1.
صيف إمبراطورية بيلوتيا القصير والمبهر.
وصل كاسيان ساركيس إلى الميناء، وأغمض عينيه قليلاً تحت أشعة الشمس المنهمرة.
“سيدي الدوق، هل أنتَ بخير؟”
هبّت رياحٌ مالحةٌ وداعبت وجهه المنحوت كالتمثال. رفع كاسيان شعره الأسود المبعثر ببطء.
حتى المارّون توقّفوا للحظة، يحبسون أنفاسهم وهم ينظرون إليه في هذا المشهد الخلاب.
“يقال إن خطيبتي كانت تنوي الفرار اليوم.”
تحدّث كاسيان عن أمره مباشرة، وكأن أنظار الآخرين لا تعنيه شيئاً.
“يبدو أنها كانت تنوي ركوب سفينةٍ متّجهةٍ إلى المملكة.”
هل كانت تحاول الهروب بعد أن قلبت حياته رأساً على عقب؟
أطلق كاسيان نفساً مكبوتاً من بين أسنانه المشدودة.
“هل صعدت إلى السفينة بالفعل؟”
“نعم، سيدي. هل أُحضِرُها إليك؟”
هل كانت تنوي الذهاب إلى ذلك الصديق الطفولي البائس الذي هاجر إلى المملكة؟
حدّق كاسيان في السفينة ثم انفجر ضاحكاً بسخرية.
كانت عيناه الحمراوتان تغليان بالغيرة الواضحة.
“لا، سأذهب بنفسي.”
رسم ابتسامةً على شفتيه المستقيمتين بصعوبة، وكأنه لن يقبل أيّ اعتراض.
* * *
كان الممرّ الضيق أمام الكابينة، قليل المارة، هادئاً ومظلماً بعض الشيء.
وفي هذا المكان الذي لا يليق بها، كانت امرأةٌ تتألّق وحدها.
‘حقاً كانت هنا.’
عضّ كاسيان شفته ليكبح العاصفة التي ترتفع في صدره.
لحسن الحظ أنه وجدها قبل أن يفقدها إلى الأبد، لكن حقيقة أنها كانت تنوي التخلّي عنه فعلاً كانت مدمّرة.
“داميا فونتي.”
التفتت المرأة مذعورةً عند سماع ندائه.
كانت ترتدي عباءةً رثة، وكأنها تحاول إخفاء هويتها.
“ما الذي فاجئكِ هكذا؟ هل ظننتِ حقاً أنني لن أجدكِ؟”
لم يتقدّم سوى خطوتين أو ثلاث، لكنها قد أُحيطت بالجدار بالفعل.
بدت عيناها البنفسجيتان مفتوحتين على وسعهما كعيني أرنب، ربما من الصدمة بوجوده.
ومع ذلك، شعر هو نفسه بالسخافة لأنه وجد هذا المنظر لطيفاً.
“السيد الشاب … لا، سيدي الدوق. ما الذي أتى بكَ إلى هنا بالضبط …؟”
“وما الذي سيأتي بي؟ جئتُ لأُحضر خطيبتي التي هربت قبل الزفاف.”
“زفاف؟ هل كنتَ تنوي حقاً الزواج مني؟”
“ماذا؟”
ارتجفت عينا كاسيان للحظة أمام هذا السؤال المفاجئ.
“هروب؟ ما الذي فعلتُه حتى أهرب هكذا؟”
ربما لم تكن تنوي الهروب فعلاً؟
شعر كاسيان ببصيص أملٍ يتسلّل إلى قلبه.
“أنا فقط … أُغادر. من أجل بدايةٍ جديدة.”
لكن الصدمة التي كأنها ترميه في الهاوية عادت فوراً.
“… وبدايتكِ الجديدة لا مكان لي فيها؟”
“ماذا؟”
ردٌدت داميا مذهولة.
“هذا … لا، على أيّ حال، ألا يجب أن تنزل بسرعة؟ ماذا لو أبحرت السفينة؟”
“لا تغيري الموضوع، داميا. متى كنتِ تقبلين الخطبة بكلّ سرور، وفجأةً مللتِ مني؟”
“لمَ هذا فجأة؟ طوال فترة العقد لم تُبدِ تجاهي أيّ اهتمامٍ على الإطلاق!”
نظرت داميا حولها بتوتر ثم همست بصوتٍ منخفض، وكأنها تشعر بالظلم فعلاً.
“ألم تُعطِني العقد بنفسكَ محذّراً من الخلط بين الودّ والحب؟ ألم تؤكّد مراراً أن هذه الخطبة مجرّد صفقة؟”
لم يكن كلامها خاطئاً تماماً، فخفّت حدّة غضبه قليلاً.
في تلك اللحظة، انفلتت خصلةٌ من شعرها الفضي الناعم من تحت العباءة وتراقص مع الريح.
كلّما تحركت داميا، انتشر عبيرها الحلو المميز. كاد عقله الذي تمسّك به بصعوبةٍ أن ينفلت.
“إذن، ما هي تلك البداية الجديدة في المملكة؟ هل تنوين الذهاب إلى ذلك صديق طفولتكِ ذاك …؟”
ابتلعت داميا نفساً قصيراً وأشاحت بنظرها.
رد فعلٍ غير معتادٍ من خطيبةٍ كانت دائماً تواجه نظراته الباردة بعيونٍ ثابتة.
“يبدو أن هذا كان نيتكِ فعلاً؟”
“لا، أنا…”
انفلت من كاسيان ضحكةٌ تشبه التنهيدة.
لو فقدها الآن، لفضّل أن يركع ويتوسّل إليها ألّا تتركه.
مع أنه لم ينحنِ رأسه لأحدٍ منذ ولادته.
لكنه خاف أن تكرهه داميا إلى الأبد لو فعل ذلك.
“ألم تقولي إنكِ تحبّينني؟ إنكِ تحبّينني لدرجة أنكِ مستعدةٌ للبقاء بجانبي حتى لو متُّ قريباً؟”
“ذلك …”
“منذ متى قررتِ المغادرة؟ هل آذاكِ أحد؟ أم أنني فعلتُ شيئاً خاطئاً؟”
“ليس هذا السبب.”
“…إذن، هل كنتِ تنوين المغادرة منذ البداية؟”
“لا، هذا… لم يكن من المفترض أبداً أن يقع سيدي في حبّي هذه المرّة أيضاً …”
تمتمت داميا بكلامٍ غامضٍ وهي مشوّشة، لكن كاسيان لم يشعر بالتناقض.
كان يحدّق فقط في عينيها البنفسجيتين المرتجفتين بشفقة.
شفتاها المتحرّكتان باستمرارٍ لم تستطيعا في النهاية أن تنفيا أو تبرّرا شيئاً.
“هاا …”
بهذا الرّد، أصبح الأمر واضحاً اليوم. كان يعشق خطيبته طوال الوقت دون أن يدري.
بين حبٍّ متأخّرٍ اكتشفه بصعوبة، وبين شعورٍ بالخيانة المُبالَغ فيه تجاه داميا، شعر أنه ضلّ الطريق.
كلّما تذكّرها، كان نفسه يرتعش. قضى ليالٍ كثيرةٍ مستيقظاً بسبب مشاعر لا يريد الاعتراف بها.
“داميا، لا يمكنكِ المغادرة.”
اختفى الفتى المتعجرف، وبقي رجلٌ يبدو يائساً بشكلٍ خطير.
“مهما كانت دوافعكِ لخطبتي، ليس لديّ نيّةٌ لترككِ أبداً.”
“سيدي، عقدنا قد انتهى بالفعل.”
تحدّثت داميا بصرامة، وكأن الندم الآن لا ينفع.
لم يتوقّع أن ذلك العقد الطفولي سيظلّ يقيده حتى الآن.
“حتى لو كان شفقة، لا بأس.”
“ماذا؟”
“إذا أردتِ أن أتوسّل، سأتوسّل. بل سأفعل أيّ شيءٍ تأمرين به. فقط لا تتخلّي عني، أرجوكِ.”
في النهاية، توسّل كاسيان بطريقةٍ مُخجِلة.
شحب وجه داميا كشخصٍ نسي التنفس.
“سيدي، كنتَ تراني مصدر إزعاجٍ بالتأكيد. فلماذا الآن …؟”
كان هواء الصيف الحارّ يضغط على صدره، لكنه لم يكن مؤلماً بقدر تعبيرها المحتار.
نعم، اليوم الذي التقيا فيه أوّل مرّة كان صيفاً مُشرِقاً كاليوم، في الخامسة عشرة من عمره.
* * *
“سأتنبّأ لكَ بشيء. حياتكَ اللامعة ستنهار قريباً.”
“… ماذا؟”
كان الفتى البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، كاسيان ساركيس، يتّكئ على شجرةٍ بهدوءٍ يتأمّل البحيرة، فعبس حاجباه المستقيمان.
“وبدلاً من ذلك، سأرفعكَ من جديد. الحقيقة أنني أحبك، سيدي الصغير.”
شعرٌ فضيٌّ يصل إلى خصرها، عينان زرقاوتان تلمعان كالجواهر. وجهها الطفولي الجميل كالدمية، لكنها كانت نحيفةً بشكلٍ يثير الشفقة.
ورغم اعترافها المفاجئ والناضج جداً، بدت هادئةً للغاية.
“آه، أنا داميا من عائلة بارون فونتي. عائلتي متواضعةٌ جداً، وأنا نفسي لم أكن ملحوظةً أبداً، لذا ربما لا تعرفني.”
حتى تقديم نفسها المتأخّر كان غريباً.
‘ما هذا الكلام … هل هي طريقةٌ جديدةٌ لجذب الانتباه؟ لقد أصبحوا يجرّبون كلّ شيء.’
كانت كلّ فتيات إمبراطورية بيلوتيا يحاولن لفت انتباه كاسيان بشتى الطرق الغريبة.
كان كاسيان على وشك السخرية منها وطردها،
لكن داميا فونتي ابتسمت بهدوء، وكأنها توقّعت ردّ فعله.
“لقد تلقّيتَ بالفعل موعد وفاتك، أليس كذلك؟”
“…ماذا، ماذا قلتِ؟”
كانت كلمةً واحدةً كافيةً لتجميد جسده كلّه.
“ما هذا الهراء الذي تقولينه؟”
“للأسف، ردّكَ جاء متأخّراً بلحظة، سيدي الصغير.”
تنهّدت داميا بخفّةٍ ورفعت كتفيها.
“لا داعي لإخفاء شيءٍ عني. أنا في صفّك.”
رغم أنها تبدو أصغر منه بسنوات، إلّا أن نظرتها كانت كمَن ترثي أخاً صغيراً.
“من أين سمعتِ هذا الكلام …؟”
بدت عيناه الحمراوتان وكأن شرراً يتطاير منهما.
لو كانت فتاةً عادية، لانهارت باكيةً من هذا التوبيخ الحاد، لكن داميا بدت هادئةً تماماً.
“إذًا، دعني أشرح لكَ قيمتي الآن.”
“هل تظنّين أنكِ ستنجين بعد قول هذا الكلام لي؟”
“كُن خطيبي بدلاً من ذلك.”
كان كاسيان ساركيس، الوريث الوحيد لعائلة دوق ساركيس، يعيش حياةً مثاليةً كالصورة.
حتى ذلك الصيف في عمر الخامسة عشرة، حين اكتشفت ابنة البارون غير الملحوظة سرّه الأعظم، واقترحت عليه خطبةً مفاجئة.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"