بالطبع، كما كان متوقعاً، غمرت السعادة السيدة ديفاكا حين علمت بقرار الدوق الذي يسمح لها بالبقاء بالقدر الذي ترغب فيه.
ومع ذلك، لم يكن من الصعب أبداً رصد مسحة القلق في نظراتها وهي تمسك يدي وعيناها مغرورقتان بالدموع.
“هل يمكنني حقاً البقاء هنا دون أن أفعل أي شيء؟ أخشى أن أكون عبئاً عليكِ يا الآنسة بيرتين…”
“لقد قال سيادة الدوق إن الأمر لا بأس به وعلاوة على ذلك، انظري إلى إيلودي، إنها تستمتع بوقتها كثيراً باللعب مع طفليكِ إن كان الأمر يؤرقكِ حقاً، فاعتبري وجودكِ هنا بصفتكِ رفيقة لإيلودي في لعبها.”
لكن ملامح السيدة ديفاكا لم تشرق أبداً
“رفاق سمو الأميرة في اللعب هم الأطفال، ولستُ أنا.”
“حسناً، اعتبري نفسكِ إذن وصيةً على رفاق سمو الأميرة.”
“ولكن…”
قطعتُ حديث السيدة ديفاكا قبل أن تبدأ في لوم نفسها مجدداً فهي المرأة التي ساعدتني عدة مرات وكانت بمثابة المنقذة لي، ولم أكن أرغب في رؤية الشخص الذي سيقيم معي في قصر الدوق ويصبح صديقاً مقرباً لي وهو يعاني من عذاب الضمير أكثر من اللازم.
“سيدتي، هل أخبركِ بحقيقة واحدة؟”
أومأت السيدة ديفاكا برأسها بحذر
“في الواقع، لقد أصر الدوق فانيش بشدة على وجوب بقائكِ في القصر براحة تامة.”
“حقاً… هل هذا صحيح؟”
تعلثمت السيدة في حديثها، فأكدتُ لها
“نعم ، حتى إنه سألني مستنكراً عما إذا كان يبدو شخصاً قاسي القلب لدرجة طرد امرأة وأطفال ليس لهم مأوى.”
صمتت السيدة ديفاكا لفترة، وكأن مشاعرها الجياشة قد غلبتها ولم تعد قادرة على النطق.
“… الآنسة بيرتين.”
ثم نادتني بصوت مخنوق بالبكاء وكأن الغصة تقف في حنجرتها.
“شكراً لكِ.”
رمشتُ بعينيّ بدهشة؛ فأنا لا أتذكر أنني فعلتُ شيئاً يستحق الشكر، فكل ما حدث كان قراراً من ثيودور فانيش وحده.
“وجهي الشكر لسيادة الدوق.”
“سأفعل ذلك بالطبع، ولكن…”
انزلقت نظرات السيدة ديفاكا فوق ملامح وجهي
“لولاكِ يا الآنسة بيرتين، لما علم الدوق بظروفنا أبداً بل ولما أتيحت الفرصة لأطفالي من الأساس للاجتماع بسمو الأميرة لذا، يا الآنسة بيرتين…”
في تلك اللحظة، زادت قبضتها قوة على يدي التي كانت تمسكها بخفة.
“تذكري هذا جيداً؛ يوماً ما، إذا كان هناك أمر يمكنني مساعدتكِ فيه… فسأفعل ذلك بكل تأكيد.”
لم أستطع النطق بكلمة في تلك اللحظة.
بالطبع كانت هناك أشياء كثيرة أود قولها؛ مثل أن الأمر لا يستدعي كل هذا الشكر، أو أنني لم أفعل شيئاً، أو أن ثيودور فانيش كان كريماً بشكل غير متوقع وسمح لكم بالبقاء…
ولكنني أدركتُ أن أي كلمة من هذه لن تهدئ روع السيدة ديفاكا أو تطمئن قلبها القلق، لذا اكتفيتُ بالإيماء برأسي في صمت، آملةً أن تكون هذه الإيماءة البسيطة كافية.
“أنا ممتنة لكِ حقاً.”
تمتمت السيدة ديفاكا وهي تدفن وجهها بين كفيّ شعرتُ ببلل دموعها، لكنني لم أنطق بكلمة، بل وقفتُ أنظر إليها بصمت؛ أو بالأحرى بل لم يكن بوسعي فعل شيء آخر؛ فقد كنتُ أشعر، ولو بشكل مبهم، بذات المشاعر التي كانت تجتاح قلب السيدة ديفاكا في تلك اللحظة.
“شكراً لكِ… شكراً جزيلاً، يا الآنسة بيرتين.”
****
تأقلم بول و كاندي و السيدة ديفاكا سريعاً مع الحياة في قصر الدوق بانيش. وبدوري، بدأتُ أستمتع بروتيني اليومي معهم، وكان من المشجع حقاً أن إيلودي لم تعد تتبعني كظلي في كل مكان.
فمنذ انتقالنا للقصر، كانت إيلودي لا تفارقني أبداً، ربما بسبب تغير البيئة من حولها.
لكن الوضع تبدل تماماً بعد وصول عائلة ديفاكا؛ إذ لم يعد لزاماً عليّ رعاية إيلودي وإدارة المقهى في آن واحد.
‘في السابق، كانت تتشبث بساقي وعيناها تفيضان بالدموع إن لم آخذها معي إلى المقهى…’
لا يعني هذا أنني لم أشتق إليها، بل على العكس؛ فعدم رؤيتي لها طوال النهار جعلها أغلى على قلبي، وزاد من مودة لقائنا.
وكما هي عادتي، فور انتهائي من العمل في المقهى، ركضتُ مباشرة إلى القصر.
اقتربتُ من نافذة غرفة الألعاب والابتسامة ترتسم على وجهي، أتفقد حال الأطفال والسيدة ديفاكا؛ ومن خلال فرجة الباب التي تُرِكت مفتوحة قليلاً، تناهى إلى مسامعي صوتٌ مفعم بالحماس.
“كاندي أمشكتها أولاً! ليشت للأميرة لودي!”
صاحت كاندي، التي تصغر إيلودي بعام واحد، بكلمات مخارجها غير واضحة تماماً.
كانت لا تزال صغيرة لدرجة أنها تجد صعوبة في نطق اسم إيلودي فتناديها لودي، ويبدو أن إيلودي أحبت هذا اللقب كثيراً طبعاً، ذعرت السيدة ديفاكا من جرأة ابنتها، ولكن مَن قد يلوم طفلة صغيرة لا تزال تتعثر في حروفها؟
“كاندي، أعطني إياها لقد رأيتُ سمو الأميرة تمسكها أولاً.”
استعاد بول الكرة من كاندي بحزم ارتبكت إيلودي وحركت أصابعها الصغيرة بتوتر
“لا بأس إن احتفظت بها كاندي…”
“لكنها القواعد.”
هز بول رأسه معترضاً بول، الذي يحلم بأن يصبح حارساً في المستقبل، كان لديه هوس شديد باتباع القواعد.
كانت السيدة ديفاكا تبدو قلقة في كل مرة يتحدث فيها بول عن القواعد أمام إيلودي، لكنني كنتُ أطمئنها بأن هذا أمر جيد؛ فأنا أريد لـإيلودي أن تنشأ سعيدة، لا أن تصبح طفلة متمردة تظن أن بإمكانها الحصول على كل ما تشتهيه وأعتقد أن الدوق فانيش يشاطرني الرأي ذاته.
“الآن، دور سمو الأميرة في رمي الكرة.”
“كـ، كيف أفعل ذلك؟”
نظرت إيلودي إلى الكرة بوجه يمتزج فيه التوتر بالارتباك.
“هكذا.”
قدم بول عرضاً توضيحياً، لكن إيلودي فشلت في إدخال الكرة في السلة رغم محاولاتها وبعد عدة محاولات، هزت إيلودي رأسها واستسلمت وهي تسلم الكرة لـبول.
كانت ملامحها وهي تعقد حاجبيها بإحباط لطيفة جداً.
“… هذا صعب.”
“لا يجب أن تمسكي الكرة هكذا انظري، اجعلي إبهامكِ يتجه بهذا الشكل…”
استمعت إيلودي لشرح بول بتركيز شديد، ثم رمت الكرة نحو السلة بحذر.
رسمت الكرة قوساً منخفضاً في الهواء، وارتطمت بحافة السلة ثم دارت حول نفسها وتوقفت للحظة خيم سكون تام على المكان، وكأنها لحظة حبست أنفاس الأطفال من شدة التوتر وبعد ثوانٍ معدودة، مالت الكرة قليلاً واستقرت داخل السلة.
“وااااااه!”
تعالت صيحات الأطفال وتصفيقهم بحرارة.
“لقد أحسنتِ صنعاً حقاً، يا سمو الأميرة!”
حتى السيدة ديفاكا أثنت عليها بابتسامة عريضة.
“لقد ساعدني بارامي في إدخال الكرة.”
هزت إيلودي كتفيها بزهو رؤية فخرها بنفسها جعلتني أبتسم وأشعر بالبهجة أيضاً.
“بارامي؟ من هذا؟”
بدا الذهول على وجه بول، فأجابت إيلودي بكلمات غامضة
“بارامي… هو النسيم. مجرد نسيم!”
وبعد كلامها الغامض هذا، سلمت الكرة لـكاندي
“الآن دور كاندي.”
كنتُ على وشك الدخول ومشاركتهم المرح، حين سمعتُ صوتاً غريباً من مسافة لا تبعد أكثر من عشر خطوات.
“لا أدري متى سيرحل هؤلاء الأوغاد الصغار المزعجون.”
ماذا؟ لم أصدق ما سمعته أذناي، لكن سرعان ما جاء الرد على ذلك الكلام القبيح.
“استسلمي يا يوهانا لقد منحهم سيادة الدوق الإذن بالبقاء إلى ما لا نهاية، فهل سيعودون أدراجهم وهم بهذا الجنون؟ سيظلون هنا عالةً حتى يوافيهم الأجل.”
ضغطتُ على شفتيَّ بقوة من شدة الغيظ.
كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها صوت المرأة المدعوة يوهانا، لكن صوت الشخص الذي كان يحاورها كان مألوفاً لدي.
‘بالتأكيد، إنه أحد المساعدين الذين يعملون تحت إمرة إيريك.’
قالت يوهانا بنبرة تشي بأن غيظها لم يهدأ بعد
“لو كانوا يعرفون قدرهم لما فعلوا ذلك حسناً، بالنظر إلى تلك المربية…”
“عزيزتي، توخي الحذر هل نسيتِ ما حلَّ بـإيريك؟”
رغم تحذير عشيقها، لم تزد يوهانا على أن أطلقت ضحكة ساخرة
“آه، معذرةً.. كنتُ أقصد فقط أنه حين نرى تلك الوصية التي تتصرف بغرور وكأنها سيدة المكان وهي لا تعرف قدر نفسها، فمن الطبيعي أن نتوقع أن يكون هؤلاء الصغار وأمهم القادمون من تلك القرية الريفية من الطينة ذاتها.”
تردد صدى ضحكاتهما العالية في الرواق، وشعرتُ وكأن الدماء قد تجمدت في عروقي.
سأكون كاذبة لو قلتُ إنني لم أشعر بتلك الأجواء العدائية تجاهي طوال الفترة الماضية.
فمنذ لقائي الأول بـإيريك والأمور تسير من سيء إلى أسوأ، ولم يكن من المتوقع أبداً أن أترك انطباعاً طيباً لديهم وأنا أُسخّر رئيس خدمهم للعمل تحت إمرتي دون مقابل.
ولكن، حتى وإن كانوا يكرهونني، فإن التحدث بسوء عن السيدة ديفاكا والأطفال هو أمر…
‘هذا أيضاً كان متوقعاً.’
أدركتُ ذلك فجأة؛ فما دمتُ أنا من استدعيتهم، فسيظل ينظر الجميع إلى السيدة ديفاكا وأطفالها على أنهم ضيوف غير مرغوب فيهم للأبد.
‘لقد أخطأتُ في ترتيب الأمور منذ البداية.’
هل كان عليّ ألا أتعامل بصرامة مع إيريك؟ كنتُ أظن أنه لا يمكن لأحد أن يحمل ضغينة تجاه إيلودي بما أنها الأميرة ووريثة هذه العائلة، لكنني كنتُ مخطئة تماماً.
ومع ذلك، لا ينفع الندم في استعادة ما مضى.
وعلاوة على ذلك…
“تلك المرأة، من الواضح تماماً أنها تحاول إغواء سيادة الدوق.”
التعليقات لهذا الفصل " 42"