أخذت السيدة ديفاكا نفساً عميقاً مضطرباً ابتسمتُ بمرارة لرؤية تعابير وجهها التي كشفت بوضوح أنني أصبتُ الحقيقة.
“لا تقلقي، فأنا لا أسعى لإلقاء اللوم عليكِ ولكن، يلزمني أن أعرف ما الذي ترغبين فيه حقاً.”
إذا كان ما تسعى إليه سيؤدي إلى إلحاق الضرر بـإيلودي، فسأقوم بإعادة الثلاثة من حيث أتوا اليوم قبل الغد.
ابتلعت السيدة ديفاكا ريقها بصعوبة كان منظرها وهي تراقبني بتوتر شديد يبعث على الشفقة.
“هل يمكن لـبول… أن يبقى هنا لفترة طويلة؟”
كما توقعتُ تماماً كان ردها مطابقاً لما جال في خاطري.
رغبة الوالدين في نشأة أطفالهم في بيئة جيدة هي غريزة بشرية موحدة ولا يحتاج المرء للتفكير مرتين ليدرك أن قصر الدوق هو بيئة أفضل بكثير لنمو الطفل من بلدة صغيرة عادية.
وعلاوة على ذلك، إذا تعلم بول ونما هنا، فقد يحصل على مهنة أفضل بكثير مما لو بقي في القرية.
“أنا آسفة.”
قالت السيدة ديفاكا ذلك وهي تعتذر بارتباك حين طال صمتي.
“لقد كان طلباً مبالغاً فيه، أليس كذلك؟ أنا آسفة حقاً لا بد أن الآنسة بيرتين لديها الكثير من الهموم بالفعل…”
ابتسمتُ بمرارة
“في الواقع، هذا الأمر يتجاوز صلاحياتي فحتى دعوتكِ أنتِ و بول و كاندي كانت بعد الحصول على إذن من سيادة الدوق.”
“أ… أجل، بالطبع هو كذلك.”
وافقت السيدة ديفاكا بسرعة البريد، ثم أضافت
“كنتُ أعلم ذلك، لكنني كنتُ في عجلة من أمري… فخرجت الكلمات دون تفكير أرجوكِ انسي الأمر.”
لو لم أشعر بذلك اليأس القاطع في كل كلمة تنطق بها، لكنتُ اكتفيتُ بالإيماء وإنهاء المسألة عند هذا الحد ولكن بسبب ذلك الشعور الذي كان من الصعب تجاهله، لم أتمكن من منع نفسي من سؤالها عن نيتها
“… لماذا أنتِ في عجلة من أمركِ؟”
“عفواً؟”
“سألتكِ لماذا تشعرين بالاستعجال؟ بول لا يزال صغيراً، وستكون هناك فرص كثيرة للحصول على تعليم جيد في المستقبل.”
“الآنسة بيرتين…”
ارتبرت نبرة صوت السيدة ديفاكا وأصبحت حادة
“هل تظنين أنني من هذا النوع من الأشخاص؟ مَن تستغل سمو الأميرة من أجل نجاح ابنها؟”
لم أتراجع فمن أجل سلامة إيلودي، كنتُ مستعدة تماماً لتحمل تدهور علاقتي مع السيدة ديفاكا.
“لقد اعتقدتُ أن هذا الاحتمال كبير.”
“… هه هههه هههههه…”
خرجت ضحكة خاوية من بين شفتي السيدة.
“حسناً ، أرى أنه من الممكن أن تفكري بهذه الطريقة.”
لم أقاطعها، بل انتظرتُ بصمت لتكمل حديثها.
“… زوجي يضرب بول إنه لم يمد يده عليّ أو على كاندي بعد… ولكن كانت هناك لحظات خطيرة عدة مرات.”
شعرتُ وكأن الدماء قد تجمدت في عروقي.
الآن فهمتُ لماذا كانت السيدة ديفاكا تتجول مع أطفالها دائماً في الخارج؛ لم يكن ذلك بسبب طبيعتها الاجتماعية فحسب، بل كان هناك سبب آخر تماماً.
“ساءت الأمور أكثر منذ أن فقد عمله مؤخراً لحسن الحظ، هناك ميراث يغنينا عن العمل الفوري، لكنه الآن يقضي اليوم بطوله في المنزل و…”
ارتجف جسد السيدة ديفاكا، ودفنت وجهها بين كفيها، لكنها لم تستطع منع الدموع من التسرب بين أصابعها.
“أرجوكِ اسمحي لـبول بالبقاء هنا على الأقل إذا فعلتِ ذلك… فلن أنسى هذا الفضل أبداً بول طفل يعرف قدره جيداً، ولن يسبب أي إزعاج لسمو الأميرة أو لكِ أبداً.”
بقيتُ متصلبة مكاني ولم أستطع النطق بكلمة كانت ظروف السيدة ديفاكا أعمق بكثير مما توقعتُ.
استمع الدوق فانيش هذه المرة أيضاً بهدوء إلى كلماتي، رغم أنني جئتُ لزيارته فجأة.
“نعم ، يبدو لي أن السيدة لا تكذب إذا كنتَ تشعر بالقلق، يمكنكَ إرسال شخص للتحقق من الأمر بنفسك…”
“لا، أنا أصدقكِ.”
“كيف ذلك؟”
فتحتُ عينيّ على وسعهما من الدهشة.
كيف يمكنه أن يكون واثقاً هكذا دون أن يسمع حديثهم مباشرة؟ لم يذكر في الرواية أبداً أن سحر الدوق الأسود يمكنه التمييز بين الصدق والكذب…
بينما كنتُ أميل رأسي بتساؤل، أوضح الدوق بصوت أجش
“لقد رأيتُ إيلودي وهي تلعب مع ذلك الطفل من النافذة قبل قليل ذلك الطفل المدعو بول… يتعرض للضرب بكل وضوح والجاني هو والده، تماماً كما قالت السيدة ديفاكا.”
تمتمتُ بذهول
“لم ألحظ ذلك أبداً لقد كان طفلاً مشرقاً للغاية… لدرجة أنني لم أشك في الأمر بتاتاً.”
“تختلف طرق التغلب على الألم من شخص لآخر.”
أجاب الدوق باقتضاب، ثم تابع
“الطفل الذي يتعرض للعنف بصفة مستمرة لا يظهر دائماً بصورة منكسرة ومنطوية كما تتخيلين يا الآنسة بيرتين.”
كان لنبرة صوت الدوق رنين مرير بشكل ما.
أومأتُ برأسي في صمت، فقد كان محقاً؛ لا يمكن للمرء أبداً معرفة الظروف الداخلية بمجرد الحكم على المظاهر الخارجية.
“على أي حال، سأكون ممتناً لو أبلغتِهم ألا يقلقوا بشأن بقائهم هنا لا بد أن هناك ثلاث غرف شاغرة في مكان ما في هذا القصر.”
“وإلى متى يمكن للسيدة والأطفال البقاء؟”
جاء الرد فورياً
“بالقدر الذي يرغبون فيه.”
“بالقدر الذي… يرغبون فيه؟”
اتسعت عيناي مرة أخرى.
حتى لو كانوا أصدقاء إيلودي ووالدتهم، فإن السماح لهم بالبقاء كضيوف في منزل الدوق لفترة غير محددة لم يكن أمراً هيناً.
تنهد الدوق بعمق
“هل ظننتِ يا الآنسة بيرتين أنني شخص قس القلب لدرجة طرد امرأة وأطفال صغار ليس لهم مأوى؟”
ابتلعتُ ريقي بصعوبة لقد ارتكبتُ خطأً؛ فعلى الرغم من أنني لم أقصد ذلك، إلا أن الدوق قد انزعج بالتأكيد.
“لم أقصد ذلك أبداً.”
“أعلم ذلك.”
سخر الدوق ببرود وتابع
“لكنكِ ظننتِ أنني لن أسمح ببقائهم لفترة طويلة.”
“… نعم.”
أومأتُ برأسي موافقةً
“لكن ليس لأنني أظنك شخصاً قاسياً، بل لأن قرار حماية شخص ما مدى الحياة ليس قراراً يسهل اتخاذه، سواء كنتَ دوقاً أم لا و أيضاً…”
ترددتُ للحظة هل يصح أن أقول هذا؟ هل سيظن أنني أتجاوز حدودي؟ لكن بسبب لهجته المريرة ونظرته التي بدت وحيدة بشكل ما، خرجت تلك الكلمات مني دون وعي
“أعتقد أنكَ شخص طيب.”
في تلك اللحظة الخاطفة، خيم الظلام على نظرات الدوق أدركتُ خطئي وهممتُ بالاعتذار، لكنه أطلق ضحكة ساخرة وشاح بنظره بعيداً.
“هل تعتقدين ذلك حقاً؟ لطالما شعرتُ أن الآنسة بيرتين كانت تحذر مني طوال الوقت.”
“لقد حاولتَ قتلي بمجرد أن قابلتني، ألا يجب أن أكون حذرة؟ بالطبع الوضع مختلف الآن.”
أجبتُ بخفة، لكن قلبي كان يخفق بشدة وكأنني تجرعتُ ثلاثة أكواب من القهوة المركزة.
“أهكذا إذن؟”
لم يبدُ على الدوق أنه يصدقني بتاتاً، لذا أسرعتُ في إضافة المزيد
“لن أقول إنكَ شخص دافئ، فأنتَ بارد، وصارم…”
“وقد قيل أيضاً إنني من النوع الذي لو طُعن لَمَا سالت منه قطرة دم واحدة؛ نعم، هذا ما يردده الجميع عني.”
“لكن في الوقت ذاته، يمكن أن تكون شخصاً صالحاً.”
“وكيف ذلك؟”
نظر إليّ الدوق بتمعن
“أي جانب مني جعلتِك تظنين أنني طيب يا الآنسة بيرتين؟”
شعرتُ بحرارة تسري في وجهي، لأنني لم أفكر في الإجابة مسبقاً
‘لا يمكنني أن أقول إيلودي، فهي ابنته… ومن الطبيعي أن يعاملها جيداً.’
إذن، لم يتبقَ سوى خيار واحد أنا؛ آريا بيرتين. امرأة عامية بسيطة كان بإمكان الدوق فانيش انتزاع إيلودي منها بالقوة لو أراد ذلك.
“لأنكَ تعاملني بشكل جيد.”
يبدو أن كلماتي كانت غير متوقعة تماماً، فقد نظر إليّ الدوق بوجه تعلوه دهشة واضحة.
“لقد اعترفتَ بي كوصية على إيلودي بكل سرور، وأنشأتَ لي مقهى مثالياً جديداً… لقد كنتَ مراعياً جداً ليكون مجرد إغراء لي.”
“لقد كان إغراءً بالفعل.”
تمتم الدوق بصوت متردد
“على أي حال، يسعدني أنه نال إعجاب الآنسة بيرتين.”
“بالطبع نال إعجابي.”
ابتسمتُ برقة
“كما أن قرارك بالسماح لـالسيدة ديفاكا والأطفال بالبقاء لا يمكن أن يتخذه إلا شخص طيب هل تريدني أن أذكر المزيد؟ مما رأيته في جولاتك التفتيشية…”
من خلال تقليبي في الصحف المتنوعة لمعرفة أي نوع من الفرسان الفاسدين قد يوجد، اكتشفتُ حقيقة هامة؛ لم يعترض أحد على أن جولات الدوق فانيش التفتيشية كانت فعالة وناجحة.
كانت هناك آراء كثيرة تشيد بكيفية قيامه بفحص وإعادة تنظيم الأراضي التي كانت تفسد بسرعة خلال السنوات الماضية، وفرض النظام فيها في وقت قصير.
“ليس هناك داعٍ لإعطاء معنى لكل فعل صغير أقوم به.”
قاطع الدوق كلامي بنبرة بدت وكأنه على عجلة من أمره.
حاولتُ جاهدة كتم ضحكتي؛ فقد كان هذا اكتشافاً جديداً! ثيودور فانيش لا يجيد التعامل مع المديح!
التعليقات لهذا الفصل " 41"