أيُّ طبيبٍ هذا الذي يتحدث عنه؟ الأمرُ لا يستدعي كل هذا.
“كايل.”
“….”
“توقف.”
أخبرتُه أنني بخير. بل إنَّ تقليبه المستمر لجسدي هكذا أصابني بدوارِ البحر.
نظرتُ إليه بحدة، عندها فقط أنزلني كايل بتمهل، بينما كان الاستياءُ يرتسمُ بوضوحٍ على تقاسيمِ وجهه.
“….”
وحتى حين لامست قدماي شيئاً، لم تكن الأرضُ الصلبة… بل وضعني فوق قدميه مجدداً.
قلبتُ عينيَّ بقلةِ حيلة، فما كان منه إلا أن رفع طرفَ شفتيه بتهكمٍ وقال:
“كان عليكِ ألا تهربي وتلقي بحذائكِ بعيداً.”
“ومتى هربتُ أنا…”
“اختفيتِ من أمام ناظريّ، أليس هذا هروباً؟”
‘بربك، كيف استنتجتَ هذا من ذاك؟’
لقد لاحظتُ منذ مدة أنَّ كايل يملكُ قدرةً عجيبة على ليِّ ذراعِ المنطق. وقبل أن أعترض، أضاف بنبرةٍ هادئة:
“على أيِّ حال،”
“….”
“لا يمكنني السماحُ لجسدكِ الثمين بأن يطأ الأرضَ حافياً.”
عاد فجأةً لمخاطبتي برسميةٍ وكأنه لم يرفعها قبل قليل، لكنني شعرتُ بوقاحةٍ أكبر تطلُّ من بين كلماته. حاولتُ نزعَ نفسي منه لأقف على الأرض مهما كلف الأمر.
“….”
لكن خلافاً لقبضته الرخوةِ سابقاً، كان كايل يحيطُ خصري الآن بإحكام. قوةٌ كافية لتمنعني من الإفلات، لكنها رقيقةٌ بما يكفي كي لا تؤذيني أو تكسرَ عظامي.
‘يستخدمُ قوته البدنية ضدي…. يا له من لئيم.’
طال الصمتُ بيننا، وبعد محاولاتٍ يائسة استمرت لدقائق، قدمتُ أولَ تنازلاتي:
“اشترِ لي حذاءً إذن.”
“وتبقين واقفةً هكذا فوق الأرضِ الجرداء حتى أعود؟”
“وما الضيرُ في ذلك؟”
“أتريدينهم أن يمسكوا عليّ مأخذاً بأنني عاملتُ شخصاً مكرماً مثلكِ بقسوة؟”
“وهل تعتقدُ حقاً أننا سنعودُ هكذا؟”
لم يُجب، بل اكتفى بابتسامةٍ غامضة أوضحت لي إصراره على عدم إنزالي أبداً. ضغطتُ بمقدمةِ قدمي فوق قدمه بكل قوتي لأخبره أنَّ عليه التوقف، لكنه لم يرمش له جفن. بل نظر إلى قدمي التي تلطخت أطرافها قليلاً بنظرةٍ غريبة….
“أهما حبيبَان؟”
“يبدو ذلك.”
“سمعتُه يقول ‘شخص مكرم’..”
“يا له من حبيبٍ متفانٍ.”
“لكن لِمَ يضايقانِ ذلك الصبي؟”
“لحظة…. أليس هذا….”
“أليس أحد أطفالِ الأزقة الخلفية؟”
“اششش.”
….كيف آلَ بنا المطافُ إلى هذا الوضع؟
“حبيبان”؟ بالإضافة إلى هذا السوءِ في الفهم، كان من الواضح أنَّ بقاءنا هكذا سيزيد من فضول المارة. أخشى أن يأتي يومٌ أُتوج فيه كدوقة، فيشير إليَّ الناسُ قائلين “تلك هي الفتاة التي كانت فوق قدمي الرجل!”.
لكن من المستحيلِ أيضاً أن أمشيَ وأنا واقفةٌ فوق قدميه. تنهدتُ أخيراً وقدمتُ التنازلَ الثاني، فما دام يرفضُ إنزالي…
“احملني على ظهرك إذن.”
هذا أهونُ بكثير من أن يحملني كالأميرات أو يلقي بي فوق كتفه كالأمتعة.
‘على الأقل، الحملُ فوق الظهر يبدو أقلَّ إحراجاً من العناق.’
بدا كايل مباغتاً بطلبي، ارتجف جسدُه للحظة قبل أن ينطق ببطء:
“أنا جوادُ سباقٍ غالي الثمن…. لا أسمحُ لأيِّ كان بامتطائي.”
كان يملكُ موهبةً فذة في صياغة الكلمات التي تطلب مني ألا أعامله كدابةٍ لحملِ المتاع.
“نعم، نعم. وخذ ذلك الصبيَّ معك أيضاً.”
أشرتُ بذقني نحو النشال المُغمى عليه، فنظر إليَّ كايل وكأنه يتساءل إن كنتُ جادة.
‘سيكونُ مفيداً في أمرٍ ما.’
أومأتُ برأسي مؤكدة، فتنهد كايل مستسلماً. وضعني فوق مقعدٍ خشبيٍّ قريب، ثم انحنى وأدار ظهره لي.
‘عضلاتُ ظهره مرعبة حقاً.’
حين استقررتُ فوق ظهره، شعرتُ بصلابةِ جسده وحرارته الطاغية. قررتُ الانتقامَ قليلاً؛ فأرخيتُ جسدي بالكامل ملقيةً بكل وزني عليه. وبمجرد أن طوقتُ عنقه العريض بذراعيّ، شعرتُ بعضلاتِ ظهره تختلجُ ببطء.
“تلامس…..”
“تلامس ماذا؟”
“…. لا شيء.”
نهض كايل وحمل الصبيَّ من خصره بيدٍ واحدة وكأنه يحملُ خرقةً بالية.
..من يحملُ طفلاً بهذه الطريقة؟
‘سنبدو مريبين جداً.’
في محاولةٍ يائسة لتمثيلِ دور “المواطن الصالح”، رفعتُ صوتي قائلة:
“أوه! يا إلهي! لقد سَ.قَ.طَ الصبيُّ فجأة؟”
“….”
“يجبُ أن نأخذهُ إلى الطَّ.بِ.يب!”
سواء نجحت مبرراتي الواضحة أم لا، كان كايل يشقُّ طريقه حاملاً إياي والصبيَّ دون أدنى مجهود. كان الناسُ ينفرجون أمام هيبته الطاغية كمعجزةِ انشقاق البحر.
“إذا كان من أطفال الشوارع.”
“على أي حال، لا حماية له….”
“حتى الحرس….”
رغم محاولاتي، لم تتوقف الهمساتُ المريبة حولنا. وحين سمعتُ ذكر الحرس، هززتُ رأسي يأساً.
“ألن تساهمَ في التمثيل قليلاً؟”
“….”
“صمتُك هذا يجعلنا نبدو كخاطفي أطفال.”
تنهد كايل مجدداً، ومع كل تنهيدةٍ كان جسدي يرتفعُ وينخفضُ فوق ظهره.
“أنا من يطلبُ منكِ التعاونَ حقاً.”
“أيُّ تعاون؟”
جاء صوته هذه المرة أكثر عمقاً وهدوءاً، وبسبب التصاق جسدينا، شعرتُ بذبذبات صوته تترددُ في صدري.
“لا تفعلي ذلك مجدداً.”
“ماذا؟”
“ما فعلتِه قبل قليل.”
“القفزة؟”
أخبرتُه أنني لم أُصب.
‘رغم أن معصمي كاد يلتوي وأنا أحاول تغيير اتجاهي بسرعة.’
لكنه لم يلتوِ في النهاية. وحتى لو حدث، فضمادٌ دافئ مع كأسٍ من النبيذ الممزوج بلمحةٍ من الشطة كفيلٌ بعلاجه قبل الصباح. لكن كايل كان يرى الأمر من منظورٍ آخر.
“لو أُصيبت العروسُ التي أرسلها الإمبراطور في أرضِ الدوقية، فستكونُ هذه مادةً دسمة للنميمة.”
“….”
“وقد تتهمُ الإمبراطوريةُ منطقة ‘سان فورتو’ بأكملها بالخيانة.”
آه، هذا هو السببُ إذن؟
رغم أن الحديث عن الخيانة مبالغٌ فيه، إلا أنني حين تذكرتُ العلاقة المتوترة بين العاصمة وهذه المنطقة، أدركتُ حساسية الموقف.
‘لو كان يفكرُ بهذا المنطق….’
فمن الطبيعي أن تكون ردة فعله حادةً تجاه تهوري البدني.
‘هممم.’
غرقتُ في أفكاري، وقررتُ الصمتَ والاستماع لتوبيخه بدلاً من الجدال. ولأنه ظنَّ أنني استوعبتُ درسي، أضاف بصرامةٍ أكبر:
“لا تعاودي فعل ذلك….”
“فهمتُ، لن أفعلها دون سابق إنذار.”
“وكأنكِ تقولين أنكِ ستفعلينها لو أعطيتِ إنذاراً.”
“هذا….”
لأنه لا يوجد ضمانٌ بعدم تكرار مواقفَ طارئةٍ كهذه. ولا يمكنني الانتظار حتى ينقذني أحدهم، خاصةً لو كان كايل غائباً كما حدث اليوم.
بينما كنتُ أبحثُ عن إجابة، تسمرت نظراتُ كايل على معصمي الأيمن. كانت نظرةً فاحصةً لدرجةٍ جعلت القشعريرة تسري في بدني.
‘يبدو أنه لاحظ بأيِّ يدٍ استندتُ حين هبطت، رغم قصر المدة.’
إنه ليس رجلاً عادياً بحق. فكرةُ كونه بمرتبة “سيد السيف” أو أعلى عادت لتراودني من جديد.
وبعد صمتٍ قصير، قال ببرود:
“…. سنستدعي الطبيب فور عودتنا.”
بدا وكأنه يكتمُ الكثير من الكلام. ورغم يقيني بأن الطبيب أمرٌ مبالغٌ فيه، إلا أنني لم أرغب في العناد بعد أن عرفتُ دوافعه. لكن المشكلة كانت….
“أنا لا أعرفُ أيَّ طبيبٍ هنا.”
“آه.”
أطلق كايل صوتاً خافتاً وكأنه أدرك هذه الحقيقة للتو.
“…. سأقومُ أنا باستدعائه.”
بالطبع، صيادُ وحوشٍ يتبعُ قلعة الدوق لا بدَّ أن لديه طبيباً خاصاً يعالجُ أمثاله. أومأتُ برأسي مستسلمة، وأسندتُ ثقلي على ظهر كايل
***
ساد الصمتُ لفترة.
كان كايل غارقاً في تفكيرِه بشأن الطبيب، بينما كنتُ أنا غارقةً في القلق الذي نقله إليّ. فمنذ كلماته الأخيرة، لم يفارق ذهني سؤالٌ واحد:
‘هل سيثيرُ الإمبراطورُ مشكلةً حقاً لو أُصبت؟’
وبعد برهةٍ من التفكير، استنتجتُ أن الإجابة هي: “نعم، قد يفعل.”
لقد خدمتُ في الجيش الإمبراطوري لسنوات؛ وحتى الكنيسة كانت تُعتبرُ ديانة الدولة الرسمية، وفرسانُها يُصنفون في الأوراق كجنودٍ إمبراطوريين.
‘رغم أن القائد المباشر للفرسان هو البابا.’
إلا أن الإمبراطور كان يليه مباشرةً في الرتبة. وعلاوةً على ذلك، كنتُ أعرفُ من خلال شائعات المجتمع المخملي مدى جشع ذلك الرجل.
‘إنه شخصٌ لن يتردد في تلفيقِ تهمةٍ لأيِّ مقاطعةٍ ليطالبَ بتعويضات.’
صحيحٌ أنه قد يترددُ قليلاً أمام دوق سايلنس القوي، بخلاف النبلاء الآخرين، ولكن….
‘قد يرى في هذا فرصةً ذهبية.’
فليس من السهل إيجادُ ذريعةٍ رسمية للاحتجاج ضد الدوق سايلنس.
‘على الأقل، أنا لستُ أسيرةَ حربٍ أجنبية.’
بل ابنةُ نبلٍ إمبراطورية أملكُ شرعيةً تجعلُ من السهل عليه المطالبة بحقوقي. ورغم أنني أتيتُ هنا دون رغبةٍ حقيقية، إلا أنني لا أريد جرَّ المشاكل لمنطقة سان فورتو. فهنا أيضاً بشرٌ يعيشون حياتهم. ولا أريدُ لضجيجِ السياسة أن يؤثر على عائلتي الباقية في العاصمة.
‘الأمرُ معقد.’
أن يكتشفَ المرءُ أن جسدَه لم يعد ملكاً له وحده.
في الواقع، كان هذا إدراكاً متجدداً…. شعوراً مألوفاً وغريباً في آنٍ واحد.
‘آه.’
أدركتُ فوراً سرَّ ذلك الشعور.
….فطوال السنوات التي عشتُ فيها بزيِّ الرجالِ وكصبي….
لم يكن جسدي ملكاً لي أبداً.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"