2.
قبل أن تُقدِّم تلك الخطبة الجريئة، كانت داميا فونتي تواجه ظروفها الخاصّة.
“كبير الخدم، هل تقدّم الكونت فابرون لخطبة لداميا؟”
إذن، هي المحنة المعتادة التي تواجهها ابنةٌ جميلةٌ لعائلةٍ نبيلةٍ على وشك الانهيار، بأن تعتبر رأس المال عائلة.
“نعم، بما أن الآنسة صغيرة، لذا قال إنه حتى لو كانت خطبةً مؤقّتةً فقط، فسوف يقدّم الدعم المالي كلّ عام دون بخل.”
“همم …”
“يعد فارق السن الكبير عائقًا، لكن عائلة الكونت فابرون ثريّةٌ منذ أجيال. والكونت نفسه معروفٌ بأنه رجلٌ نبيلٌ ومهذّب.”
“همم …”
“لا أعتقد أن هناك مَن هو أنسب منه في الغرب.”
نقر والد داميا، البارون فونتي، نقرةً صغيرةً بلسانه.
‘حتّى لو تظاهر بالتردّد الآن، ففي النهاية سيبيعني أبي لهذا الرجل العجوز مرّةً أخرى.’
تمتمت داميا بين أسنانها وهي تعيد تذكّر ذكريات حياتها السابقة.
كان الكونت فابرون، الذي كان يتظاهر بالنبل أمام الجميع، في الحقيقة شخصًا فطيعًا لا يُوصف.
كانت حياتها الزوجيّة معه مليئةً بالإذلال والمهانة اللامتناهية.
‘لا يمكنني أن أُباع كزوجةٍ ثانيةٍ لهذا الكونت بغباءٍ كما حدث في الحياة السابقة.’
حتى لو عادت إلى جسد طفلةٍ في الثالثة عشرة غير قادرةٍ حتى على الهروب ليلاً.
“حسنًا، هل العمر عيبٌ كبيرٌ حقًّا عند الرجال؟ ما الذي يهمّ أن كان يقدّم الدعم الماليّ؟”
‘لا، إنه عيبٌ كبيرٌ جدًّا! أنا في الثالثة عشرة فقط، وهو في عمر أبي تقريبًا!’
لم تعد تستطيع أن تجلس مكتوفة الأيدي وتستمع بصمتٍ أكثر. هذه المرّة لن تمشي بهدوءٍ إلى ذلك الجحيم.
“أبي.”
كبحت داميا اشمئزازها بصعوبةٍ ورسمت ابتسامةً رقيقة.
“هل تعقد الآن اجتماعًا أمام عينيّ مباشرةً لتبيعني لذلك العجوز المنحرف؟”
“داميا، ما طريقة الكلام هذه؟ ومنحرف؟ الكونت فابرون معروفٌ بأخلاقه العالية!”
“رجلٌ يضع عينه على فتاة في الثالثة عشرة لتكون زوجته الثانية، هل هو في وعيه حقًّا؟”
“هل تعتقدين أن الوصول إلى لقب الكونتيسة فابرون أمرٌ سهل؟ كا زلتِ صغيرة، لذلك لا تفهمين، لكن هذه فرصة العمر بالنسبة لكِ.”
رفعت داميا جانبًا واحدًا من شفتيها.
لمعت عيناها البنفسجيتان ببرود، فارتجف البارون فونتي وكبير الخدم.
“حتّى لو نشأتُ بدون أمٍّ وكنتُ أجهل أمور الدنيا مقارنةً بمَن هم في سنّي …”
“دـ داميا!”
“لستُ غبيّةً إلى درجة أن أفرح بأن أصبح زوجةً ثانيةً لعجوز.”
حسنًا، داميا في حياتها السابقة كانت فعلاً بهذا الغباء.
كانت طفلةً تطيع أباها في كلّ شيءٍ من أجل أن تُحَبّ.
حتى ابتسمت بفرحٍ عندما طلب منها ذلك العجوز أن تعيش في منزله قبل الزواج.
‘لأنّ القصر الفخم بدا كقلعة أميرة، ولأن أبي كان سعيدًا.’
عندما بلغت سنّ الرشد، كان أبوها قد حصل بالفعل على مبلغٍ كبيرٍ من الكونت.
حينها، حتى وإن لم ترغب بذلك، لم يكن أمامها خيارٌ سوى أن تُجرّ إلى قاعة الزفاف وهي ترتدي طرحة.
هكذا كانت في حياتها السابقة.
و …
أغمضت داميا عينيها بقوّةٍ دون وعي.
مجرّد التفكير في ذلك الزواج البائس جعلها تشعر الغثيان.
“لن أتزوّج الكونت.”
أخذت نفسًا عميقًا وتحدّثت بحزم.
عمّ الصمت البارد قاعة الطعام القديمة في منزل البارون.
“آنستي داميا، لم أكن أُريد إخباركِ بهذا … لكنّ ديون عائلة البارون ثقيلةٌ للغاية.”
“…..”
“قد لا يأتي عرض زواجٍ جيّدٍ كهذا مرّةً أخرى.”
أومأ الأب برأسه مُوافقًا على كلام كبير الخدم الحذر.
لم يكن مخطئًا. في الحياة السابقة، انهارت عائلة فونتي فعلاً.
‘هذه المرّة سأمنع ذلك بأيّ طريقة.’
لمعت عينا داميا البنفسجيتان بعزيمةٍ واضحة.
“لا تقلق، أبي. سأجد خطيبًا جديدًا، أفضل بكثيرٍ من الكونت فابرون.”
ما إن عادت إليها ذكريات حياتها الماضية، حتى تفقّدت حديقة الزهور خلف القصر.
كلّ شيء كان كما هو.
حتّى تلك الأعشاب البنفسجيّة البرّيّة التي كانت مُهمَلةً وتنمو عشوائيًّا.
“أنتِ، داميا؟ كيف؟”
كاسيان ساركيس.
في حياتها السابقة، كان ذلك الفتى الوسيم بعيدٌ جدًّا، مرتفعٌ جدًّا، لدرجة أنّها لم تجرؤ حتّى على التفكير به.
‘هذه المرّة سأساعده، وفي المقابل سأحصل على حريّتي.’
بمجرّد أن يختبر كاسيان بنفسه فعاليّة تلك الزهرة البريّة البنفسجيّة -أو بالأحرى، الدواء العشبيّ – لن يتمكّن كاسيان من رفض عرضها أبدًا.
‘في الوقت الحالي، لا أملكُ أيّ دليلٍ يكشف حقيقة الكونت. ولستُ متأكّدةً حتى مما إذا كان والدي سيُفضِّلُني على المال.’
لذلك، لم يكن هناك خيارٌ آخر.
“انتظرا قليلاً فقط. سأعرّفكما قريبًا على خطيبي الجديد.”
تذكّرت داميا جيّدًا كم كانت حياة ذلك الدوق الصغير المثاليّة تنتهي بسرعةٍ في حياتها السابقة.
وكانت تعرف بالفعل طريقةً لتأخير موته المبكّر ولو قليلاً.
‘بعد أن ينتهي كلّ شيء، سأفسخ الخطبة، وآخذ حصّتي وأرحل.’
كانت قد سئمت الزواج، لكن من أجل البقاء والحريّة، كانت مستعدّةً لتحمّل خطبةٍ زائفة.
* * *
“أرى أن الآنسة فونتي دُعِيت أيضًا إلى حفلة الشاي؟”
“وَيحي، هذا قاسٍ. يبدو أنها لم تستطع حتى شراء فستانٍ جديد.”
همست الفتيات الصغيرات، مقلّداتٍ الكبار، وغطّين أفواههنّ بالمراوح.
بجانبهن، كان الفتيان الأغبياء يضحكون وهم يتفحّصون داميا من أعلى إلى أسفل.
سحبت داميا كمّها بسرعةٍ لتغطّي معصمها النحيل المكشوف.
لو كانت حقًّا في الثالثة عشرة، لربّما بكت وانجرحت، لكنها الآن لم تعد تهتمّ بهذا القدر.
“أستطيع سماع كلّ شيء.”
ومع ذلك، لم تكن تنوي الصمت فقط.
ابتسمت داميا برقّةٍ وقالت بصراحة، فاحمرّت وجه الفتيات خجلاً.
على الأقل، بدا أن الفتيات يفهمن معنى الخجل على عكس الفتيان.
‘أين كاسيان؟’
بغضّ النظر عن همهماتهنّ الغاضبة، كان تركيز داميا منصبًّا فقط على كاسيان ساركيس.
كانت الدوقة ساركيس الطيّبة في حياتها السابقة تُقيم حفلات شايٍ للأطفال كثيرًا.
خاصّةً في الصيف القصير المُشرق، كانت تقيم حفلةً تقريبًا كلّ أسبوع.
كانت حلقةً اجتماعيةً صغيرةً للفتيات الصغيرات اللواتي لم يبلغن سن الرشد بعد، وللفتيان الصغار الذين لم يخوضوا غمار الحياة الاجتماعية الحقيقية بعد.
‘نادرًا ما كنتُ أحضُر من قبل، لأنني لم أكن أملك فستانًا لائقًا لأرتديه، ولا أشخاصًا مناسبين لأُكوّن معهم صداقات.’
بعد كلّ ما عاشته في حياتها السابقة القاسية، أصبحت قادرةً الآن على تجاوز مثل هذه الإهانات الصغيرة بثقةٍ وهدوء.
‘ها هو ذا.’
كان هناك فتًى يتّكئ على شجرة الزيلكوفا أمام البحيرة بعيدًا.
في حفلةٍ تُقيمها الدوقة ساركيس، صاحبة الصيت في المجتمع الغربيّ.
الوحيد الذي يستطيع التمدّد بهذه الطريقة المتكبّرة هو كاسيان فقط.
‘رؤية كاسيان ساركيس الحيّ بعد كلّ هذا الوقت …’
بل وأكثر من ذلك، قبل أن يستفحل به المرض، في صورته المثاليّة المتعجرفة تلك.
كلّما اقتربت خطوةً من الفتى، ازداد انقباض نفسها من التوتر.
‘تماسكي. حتّى كاسيان ساركيس العظيم هذا الآن ليس سوى طفل.’
جمعت داميا شجاعتها بصعوبة.
بعد أن ماتت وعادت إلى الحياة، هل ستفشل في إقناع فتًى صغير؟
وعلاوةً على ذلك، تدرّبت مرّاتٍ عديدةٍ لهذه اللحظة بالذات.
كان عليها أن تشرح لكاسيان لماذا يجب أن يكون خطيبها – بأدبٍ وعقلانيةٍ ومنطق.
أوّلاً، تجنّب إثارة نفوره.
“آه …”
لكن في اللحظة التي واجهت فيها كاسيان أخيرًا، تحطّمت كلّ خططها في ثانية.
لأن الدوق الصغير تحت أشعة شمس الصيف كان متألّقًا بشكلٍ مُبهر جدًّا.
‘بالتفكير في الأمر الآن، كنتُ ضعيفةً جدًّا أمام الأشياء الجميلة.’
في حياتها السابقة، اضطُرّت لنسيان ذلك قسرًا بسبب زواجها من العجوز.
شعرٌ أسودٌ حالكٌ يمتصّ كلّ الضوء، عينان حمراوتان كالدم تلفتان النظر فورًا، ملامحٌ خاليةٌ من أيّ عيب.
كان جمالاً أكثر كمالاً من أيّ لوحةٍ شهيرةٍ رأتها داميا في حياتها.
‘لا يمكن لهذا الوجه أن يموت بهذه السرعة. هذه المرّة، لا يمكنني بأيّ حالٍ من الأحوال أن أسمح له بالموت مبكّرًا.’
يجب أن يعيش هذا الكائن المثالي أطول فترةٍ ممكنة، وينقل هذا الوجه الرائع إلى أجيالٍ قادمة.
بسبب شعورٍ قويٍّ بالواجب، نسيت داميا تمامًا كلّ الكلمات التي أعدّتها.
“سأتنبّأ لكَ بشيء. حياة الدوق الصغير اللامعة ستنهار قريبًا.”
ثم، ودون أن تُدرِك، تفوّهت بها.
انتابها شعورٌ غريبٌ باليقين بأن كاسيان سركيس يجب أن يشعر هو الآخر بهذا الخطر.
* * *
“ستشرحين قيمتي في الاستغلال، ثمّ تطلبين منّي أن أكون خطيبكِ؟”
آه، لقد أفسدتُ الأمر. كان يجب أن أشرح بهدوءٍ أكثر.
شدّت داميا زاوية فمها المتشنّجة بقوّة، وحاولت رسم شيءٍ يشبه الابتسامة بجهد.
“ما هذا التعبير؟ هل تسخرين منّي الآن؟”
لا، بالنظر إلى ردّة فعل كاسيان، بدا أن الابتسامة فشلت فشلاً ذريعًا. بل زادت من غضبه.
“لماذا أسخر منك، سيدي الصغير؟ هذا مستحيل.”
كانت ذكرياتها كشخصٍ بالغٍ في الحياة السابقة واضحة، لكن بسبب صُغر الجسد، كان من الصعب كبح الاندفاعات التي ترتفع فجأة.
ومع ذلك، كان كاسيان الذي أمامها فتًى حقيقيًّا، على عكسها.
لا يزال غير ناضج، لا يستطيع إخفاء مشاعره جيّدًا، بل يبدو بريئًا بعض الشيء.
“لقد أخبرتُك. هذه نبوءة.”
في هذه المرحلة، ربما يكون تخويفه وسيلةً أكثر فعاليةً للإقناع.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"