“إنها تخرج كل صباح بكامل زينتها، أليس كذلك؟ وفوق ذلك تعود بمظهر مبعثر! لقد أغويتُ عزيزي بتلك الطريقة تماماً، ألم تلاحظي ذلك أبداً؟”
“حسناً، لعلّ عزيزي أدرى بشؤون النساء لقد كان إصرار تلك المرأة على مرافقة ابنة الدوق غريباً منذ البداية وبعد سماع كلامك، يبدو أنها تطمح لتكون عشيقة الدوق عليها أن تعرف قدر نفسها.”
“أخيراً فهمتِ ما أعنيه ذلك الفارس لم يختلق القصص من فراغ ألم يتهافت عليها الصحفيون لأنها كانت تتصرف بغنج ودلال؟”
هـه ، يا له من أمر مثير للسخرية.
إن مقهى آريا الذي استقر حديثاً في شارع ساترن يعتمد مفهوم المقهى الفاخر ، الموظف إيريك هناك يرتدي حلة رسمية كاملة لاستقبال الزبائن، فكيف لي أن أذهب مرتدية أي شيء؟
وبما أن المال بدأ يتدفق إليّ بوفرة، فقد اشتريتُ عدة فساتين محتشمة تليق بالنشاط في شارع ساترن وتحافظ على الرسمية.
وبما أننا في بداية الربيع، كانت الفساتين ساترة تصل إلى أعلى الرقبة، ولكن…
‘وفوق ذلك، أنا دائماً ما أركض لأنني أشتاق لرؤية إيلودي بسرعة، لذا من الطبيعي أن تتبدد أناقتي ويضطرب مظهري! لو كنتُ حقاً أخطط لإغراء أحد، لكنتُ فعلتُ العكس واعتنيتُ بهندامي أكثر لأبدو في أبهى صورة.’
قطبتُ حاجباي.
شعرتُ وكأن قطع الأحجية بدأت تترتب في رأسي.
‘هذا يعني أنهم استصغروني.’
ليس لأنني أخطأتُ في التصرف، بل لأنهم كانوا ينظرون إليّ بنظرة متحيزة حتى قبل أن أطأ قدماي قصر الدوق هذا.
ولعل هذا هو السبب الذي جعلهم يتفوهون بافتراءات لا يمكنني حتى ذكرها أمام إيلودي.
‘لقد استهنتُ بوضع القصر كثيراً.’
إيلودي هي ابنة الدوق.
وأنا وصية الابنة الوحيدة لعائلة الدوق ظننتُ أنني سأحظى بالاحترام إن لم أحظَ بالترحيب، لكنني كنتُ حمقاء.
ومع ذلك، فكرتُ أنه من الأفضل أن أتوخى الحذر من أجل إيلودي… ولكن.
يبدو أن السيدة ديفاكا قد قالت شيئاً ممتعاً، فقد ضحكت إيلودي بصوت عالٍ.
“أوه، هؤلاء الأوغاد الصغار… ضجيجهم يكاد يقتلني.”
“هل أرسلكِ إلى الفيلا؟ العمل هناك مريح والراتب أعلى.”
“لا يهم إذا ذهبتُ فلن أتمكن من رؤية عزيزي، وأنا أكره ذلك.”
“يا لكِ من امرأة…”
تلى ذلك صوت قبلات، مما جعلني لا أحتاج للتأكد مما يفعلانه تيبست ملامح وجهي تلقائياً.
ليس لأن المنظر مقزز، بل لسبب آخر.
‘حتى إيلودي تتعرض للإهانة.’
إذا فكرتُ في الأمر، فهذا منطقي إنهم يكرهونني ويكرهون الأطفال الذين دعوتهم وبالطبع، سيزدرون إيلودي التي تنسجم معهم وتلتصق بي كظلي.
‘يجب أن أحل هذا الوضع من أجل إيلودي أيضاً.’
كززتُ على أسناني بقوة.
في اللحظة التي مسوا فيها إيلودي، كان الأمر كمن ألقى عود ثقاب مشتعل في كومة قش.
‘يكرهون الأطفال لأنهم مزعجون؟ سأحرص على ألا يقتربوا من أطفالنا طوال حياتهم.’
لكن، ورغم غضبي، لم تكن لدي نية لمواجهتهم فوراً أو الوشاية بهم لدى الدوق فانيش فالمواجهة في الموقع لن تؤدي إلا لحفر قبري بيدي، أما الوشاية للدوق…
‘قد يطرد الدوق بضعة خدم، لكن ذلك لن يجعلهم في صفي بل على العكس، سيؤدي لنتائج عكسية.’
انتظرتُ حتى اختفت أصوات الهامسين في نهاية الممر تماماً، ثم خطوتُ ببطء داخل غرفة ألعاب الأطفال.
“آريا!”
هتفت إيلودي بفرح وقفزت نحوي لتعانق عنقي.
احتضنتُ هذا الكائن الصغير الرقيق الذي لا ينظر إلا إليّ، وتعاهدتُ في نفسي.
مهما حدث، أنا وصية إيلودي.
ومن أجل حماية هذه المكانة، سأحارب بكل ما أوتيتُ من قوة، مستخدمةً مخالبي وأسناني.
****
حانت الفرصة سريعاً.
ربما بسبب ركضها طوال اليوم، سقطت إيلودي في نوم عميق فور انتهائها من تناول العشاء نتيجة الإرهاق في المعتاد، كان هذا مشهداً يدعو للابتسام، لكن ملامح فمي كانت متصلبة تماماً.
سألتُ دون أن أحيد بنظري عن إيلودي
“سونيا، هل أنتِ مشغولة جداً الآن؟”
“أبداً كيف يمكنني مساعدتكِ، آنسة بيرتين؟”
التفتت سونيا، التي كانت ترتب خزانة ملابس إيلودي، نحوي على الفور.
أخرجتُ صندوقاً صغيراً من الدرج الموجود بجانب السرير.
“ليس هناك خطب ما، لكن لدي هدية أريد منحكِ إياها يا سونيا.”
“هـ.. هدية لي؟”
اتسعت عينا سونيا الخادمة، التي رغم كونها بالغة إلا أنها لا تزال تحتفظ بملامح الصبا، لم تستطع إبعاد نظريها عن الصندوق الصغير المغلف بورق فاخر.
“نعم.”
أومأتُ برأسي.
“إنه أمر بسيط حقاً، كنتُ أتجول في المنطقة التجارية وتذكرتكِ فاشتريته خذيه دون تشعر بالارتباك.”
“هذا كرم منكِ، ولكن…”
ترددت سونيا في كلامها.
يبدو أنها كانت في صراع مع نفسها؛ فمن المعتاد أن تتلقى الخادمة هدايا من سيدها، أما أنا فكنتُ مجرد ضيفة في هذه العائلة، ولستُ واحدة منهم.
بل وضيفة من عامة الشعب أيضاً من المؤكد أنها تعتقد أن إمكانياتي المادية ليست بوفيرة كحال النبلاء حسناً، هذا صحيح، ولكن…
‘لستُ فقيرة لدرجة تمنعني من شراء هدية تسعد خادمة صغيرة.’
لم تكن لدي نية لتصحيح سوء فهم سونيا، فكلما زاد امتنانها لي، اقتربت خطتي من النجاح.
شهقت سونيا حين فتحت الصندوق.
“هذا منديل من صنع مدام باري! يا إلهي…”
“هل أعجبكِ؟”
“بالتأكيد!”
رفعت سونيا صوتها، ثم سرعان ما احمرّ وجهها خجلاً.
“شـ.. شكراً لكِ كنتُ دائماً أكتفي بالنظر فقط لمتجر مدام باري، ولم أحلم يوماً بأنني سأمتلك منديلاً من هناك…”
ابتسمتُ ابتسامة هادئة.
كان من السهل ملاحظة أن سونيا نشأت في عائلة فقيرة، وربما دفعها ضيق الحال للعمل كخادمة في سن مبكرة.
وفي مثل هذه الظروف، تكون لهذه الهدايا البسيطة قيمة عظيمة.
‘فساتين مدام باري باهظة، لكن المناديل سعرها معقول.’
ومع ذلك، فإن اقتناء منديل فاخر كان يعتبر من مظاهر الترف؛ لأن المنديل قطعة تستهلك بسرعة، وشراؤه من مشغل أزياء راقٍ هو تصرف لا يقوم به إلا الأثرياء، فما بالك بإهدائه.
ظهر الأثر سريعاً سونيا، التي لم تكن تبادر بالحديث أبداً، بدأت تثرثر بعفوية.
“آنسة بيرتين، هل زرتِ مشغل الأزياء الجديد؟”
“لقد غنت ابنة الدوق اليوم بشكل لطيف جداً! كان عليكِ سماعها.”
“لقد تلقيتُ مديحاً من رئيس الخدم اليوم يبدو أنني بدأتُ أتحسن في عملي، أليس كذلك؟”
بصراحة، كان الاستماع لحديث سونيا ممتعاً كانت فتاة طيبة ونقية ومجتهدة، والتقرب منها كان مكسباً لم أخطط له.
أهديتها قفازات من جلد العجل ورباط شعر من الدانتيل، ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأ حديثها يتجه نحو ما كنتُ أصبو إليه.
“الجميع يحسدني! في الواقع، منذ أن غادرت السيدة الكبيرة للاستجمام، أصبحت جميع الخادمات مسؤولات عن الأعمال الشاقة أما أنا، فبما أنني الخادمة الخاصة لابنة الدوق وللآنسة بيرتين، ولأنكِ تعاملينني بلطف شديد…”
بالضبط لقد أصاب توقعي في الحقيقة، كرههم لي لم يكن مبنياً على شيء ملموس.
سوء معاملتي لرئيس الخدم إيريك؟ وماذا في ذلك؟ لم يرني أحد وأنا أغضب عليه فعلياً، بل إن علاقتي بإيريك كانت جيدة جداً منذ عودتنا لذا، كانت سونيا هي الوحيدة التي ستنشر صورتي الحسنة بينهم.
“أنا ممتنة لأن سونيا تتعب كثيراً، خاصة وأن إيلودي أصبحت تتطلب جهداً أكبر…”
رغم أن السيدة ديفاكا كانت وصية إيلودي في غيابي، إلا أن التقصير كان واضحاً أحياناً كنتُ أعود لأجد إيلودي تبكي بحرقة، وكانت سونيا تقف بجانبها عاجزة ومرتبكة.
“هذا بسبب نقص خبرتي، سأبذل جهداً أكبر لأتقرب من ابنة الدوق.”
قالت سونيا ذلك بحزم كأنها تعاهد نفسها.
“سأهتم بالتنظيف أكثر أيضاً، فكلما انتهيتُ بسرعة، زاد وقتي مع ابنة الدوق.”
هذه هي اللحظة المنشودة لم أضيع الفرصة.
“سونيا، أليس من المرهق أن تقومي بكل أعمال التنظيف الشاقة وحدكِ؟”
“لا بأس، يجب علي فعل ذلك.”
تنهدت سونيا
“ليس هناك غيري، والبقاء بجانبكما أمتع بكثير من مجرد القيام بالأعمال الشاقة.”
“أعتقد أنه لا داعي لأن تقومي بالتنظيف بعد الآن يا سونيا.”
فتحت سونيا عينيها على وسعهما.
“ولكن هذا عملي!”
ابتسمتُ بخفة.
“هذا هو الوضع حالياً ولكن، ماذا لو زاد عدد الزملاء الذين يساعدونكِ في مهامكِ؟ هل سيظل الأمر مرهقاً حينها؟”
من نظرة عيني سونيا، أدركتُ أن الإقناع بدأ يؤتي ثماره كتمتُ ضحكتي؛ قريباً سيكون لي حلفاء في هذا القصر البارد.
التعليقات لهذا الفصل " 43"