على حدِّ ذِكري، كان الدوق في الرواية الأصلية شخصيةً تقفُ على أعتابِ “البطل الثاني”.
‘فلاحقًا، ستنشأُ كيمياءٌ غامضة بينه وبين القديسة، بطلة الرواية.’
وسواءٌ كان بطلًا أو بطلًا ثانِيًا، وحتى لو كان التصنيفُ “مأساويًّا” أو كان هو “بارد الدماء”، فثمة عُرفٌ سائد.
‘أليس من الطبيعي أن يُطعِم البطلُ بطلتَه؟’
إنَّ تجويع آنسةٍ خرجت معكَ في نزهةٍ ليس من شيم الرجال، سواء كانوا أبطالًا أو حتى عابرين في المشهد. بهذا المقياس، تيقنتُ تمامًا أنَّ كال لا يمتُّ لتلك النخبة بصِلة.
‘يا لَه من وجهٍ ضائع! خسارةٌ حقًّا.’
أيُّ شخصيةٍ ثانوية هذه التي تملك وسامة “دوق الشمال”؟
بينما كنتُ أرثي حالَ وجهه في سرِّي، كان التاجرُ قد استشاط غضبًا من كلمات كال، فأخذ يلوح بيده بعنف:
“يا هذا! إن لم تكن ستشتري فارحل!”
“……”
“هناك زبائنُ آخرون ينتظرون!”
انتهى بنا الأمرُ مطرودين.
وفي اللحظة التي كنتُ فيها ألعقُ شفتيَّ بحسرة، وعينايَ معلقتان بأسياخ اللحمِ التي لم تبارح خيالي، سألني كال ببرودٍ كأنَّ الأمر لا يعنيه:
“هل أنتِ جائعةٌ إلى هذا الحد؟”
أجبته بنبرةٍ فظة، ولم أحاول حتى إخفاء حنقي عليه:
“بصراحة، أشعرُ أنني قادرةٌ على التهام غول كامل في هذه اللحظة.’
“بهذا الفمِ الصغير؟”
“ما قصتُك مع كلمة صغير وصغيرة هذه…”
كنتُ على وشك إعطائه درسًا لطيفًا في أنَّ حجم الفم لا علاقة له بسعةِ المِعدة، حين قطع قولي.
“على أيِّ حال، فَهِمْتُ.”
ومع تلك الكلمة، اختفى أثرُ كال الذي كان يمشي خلفي مباشرةً. اختفى في رمشة عين، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى.
“كال؟”
نظرتُ خلفي نحو الفراغ، فاستولى عليَّ الذهولُ لِلحظة.
‘ألم يقل إنه سيعملُ حارسًا لي؟’
بحثتُ حولي مرارًا، لكنه تبخر تمامًا. على الأقل، لم يكن موجودًا في أيِّ زاويةٍ تدركها عيناي.
كيف تمكَّن من إخفاء حُضوره والاختفاء في تلك اللحظة الوجيزة؟
جعلني ذلك أشعرُ بمدى قوته من جديد.
‘ألا يُعدُّ في مرتبة سيد السيف، تلك المرتبة التي لا ينالها إلا القليلُ في فرسان المعبد أو فرسان الإمبراطورية؟’
وفوق ذلك، بدأت الحشودُ تتدفق، فذهبت جهودي في البحث عنه أدراجَ الرياح.
“أليس هذا إهمالًا للواجب؟”
لكن من ناحيةٍ أخرى، أنا من قلتُ له قبل قليل إنه لا داعي لملاحقتي. ورغم أنَّ توقيت انسحابه كان مريبًا، إلا أنه لا حيلة لي إن قرر التوقف عن تتبعي الآن.
‘لكن.. أشعرُ ببعض الخذلان؟’
ظننتُ أخيرًا أنني وجدتُ رفيقًا للدرب، ولكن.. لحظة.
‘كم مرةً التقينا أصلاً حتى…؟ آه، لقد تحدثنا بما فيه الكفاية.’
ومع ذلك، أن أشعر بالخذلان من ذلك الرجل المستفز؟
هززتُ رأسي لأطرد هذه المشاعر العبثية، فليس وكأنني عاجزةٌ عن حماية نفسي دون حارس.
‘هل أذهبُ لمتجر الأسلحة أولًا؟’
وبناءً على تلك الفكرة، نقلتُ خطواتي نحو متجرٍ آخر.
***
“هـاه.”
بعد فترةٍ وجيزة، عُدتُ إلى المدخل وأنا أزفرُ أنفاسي بضيق.
يبدو أنَّ استطلاع أحوال الرعية كان أصعب مما توقعت.
— عذرًا، هل لديكم مسدساتٌ خفيفة من نوع…
— ما هذا؟ لكنتُكِ لكنةُ العاصمة!
— ما الذي يأتي بأهل العاصمة إلى هنا في هذا الوقت؟
ما إن أفتح فمي، حتى ينظر إليَّ التجارُ باشمئزاز، أو يسارعون بسحب بضائعهم. بل إنَّ البعض لم يتردد في ذمي علنًا.
— أحدُ أبناء العاصمة؟ لقد حلَّ النحسُ على تجارتي منذ الصباح
— لا عجب أنها تبدو شاحبةً وناعمة هكذا.
‘يا رفاق، أنتم أيضًا شاحبون وناعمون…’
أليس سكان فورتو هم مِثالُ أهل الشمال ببشرتهم البيضاء وقاماتهم الممشوقة؟
‘لم أتوقع أن يكونوا بهذا العداء.’
بعد جولةٍ في عدة متاجر، بدا وكأنَّ خبر وجودِ زبونةٍ من العاصمة قد انتشر كالنار في الهشيم. فبمجرد اقترابي، كان التجار يرمقونني بنظراتٍ حادة كأنهم يقيسونني من الرأس إلى القدم.
‘هذا أمرٌ مريب.’
مهما كان، أليس ردُّ فعلهم مبالغًا فيه تجاه زبونة؟ حتى وإن كانت من العاصمة.
‘أشعرُ بحدةٍ غير طبيعية في تعاملهم.’
وفجأة، خطرت ببالي معلومةٌ عابرة.
— ما الذي يأتي بأهل العاصمة إلى هنا في هذا الوقت؟
— القلعةُ كلها مشغولةٌ بالاستعداد لهجمات الوحوش الشتوية.
كلمات التاجر المتذمر، وصورة جيريمي وهو يشتكي من ضغط العمل في الشتاء..
‘هل يزدادُ الأمر سوءًا بسبب الشتاء؟’
لأنه موسمٌ تشحُّ فيه الإمدادات وتضيق فيه سُبل العيش؟ ولأنَّ كراهية أوغاد العاصمة تتضاعف في هذا الوقت بالذات؟
بدا ذلك الاحتمالُ منطقيًّا. وبينما كنتُ أُجيلُ بصري بحيرة، وقعت عينايَ على أحدهم.
“…….”
“……”
كان هو….. التاجرُ الذي كان يبيع أسياخ اللحم قبل قليل.
بمجرد أن تلاقت نظراتنا، تظاهر بأنه لم يرني، لكنني لمحتُ في طرفِ عينه بريقًا من الأمل. كانت أسياخ اللحم التي تقطر دسمًا لا تزالُ مكدسة؛ بل في الواقع….
‘لم يبع منها شيئًا على الإطلاق!’
“أعطني سيخين هنا!”
“ألا تبيع الأحشاء وحدها؟”
المنابر المجاورة كانت تشهد رواجًا كبيرًا، مما يعني أنَّ المشكلة تكمنُ في متجره هو فقط.
‘ربما تكون هذه فرصتي.’
فرصتي لأقوم بدوري كزوجةِ دوقٍ وأتفقد الرعية.
— هذا الدجاجُ نيءٌ لدرجة أنه كاد يأكل العشب المرفق معه!
استحضرتُ في مخيلتي برامج الطبخ التي شاهدتها في حياتي السابقة. لستُ بـتلك “الذواقة” العظيمة، لكنني أستطيعُ تقييم الطعم على الأقل.
حين رسمتُ ابتسامةً ماكرة كمن عثر على صيدٍ ثمين، تبدلت ملامح التاجر المترقبة إلى شعورٍ بالشؤم، وبدا وكأنَّ الشعر الأبيض المتناثر في رأسه الأحمر قد ازداد بياضًا من الرعب.
‘بما أنه من سكان المقاطعة، سأنتقي كلماتي بعناية.’
اقتربتُ منه وأنا أشيعُ جوًّا من الطمأنينة حولي.
“يبدو أنَّ التجارة ليست على ما يرام؟”
سألتُه بتلقائية، فارتجفت شفتاه. كانت عيناه مزيجًا من الأمل في زبونةٍ أخيرًا، والحنق والقلق من أنها نفسُ الزبونة التي فحصت بضاعته ورحلت قبل قليل.
“هذا لأنني استفتحتُ يومي بشخصٍ من العاصمة…”
“للدقة، أنا لم آكل شيئًا بعد.”
“بسبب رفيقكِ الذي أطلق تلك الكلمات العبثية…”
“لكن المتاجر المجاورة تبيعُ جيدًا.”
“تشه.”
برزت شفتاه أكثر مما كانت عليه. أملتُ رأسي كأنني أحد الطهاة المشاهير الذين تقمصتُ شخصيتهم.
“رغم مظهري، إلا أنني أفهمُ في الطعام جيدًا.”
(لستُ بارعةً في التذوق، بل بارعةٌ في حشو مِعدتي فقط).
“هل ألقي نظرةً لك؟”
“هل تنوين التذوق مجانًا بهذه الحجة؟”
“أوه، لقد كشفتَ أمري.”
“يا لِجرأة أهل العاصمة! لم يكتفوا بإفساد تجارتي، بل يريدون الأكل مجانًا…”
“كنتُ سأدفعُ الثمن لو رفضتَ طلبي.”
رنينٌ.
سقطت حقيبةٌ أمام المنصة، ولم يكن رنينها خفيفًا، بل كان لها وقعٌ ثقيلٌ يوحي بما فيها. كانت المحفظة التي أخرجتها من جيبي الداخلي.
“إن كنتَ ترفض، فلا بأس.”
حين رأى التاجرُ بصيص العملات الذهبية من خلال فتحة الحقيبة، تحركت تفاحةُ آدم في حلقه وهو يبتلع ريقه.
“إن كنتِ…”
“إن كنتُ؟”
“إن كنتِ تنوين شراء قلبي بالمال، فقد جئتِ إلى العنوان الصحيح، يا سيدتي الزبونة!”
نعم، كان المبلغُ أكبر من أن يُرفض.
ابتسم التاجرُ ابتسامةً عريضة وكأنَّ حدته السابقة لم تكن، وأخذ يفرك كفيه ببعضهما. تحول وجهه الذي كان يشبه قطاع الطرق إلى وجه رجلٍ وسيمٍ في منتصف العمر فجأة. في هذه الأوقات العصيبة، لا أحد يصمد أمام زبونٍ يدفع بسخاء.
“تفضلي بالتذوق. لقد شويتُها بكل إخلاص.”
أخذتُ السيخ الذي قدمه لي بابتسامةٍ هادئة. في الظاهر يبدو الطعم جيدًا، فما المشكلة يا تُرى…؟
“إييييع!”
بمجرد أن تذوقتُ قطعةً واحدة، بصقتُها فورًا.
“……”
سقطت حواجب التاجر، وظهرت على وجهه علاماتُ الانكسار. يا له من رجلٍ وسيم يملك قلب فتاةٍ رقيقة! حتى أنا وجدتُ صعوبةً في عدم الشعور بالذنب.
“هل الطعمُ سيءٌ إلى هذا الحد…”
“لا، لا. ليست المشكلة في الطعم، بل…”
‘لحظة!’
صعقةٌ من الإدراك ضربت رأسي.
هذا الشعور المريب والمألوف في آنٍ واحد.. هذا الإحساس كأنَّ شحنةً كهربائية قادمة من الجحيم تلسعُ لساني..
‘هل يعقل أن يكون هذا “ما…”؟”
بينما كان فكي مفتوحًا من شدة الصدمة بعدما أدركتُ حقيقة ما لمس لساني..
“كفى! خذي نقودكِ وارحلي!”
ألقى التاجر حقيبة المال إليَّ وكأنه شعر بالإهانة. لكن الغرابة لم تنتهِ هنا.
وبينما كنتُ أحاول استعادة وعي لساني المخدر، تأخرتُ في التقاط الحقيبة لثانية..
تشاك!
ظهرت يدٌ صغيرة غير متوقعة وخطفت الحقيبة في لمح البصر. كان “نشالاً”.
“يا لَها من حقيبةٍ دسمة!”
“…..”
“شكرًا لكِ، يا ابنة العاصمة!”
أجل، لقد انتشر خبري في السوق، وأصبحتُ هدفًا للجرائم أيضًا.
اختفى النشالُ وسط الزحام في لحظة.
“آه…..”
لم أصدق أنني تعرضتُ للنشل. نظرتُ إلى السماء بأسى. تظاهرتُ بالكرم أمام التاجر، لكن تلك كانت “مدخرات الطوارئ” الخاصة بي.
‘لا شيء يسيرُ على ما يرام.’
ومع الشعور بالخيبة، تصاعدت موجةٌ من الغضب في صدري. حين فكرتُ في الأمر، شعرتُ بالحنق حقًّا.
“…..”
أخذتُ نفسًا عميقًا بهدوء.
‘هناك الكثير من الناس لمطاردته الآن.’
رفعتُ بصري قليلًا، فرأيتُ برجًا صغيرًا يطلُّ على التلال من جهة السوق.
“أقسمُ أنك هالكٌ بمجرد أن أقبض عليك.”
وبدأتُ بالركض نحو المرتفع لأسيطر على الموقف من الأعلى.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"