سواءُ أقطبتُ حاجبيّ ضيقًا أم لا، ظل الرجل يرمقني بنظراتٍ فاحصة وكأنه يزنُ قيمتي.
كان قبل قليل قد أبدى جفلةً مباغتة، لكنه الآن استعاد هدوءه وارتسمت على وجهه ملامح الثقة مجددًا.
“بصراحة، ظننتُ أنكِ ستغادرين عند هذا الحد.”
“…….”
“بما أنكِ لم تفعلي، فلا يتبادرُ إلى ذهني سببٌ سوى أنكِ تمارسين دور الجاسوسة.”
عادت تلك الأسطوانةُ المشروخة من جديد.
‘ألا يملُّ من هذا؟’
أراد هذا الرجل أن يُقنعني أنه عاش حياته مخْدوعًا؟ رغم أنه ليس “الدوق” حتى! هل كان محاطًا بمن يتحينون الفرص لخيانته طوال الوقت؟
“لستُ كذلك. لو كنتُ جاسوسةً لدخلتُ خفيةً منذ البداية.”
“إذًا، هل هي مجردُ روحِ العناد والجلد التي تمتلكينها؟”
لم أدرِ أكان يمدحني أم يذمني، لكن جليًا كان هدفه: استفزازي وإثارة حنقي.
رددتُ عليه ببرودٍ تام:
“إن كنتَ مرتابًا إلى هذا الحد، فقم بتفتيشي جسديًا. لعلّي أخفي أداةً سحريةً للتجسس.”
“تفتيشٌ جسدي على يد رجلٍ غريب؟”
“يمكنك استدعاءُ خادمةٍ للقيام بذلك.”
“ألا تفرقُ معكِ حتى لو كانت امرأةً غريبة؟”
ماذا يريدُ مني إذًا؟
كاد لساني أن يزلّ بعبارتي المعتادة: «إن كان لديك اعتراض، فالتقِ بي في ساحة التدريب»، فقد كنتُ أرددها دائمًا حين كنتُ نائب القائد لأولئك الذين تبدو عليهم ملامح التمرد.
“…….”
لولا رؤيتي لذراعه التي تكاد عضلاتها تمزق القماش، لكنتُ دعوته حقًا للمبارزة.
تنفستُ الصعداء وحاولتُ تهدئة نفسي وأنا أتأمله، عادّةً في عقلي المرات التي التقينا فيها.
‘حسنًا، لا بأس. لا بد أن مزاجك عكرٌ لأنك هبطتَ من رتبتك لتصبح مجرد حارسٍ لآنسة.. أيها الصيادُ الأخرق.’
في الواقع، لعله كان يأمل أن أعلن رحيلي اليوم؛ فقد وجد نفسه مكلفًا بحراستي دون رغبةٍ منه. ولأنني لم أرحل، وجد في مضايقتي متنفسًا.
‘ماذا عساه يفعلُ المرؤوس الذي لا يملك إلا الانصياع؟ لا يملك سوى تفريغ غضبه هكذا.’
بما أنني ذقتُ مرارة الانصياع للأوامر من قبل، قررتُ التجاوز عن أفعاله من باب التفهم.. أو ربما لأنني أيقنتُ أنني سأهزمُ شرّ هزيمةٍ لو تواجهنا جسديًا.
‘هذا هو الحقُّ في الواقع.’
عندما ظننتُه مجرد لسانٍ كان لديّ استعدادٌ للمواجهة، لكن بنظرةٍ فاحصةٍ الآن، لم أعد واثقةً من النصر. ورغم أنني كنتُ قناصةً، إلا أنني تلقيتُ التدريبات ذاتها؛ لذا لم أكن مفتقرةً للثقة في القتال القريب. حتى رغبتي السابقة في مواجهة الوحوش بقبضتي كانت نابعةً من تلك الثقة.
‘علاوةً على ذلك، التعامل مع البشر أسهل بكثير.’
فأنا لا أتورعُ عن استخدام الأساليب الملتوية ضد البشر، متجاوزةً بذلك ضعف بنيتي الجسدية. فالحياةُ حربٌ حقيقية.
— أيعقلُ أن يكون فارسٌ مقدس يخدمُ الإله بهذا الخبث؟!
— أجل، يعقل.
كنتُ أتلقى صرخاتهم المقهورة في ساحة التدريب وكأنها أعذبُ كلمات المديح.
‘أصلاً، لم أكن يوماً بهذا الإخلاص على أي حال.’
إنهُ عالمٌ آخر غريب تجسدتُ فيه وحتى الشياطين موجودة.
‘ألم يذكر التاريخُ أن التنانين المنقرضة كانت تُسمى شياطين؟’
رغم انقسام الآراء حول حقيقة وجود التنانين، إلا أن “الدوق” الذي قيل إنه يحمل دمها موجودٌ فعلاً.
على أية حال، بما أنني اعتزلتُ الفروسية المقدسة، لم يعد هناك ما يمنعني من استخدام الحيل الدنيئة.. لكن، جسدُ هذا الرجل لا يبدو من النوع الذي تؤثر فيه الحيل. فمن يراه وهو يفتك بالوحوش يدركُ فورًا أنه بارعٌ لدرجةٍ تجعلُ تلك الحيل بلا جدوى.
في تلك اللحظة، عقد الرجل ذراعيه فوق صدره وكأنه يتعمد استعراض قوته، فبرزت عضلاته المشدودة أكثر. شعرتُ بوخزةٍ من الحسد وأنا أراقب عضلات ساعديه وصدره، والعروق النافرة بين كُمّه وقفازه.
‘كيف يمكنُ للمرء أن يبني عضلاتٍ كهذه؟’
وبينما كان الغيظُ يتسللُ إلى قلبي، اختار الرجلُ اللحظة المناسبة ليطعن كبريائي مجددًا.
“إذًا، هل ما زلتِ تنوين المضيّ قدمًا في تمثيل دوركِ “بشكلٍ جيد”؟”
تبخرتْ رغبتي في التسامح معه. حدقتُ في جسده بتركيزٍ شديدٍ وقلت:
“أجل، لقد انبعثتْ في داخلي رغبةٌ مفاجئة للقيام بذلك.”
“…….”
“سأبقى هنا مستقرةً حتى يعودُ سيادة الدوق.”
‘هذا سيزعجك، أليس كذلك؟’
شددتُ نظرتي وجعلتها تمسحه من رأسه حتى أخمص قدميه، لأُحذره من أن ثرثرته ليست سوى “تذمّرٍ” لا يجدي نفعًا.
“همم.”
بدا الرجلُ وكأنه يفكرُ في شيءٍ ما تحت وطأة نظراتي. وبعد صمتٍ طال حتى شعرتُ بنذير شؤم، ارتفعتْ زاويةُ فمه في ابتسامة. كانت عيناه تلمعان وكأنّ صيدًا ثمينًا قد وقع بين يديه، وهذا لم يكن فالاً حسنًا أبدًا.
“لقد شعرتُ بهذا منذ مدة.”
“بماذا؟”
“ما خطبُ تلك النظرات؟”
“عفوًا؟”
“تتظاهرين بالبراءة وكأنكِ لا تفهمين شيئاً، بينما…”
“لستُ أتظاهر، أنا حقًا لا أفهم عما تتحدث..”
“نظرتِ إليّ قبل قليلٍ بشكلٍ فاضحٍ ومكشوفٍ جدًا.”
“ماذا؟!”
صحيحٌ أنني نظرت، لكن كان ذلك حسدًا! إلا أن الكلمات حين خرجت من فمه، اتخذت منحىً مغايرًا تمامًا.
رفع إصبعه وبدأ يعدّ:
“قبل قليل، لمستِ كتفي بحجة الاستناد عليه.”
“كلا، كيف تجرؤ على قول هذا..”
“وحين رأيتني لأول مرة، تلمستِني وأنتِ تتحدثين إليّ.”
إنْ نظرنا للوقائع المجردة، فهو لم يخطئ، لكن المشكلة تكمن في تصوير تلك اللمسات وكأنها تحملُ نوايا مريبة. بل إنه صاغها لتبدو كذلك تمامًا!
“إذا تكرر هذا في كل مرة….”
رغم أنه يمتلكُ ملامح دوق الشمال الصارمة، إلا أنه تظاهر بالخجل، ثم غطى جسده بطرف وشاحه وكأنه “آنسةٌ” تعرضت للتحرش. لم يكن يبدو منزعجًا حقًا، بل كان من الواضح أنه يسخرُ مني.
“سيكون الأمرُ محرجًا لي بعض الشيء.”
تجمّدتُ في مكاني، أحدقُ فيه بذهول.
هل أنا الآن.. «أُعاملُ كمنحرفة؟»
بمجرد أن أدركتُ ذلك، دوى في رأسي صوت بيث -التي تغطُّ في نومٍ عميق الآن- وهي تصرخُ غضبًا: “أيها الوغد! كيف تجرؤ! المنحرفُ هو أنت!”
“أنت هو المنحرفُ هنا، أليس كذلك؟”
أفلتت الكلماتُ من لساني وكأنني أنطقُ بلسان بيث، لكنه ظلَّ متبلدَ المشاعر:
“أتحاولين إلقاء لومكِ على الآخرين؟”
“أنت مَن يلمسُ يد الآخرين بمناسبةٍ وبدون….”
“أو ربما كان التفتيش الجسدي في الحقيقة رغبةً منكِ في تفتيشي أنا؟”
“…. ألم تقفزْ بعيدًا في استنتاجاتك؟”
“على أية حال، سيكونُ من المزعج أن تطمعي بي.”
من يطمعُ في مَن؟!
وقبل أن أستفيق من صدمتي، بدأ يمسحُ ذقنه بتفكيرٍ ثم ابتسم ابتسامةً مشؤومة:
“ليس لديّ نيةٌ في أن أكون عشيقًا لامرأةٍ ستصبح زوجة الدوق.”
“…….”
لقد كانت كلماتٍ مستفزةً للغاية.
‘أراهنُ بكل ما أملك أنه تعمد اختيار هذه الكلمات بعناية ليُثير غضبي.’
حين ألجمتِ الصدمةُ لساني، بدت على وجهه علاماتُ النصر. تُرى مع مَن كان يتنافسُ في مخيلته؟
“…. هل ما زلتَ تحملُ في قلبك ضغينةً لأنني نعتُّك بقاطعِ الطريق؟”
“ليس الأمر كذلك تمامًا، لكنني تلميذٌ سريعُ التعلم.”
“…. وما الذي تعلمتَه مني بهذه السرعة؟”
“لنفترض أنها طريقةُ إلقام الآخرين حجرًا وإلجامهم.”
“…….”
“الأمرُ ليس سيئًا.”
رفع زاوية فمه برضا وهو يرى وجهي المذهول.
“بل هو ممتعٌ أكثر مما توقعت.”
كان يبدو كطفلٍ يعبث، لكن ملامحه كانت وسيمةً لدرجةٍ تبعثُ على الغيظ.
“…. لحظة.”
تلاشت دهشتي بسرعة، فقد أمسكتُ بطرف خيطٍ للرد. ابتسمتُ مقلدةً إياه:
“قلتَ للتو “عشيق زوجة الدوق”، أليس كذلك؟”
“بلى.”
“إذًا، هذا يعني أنك تعترفُ بي كزوجةٍ للدوق؟”
“…….”
عند تلك الكلمة، أطبقَ الرجلُ فمه. ورؤيةُ ملامحه وهي تتحولُ للارتباك مجددًا أشعرتني بانتعاشٍ غامر.
‘لقد انتصرت.’
لم أكن أرغب في المنافسة، لكنه هو من بدأ. لذا قررتُ المضيّ قدمًا في استفزازه:
“مسألةُ اتخاذك عشيقًا.. سأفكرُ فيها بناءً على سلوكك المستقبلي.”
قلتُ قولي هذا واستدرتُ ماشية، فتبعتني خطواته الثقيلة.
“آنسةٌ لم تُقم مراسم زفافها بعد….”
“همم.”
“وتتحدثُ بالفعل عن اتخاذ عشاق.”
“صحيح.”
مسحتُ ذقني بخفةٍ مقلدةً إياه، متظاهرةً بالتفكير في ردٍ يثير حنقه أكثر.
‘بما أنه لا يحبُ الارتباط بي…’
“إذًا، إن جعلتُك رفيقي الآن، فلن تُسمى عشيقًا، بل مجرد “حبيب”، أليس كذلك؟”
صمت الرجلُ تمامًا وظل يرمقني بنظرةٍ غريبة. وبما أنه سكت…
‘فقد فزتُ هذه المرة أيضًا’
لم أكن أظن أبدًا أنني بارعةٌ في الجدال، فأنا امرأةُ أفعالٍ لا أقوال، لكن يبدو أن الرغبة في الفوز تصنعُ المعجزات.
“يبدو أن لديكِ نيةً حقيقية في اتخاذ حبيب.”
“…….”
“بينما سيادةُ الدوق بعيدٌ يكافحُ في عمله.”
فجأة، شعرتُ وكأنني “حثالة” تخون زوجها المغترب الذي يكدُّ لأجلها.
“سيادته يحمي أمن المقاطعة لأجل عروسه….”
“ألم تقل بالأمس إنك لا تدري إن كان سيحبني أم لا؟”
توقف الرجلُ قليلًا ومسحني بنظراته ببطءٍ شديد، لدرجةٍ جعلتني أشعرُ بشيءٍ من الغرابة. ثم همس بكلماتٍ لفت أذني ببطءٍ أثار القشعريرة في عنقي:
“بدأتُ أعتقدُ أنه قد يحبُّكِ فعلاً.”
“…….”
“بينما هو يعدُّ الأيام شوقًا للقاء عروسه، تفكرُ هي في اتخاذ حبيبٍ بدلاً منه..”
هل أنا حقًا من علّمه أسلوب الحوار المستفز هذا؟!
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"