف الحقيقة.’
لم أكن أرغبُ في أن يشحذَ كايل نِصالَ عدائه ضدي أكثر مما يفعل الآن؛ فهو بالكادِ يطيقني بلسانه السليط.
بينما كنتُ أفكرُ في كيفية مراوغة كايل في زيارتي القادمة للسوق.
“لقد وصلنا.”
كما قال كايل، ظهر النزلُ الذي أقيمُ فيه أمام ناظرينا. وعند المدخل….
“يا إلهي، سيدتي!”
رأيتُ بيث وهي تذرعُ المكان ذهاباً وإياباً، وقد كاد القلقُ يقتلها لتأخري.
“….”
بمجرد أن وقعت عيناها على كايل وهو يحملني فوق ظهره، تحول وجهها في لمح البصر إلى ما يشبهُ وجهَ شيطانٍ غاضب.
استنشقت بيث الهواءَ بعمق.
“أيها المنـ..”
تخيلتُ فوراً ما سيحدثُ حين تفرغُ تلك الشحنة من الغضب المختبئة خلف زفيرها؛ فقاطعتُ حديثها نصفُ رغبةٍ مني في اختلاقِ عذرٍ لكايل، ولو بمقدارِ ذرة.
“دعونا ندخلُ أولاً ثم نتحدث.”
“سيدتي!”
‘بما أن حراسته المبالغ فيها هدفها ألا يمسك الإمبراطورُ علينا مأخذاً.’
فليس من العدلِ توبيخه وهو يؤدي عمله. أما النصفُ الآخر من رغبتي فكان….
“الجميعُ ينظرون إلينا.”
رغم أننا كنا نشقُّ الزحام كمعجزةِ انشقاقِ البحر، إلا أنَّ الأعين لم تكن تخطئنا أبداً. كان عبءُ تلك النظرات يقعُ عليَّ وحدي؛ أما كايل الذي لم يكتفِ بحملي، بل كان يحملُ الصبيَّ والسلة والحذاء في يديه، فقد كان يسيرُ بخيلاءٍ كأنه قائدٌ عسكريٌّ عائدٌ بغنائمِ النصر، دون ذرةِ خجل.
‘سيأتي يومٌ…. يتعرفُ فيه أحدهم عليّ حقاً.’
تخيلتُ مشهداً مستقبلياً في احتفالٍ رسمي بالدوقية، حيث أظهرُ بجانب الدوق، والناسُ يتهامسون حولنا: “أليست تلك هي الفتاة التي كانت فوق ظهر ذلك الرجل؟”.
لا، شكراً، لا أريدُ هذا التخيل.
“هيا يا بيث، بسرعة.”
تنهدت بيث بعمق كابحةً شتائمها، ثم فُتح بابُ النزل.
***
“ما الذي جرى بحقِّ خالق السماء!”
بعد فترة وجيزة.
كنتُ أجلسُ على طرف السرير كطفلةٍ أذنبت، وعيناي تزيغانِ في الغرفة. كنتُ قد بدلتُ ثيابي بأخرى مريحة، وانتعلتُ خفاً منزلياً. أما كايل، فقد وضع كل ما كان يحمله فوق السجادة بعناية، وتوجه بحقيبته نحو غرفة الاستقبال الملحقة بالجناح منذ وقتٍ طويل.
تحدثت بيث بنبرةٍ مليئة بالتحسر:
“لماذا سمحتِ لذلك المنحرفِ بأن يحملكِ فوق ظهره؟”
“كعبي انكسر و…..”
“ماذا؟”
“وكان يحملُ أغراضاً كثيرة، فخجلتُ أن أطلبَ منه الذهاب لمتجر الأحذية و…..”
بينما كنتُ أحاولُ جاهدةً شرحَ أنَّ الأمر كان خارجاً عن إرادتي، رمقتني بيث بنظرةِ ذهولٍ لم أرها منذ ذلك اليوم الذي تركتُ فيه شمعةً مشتعلة وكدتُ أتسببُ في حريقٍ لأنني تكاسلتُ عن إطفائها.
“كان عليكِ ببساطة أن تطلبي منه خلعَ حذائه لكِ!”
“هاه؟”
“ذلك الرجلُ يبدو كمن يستطيعُ السيرَ حافياً دون أن يُصاب بخدشٍ واحد في باطن قدمه!”
“لكن، حذاءُ شخصٍ آخر…..”
“إنه خادمٌ وأنتِ دوقة! من الطبيعي أن يتخلى عن حذائه لسيدةٍ هي سيدته!”
..صحيح. لِمَ لم أفكر في هذا؟
“…. سيدتي، لا تقولي لي أنكِ وقعتِ في سحرِ ذلك الفتى؟”
“كلا، بالطبع لا!”
رمقتني بيث بنظرةِ شك، ثم تمتمت بكلماتٍ غير مفهومة وبدأت في ترتيب الأغراض التي تركها كايل.
“….”
وفجأة، لمحت الصبيَّ المُغمى عليه، فاعتلى وجهها تعبيرٌ كأنها رأت جثة.
“كلا، لم أقتله….”
“هل أحضرتِ طفلاً معكِ أيضاً؟”
“في الواقع، كايل هو من كان يحمله.”
“…. هل سمعتِ الناسَ وهم يتهامسون بأن الزوجَ مفرطُ الدلال لا يدعُ زوجته وطفله يلمسان الأرض؟”
ما هذا الهراء؟
حين نطقت بيث بكلمة “زوج”، قطبت حاجبيها بتقززٍ واضح. وبمجرد أن رأت تعبيرَ وجهي المستنكر، أومأت برأسها موافقة:
“بصراحة، أنا أيضاً أكرهُ الفكرة، لكن الأمرَ بدا كذلك للناظرين.”
“…. بدونا كزوجين في نزهةٍ مع طفلهما؟”
“تحديداً، زوجٌ متباهٍ بقوته، يحملُ طفله النائم وزوجته المتعبة وكل متاعهما.”
“….”
….على الأقل لم يكن المنظرُ صبياً فوق ظهري وأنا فوق ظهر كايل.
‘لو حدث ذلك، لبدونا كفرقةِ موسيقيي بريمن….’
ملاحظة : تلك الفرقة ليست فرقة حقيقية في التاريخ، بل هي جزء من قصة خرافية ألمانية مشهورة اسمها «موسيقيّو مدينة بريمن» (Town Musicians of Bremen).
لا أعلمُ أيَّ المشهدين كان سيكونُ أسوأ أمام الناس. أما بيث، فرغم أنها هي من بدأت بهذا الحديث، إلا أنها ظلت تتمتمُ بكلماتِ الاستنكار وهي تنغزُ خدَّ الصبي النائم بأصابعها.
ثم تذكرت شيئاً أكثر أهمية، فنظرت إليّ وسألت:
“ولكن حقاً، من هذا الصبي؟”
“تذكرتِ السؤال أخيراً.”
“على أي حال، من أين أتيتِ به؟”
“إنه ليس مجرد طفل، إنه نشال.”
شرحتُ لها ما حدث باختصار شديد، متجاهلةً الجزء الذي يتحدث عن مطاردتي له فوق الأسطح وأنا مرتديةٌ لفستاني وحذائي؛ خشيةَ أن توبخني على تهوري وتعريض نفسي للإصابة.
نظرت إليَّ بيث بعينين متسعتين:
“أحضرتِ نشالاً إلى هنا؟”
“همم.”
“بدلاً من تسليمه لحرس سان فورتو ليتلقى عقابه؟”
“خطر لي خاطرٌ فحسب.”
“يا لكِ من سيدةٍ عطوفةٍ رغم كل شيء.”
وحدهما بيث وراينا من قد يرونني شخصاً رقيق المشاعر، أنا التي ربطتُ بشراً بالأهداف وتدربتُ على إطلاق النار حولهم.
جلست بيث القرفصاء وهي تتأملُ الصبيَّ المغمى عليه بنظرةٍ شاردة، ثم أسندت ذقنها على كفها وقالت:
“هذا يذكرني بالماضي البعيد.”
آه، كان هذا هو السبب إذن.
“معكِ حق.”
أومأتُ برأسي موافقة، فبدا أن بيث قد غرقت في ذكرياتها.
“في ذلك الوقت، حقاً…..”
“ذلك الوقت؟”
كان انغماسُها عميقاً لدرجة أنها لم تلحظ أنَّ الصوتَ الذي سأل لم يكن صوتي.
“حين كنتُ أتنقلُ في الشوارع كنَشالة قبل أن تلتقطني سيدتي…. آخ! يا إلهي! ما هذا!”
تأخرت بيث لحظةً قبل أن تدرك عمق الصوت الرجولي، فانتفضت كمن رأى غراباً أسودَ حطَّ فجأةً على كتفه. وحين رأت كايل واقفاً خلفها، هربت فزعاً نحو جانبي وتشبثت بظهري، تراقبه كجروٍ يحتمي بصاحبه.
“ماذا هناك؟ لِمَ تتدخلُ في حديثنا؟”
“لم أقصد التدخلَ حقاً.”
“وما هذا الذي تحمله؟”
التفتُّ نحو ما يحمله كايل، فقد كان طبقاً مغطىً بغطاءٍ معدنيٍّ أنيق.
“أتودين الأكل؟”
قال ذلك ثم رفع الغطاء فوراً.
“….”
انتشرت الرائحةُ في الهواء، واتسعت عيناي وعينا بيث في ذهول.
‘رائحةٌ شهيةٌ للغاية.’
ولم تكن الرائحةُ وحدها هي المذهلة؛ فقد استقرَّت قطعةُ اللحم فوق الطبق، مشويةً بإتقانٍ مع القليل من العصارة الحمراء التي تدلُّ على طراوتها.
كانت خطوطُ الشواء المتقاطعة تزينُ سطح اللحم وكأنها لوحةٌ مرسومة.
أما الخضرواتُ الجانبية، فقد كانت تلمعُ وكأنها شُويت بالزبدة أو الزيت الفاخر، وانبعثت رائحةٌ حمضيةٌ منعشة من الصلصة الموضوعة جانباً.
كانت وليمةً لا تُقارنُ بتلك الأشياء التي رأيتها في السوق. نظرتُ إلى كايل بدهشة، فما كان منه إلا أن رفع طرف شفتيه بزهوٍ واعتزاز.
“أهذا لي؟”
“تلك التي قالت إنها تستطيعُ مضغَ غول من شدة الجوع هي….”
“لحظة. لقد تعارفنا بالفعل، فما بالُكَ تناديني بـ ‘تلك’؟ هذا يزعجني.”
ارتبك كايل قليلاً.
‘يبدو أنه نسيَّ أنه ناداني باسمي قبل قليل.’
حسناً، لعلَّه لم يلحظ ذلك من كثرة الأحداث. على أي حال، لا يمكنني السماحُ له بمناداتي هكذا للأبد، فمن الواضح أنه سيظلُّ يلاحقني.
خلفي، كانت بيث ترسلُ لي نظراتٍ نارية تتساءلُ متى تعارفنا، لكنني تجاهلتها.
“لقد ناديتني باسمي قبل قليل بطلاقة.”
“مناداةُ آنسة غير متزوجة.. أقصد، دوقة متزوجة، باسمها هكذا؟”
“متى فعلتُ….”
“لقد ناديتني بلهفةٍ وقلقٍ شديدين.”
“بلهفةٍ وقلقٍ كمن ينادي حبيبةً راحلة؟”
تجاهلتُ تعليق بيث المستفز ونظرتُ في عيني كايل. وبعد ثوانٍ من الصمت، تذكر كايل اللحظة التي نادى فيها باسمي وقال:
“أتقصدين حين قفزتِ لمطاردة النشال؟”
….لقد تعمدتُ ألا أخبر بيث عن ذلك.
“قفزتِ؟!”
ضاقت عينا بيث وهي تنظرُ إليّ، وبدا على وجهها تعبيرٌ يقول إنها لو لم تكن خادمتي، لصرخت باسمي الكامل “إيلين باسكال” ووبختني بشدة.
تابع كايل كلامه، وكأنه يصبُّ الزيت على النار، مع ابتسامةٍ ساخرة:
“بل وقفزتِ بتهورٍ لدرجةِ كسرِ كعب حذائك.”
“إذن لهذا السبب انكسر؟!”
“بل واعتليتِ أسطح المنازل رغم أن فستانكِ قد يكشفُ ما تحته للناظرين من أسفل و….”
“اعتليتِ الأسطح؟! بفستانٍ وحذاءٍ ذي كعب؟!”
….لسببٍ ما، بدا أنَّ كايل وبيث قد انسجما معاً في توبيخي، وهذا أمرٌ مربكٌ حقاً.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"