انقشع المطر أخيرًا، وانسابت خيوط ضوء باهتة تتسلّل من بين الغيوم الكثيفة، تنثر على الأفق الرمادي لمعانًا مرتعشًا كأن السماء تبكي وتبتسم في آن.
كانت سيرينا تتبع خطوات سيون بصمتٍ مهيب، عيناها معلّقتان بمعطفه العسكري الذي كان يتمايل مع هبوب الرياح البحرية. وضعت قدميها في آثار أقدامه العميقة، أوسع من قدميها بضعفين، فانتفض قلبها بخاطرة: للمرة الأولى… هو من يقودني، أنا من أتبعه.
توقّف عند حافة الشاطئ، حيث بدت الأمواج كأنها تريد أن تنتزع قدميه.
“س- سموّ الأمير…”
خرجت الكلمة مرتجفة، بعد صراع طويل في داخلها. وما إن وصلت إلى مسامعه، حتى انعكس على وجهه تعبير مُرّ، كأنها سقته جرعة سمٍّ ثقيلة.
“أي أميرٍ هذا؟ ناديني كما كنتِ دائمًا.”
“لكن…”
هل يحقّ لي؟
“لا أريد حتى منكِ أن تناديني هكذا.”
قالها بجفاء، فرفعت يدها بحرج لتلمس خدّها بخجلٍ متردّد. حتى أنا؟… ما الذي يعنيه؟
لكنها لم تملك وقتًا للتفكير، إذ خلع معطفه العريض وألقاه على كتفيها. جسدها المرتعش من البلل والسقيع هدأ فجأة تحت دفء ثوبه، وكأنها دخلت حضنًا خفيًّا يحميها.
“شكراً لك…” همست بخجل، وعيناها تغرزان في الأرض.
ومنذ تلك اللحظة، أقسمت في قلبها أن تعامل سيون كما كان دومًا، لا كما يمليه لقبه أو ماضيه. سواء امتلك ذكرياته أم لا… سيبقى سيون الذي تعرفه.
“سيون، لماذا تظاهرت بأنك فقدت الذاكرة؟”
“……كي تسمحوا لي بالبقاء في بيتكم.”
“مستحيل! حتى لو قلت إنك أمير، كنا سنتركك تقيم معنا!”
قالتها بحماس طفولي، لكن في داخلها لم تكن متأكدة. لو عرفنا حقيقته، هل كنا لنشعر بهذا القرب؟ أم أن بيننا جدارًا لا نقدر على تجاوزه؟
“……كنت أريد أن أستريح قليلًا. في مكانٍ لا يعرف فيه أحد أنني أمير.”
“راحة؟ مثل النقاهة؟”
“نعم… النقاهة.”
“هُممم…”
كررت الكلمة في ذهنها، وتخيّلت حياة أمير: أعباء الدولة، الاجتماعات، الاحتفالات الرسمية، السهرات الباذخة… لم يعد غريبًا أن تراه مُنهكًا حتى العظم. تذكرت أنها سمعت عن حفل ميلاده الملكي مؤخرًا، حفلًا لم يكن له فيه سوى أن يتجمّل ويبتسم.
يا إلهي… حياة الأمير قد تكون باذخة في نظرنا، لكنها سجنه الذهبي، قفص يلتهم روحه يومًا بعد يوم.
فهمت فجأة لِمَ كان بيتها يعني له الكثير… بيتٌ صغير معزول، أشبه بجزيرة هادئة، بعيد عن العيون، بعيد عن الألقاب. هنا فقط… استطاع أن يتنفس.
ابتسمت بمرارة صغيرة، وزال غضبها الطفولي، ليحلّ مكانه تسامح يقطر دفئًا.
“……حسنًا، سأصدقك. حتى وإن بدا الأمر أشبه بحكاية.”
تردّد في صدره ضحكٌ خافت، نغمة حزينة أكثر منها فرحة. وهكذا عادت تخاطبه ببساطة، دون قيود الألقاب الثقيلة.
“إذن، سيون… كيف انتهى بك الأمر في البحر؟ ستخبرني الآن، صحيح؟”
“…….”
“إن لم تقل، سأشيع أن سموّ الأمير سقط من ظهر السفينة وطفا حتى الشاطئ!”
رفعت ذقنها بجرأة طفولية، فضحك بخفوت، ضحكة هزيلة كأنها نفسٌ متعب.
“……كنت مطاردًا. أصابتني سيوف أعدائي، ثم ألقَوني في البحر.”
كلماته كانت كخيط مبتور، إجابة ضبابية بلا تفاصيل.
“ومن هم؟ ولماذا؟ وأين حدث ذلك؟”
“……لا أستطيع البوح.”
اصطدمت أسئلتها بجدار صلب لا ينكسر.
“لن أخبر أحدًا، أقسم لك!”
رفعت يدها لتؤكد عهدها، لكن ابتسامة مرة ارتسمت على وجهه، ورأسه اهتز نفيًا.
ألحّت قليلًا، لكنه ظلّ كالصخر، فاستسلمت أخيرًا، تنهيدة ثقيلة تعصر صدرها.
“لقد تظاهرت بفقدان الذاكرة، فلم أسمع منك شيئًا… أنا من كنت أحكي قصصي ليلًا ونهارًا!”
“وما المشكلة؟”
“هذا ليس عدلًا! أريد أن أعرف عنك أنا أيضًا.”
زمّت شفتيها بغيظ طفولي، عيناها تتوسلان سرًّا.
‘حتى لو مجرد تفصيلة صغيرة… ما طعامك المفضل مثلًا؟ أي شيء يكفيني.‘
“……سأخبركِ يومًا ما. إن أُتيح لي ذلك.”
كلماته سقطت ثقيلة، كحجرٍ أُلقي في قلبها، ليوقظ ذكرى الوداع الذي يلوح في الأفق.
‘متى؟ متى سنلتقي مجددًا؟ بعد مئة ليلة؟ حين تكبر ماي؟ هل سيُكتب لنا لقاء آخر أصلًا؟‘
أرادت أن تسأله، لكن الرعب من الجواب كتم صوتها.
وفجأة… اقترب سيون منها، ولفّ ذراعيه العريضتين حول عنقها.
شهقت، وتجمّدت أنفاسها، وغمضت عينيها بقوة. ظنّت أنه عناق، عناق يُفتت قلبها ويُلملم خوفها. كادت دموعها تنفجر، لكن فجأة شعرت بأصابعه تعبث خلف عنقها… ثم ابتعد بخطوة.
حين فتحت عينيها على وقع ابتعاد خطواته، لمحَت سِيرينا على شفتي سيون ابتسامةً رقيقة انحنت في هيئة قوس، فارتجف قلبها واشتعل وجهها خجلًا، فما كان منها إلا أن اختنقت بسعلةٍ جافة تخفي بها اضطرابها.
“خُذيه.”
وعندما خفّت حدّة الدوار، خفَضَت بصرها نحو عظم ترقوتها، فإذا بشيءٍ يلمع معلقًا هناك. كانت قلادة من الذهب الخالص، منقوشة عليها شعارات العائلة المالكة. لقد علّقها سيون بنفسه.
“هـ… هذا ما قلتَ إنك أضعته!”
لقد تأكدت بنفسها من جيب بنطاله في وقتٍ سابق، ولم يكن هناك أثر له. فأين أخفاه إذن؟
“كنت أحتفظ به.”
“كاذبٌ مخادع.”
رفعت سيرينا القلادة إلى مستوى عينيها وأمعنت النظر إليها. سيفان متقاطعان على هيئة صليب تتشابك فيهما أغصان الورد… الشعار الذي لن يكون لها يومًا أي صلة به، شعار العائلة المالكة.
“لا أستطيع أن أقبل شيئًا نفيسًا كهذا.”
“إن لم تحتاجيه، فبِيعيه في متجر التحف، وأضيفي ثمنه لمعيشتكِ. إنه أصيل، وسيُدفع فيه الكثير.”
وحين همّت بفكّ القلادة رفضًا، جاءه صوته متثاقلًا بالدهاء:
“أو لعلّه يصلح طُعمًا. سمعت أن الحبار ينجذب للأشياء البراقة. إن لم تأخذيه، فسأتركه في فخاخ البحر.”
توقفت يدها المترددة خلف عنقها، ثم خفضتها ببطء، مزمجرة في سرّها.
‘بهذا الكلام، لم يترك لي خيارًا سوى قبوله.‘
“حقًا، مَن كان ليصدّق أن أمير مملكة كالستاين النبيل ما هو إلا كاذب، وعنيد طفولي لا يُطاق.”
لمّا فرغت كلماتها، انفجر سيون ضاحكًا. ضحكة صافية منعشة، لا تشبه مظهره الجادّ أبدًا. عندها أحسّت سيرينا أن قلبها ينكسر؛ فربما كانت هذه آخر مرة ترى فيها ضحكته.
“صدقتِ… فأنتِ وحدك من يعرف.”
هل كان وهماً؟ أم أن صوته بدا اليوم أدفأ وألطف من أي وقت مضى؟
أدار سيون بصره نحو البحر الممتد أمامه، كأنّه يحاول نقش ملامح المشهد في ذاكرته للأبد. فجأةً، شهق بدهشة، فالتفتت سيرينا بدافع غريزي، وإذا بهما معًا يريان قوس قزح عظيمًا يعلو الأفق، جسور ألوانه تنحدر من السماء حتى تلامس سطح الماء. منظر لم تره في حياتها قط.
“يا لهذا البحر… كم لا ينفك يلهمني.”
كأن البحر نفسه يحبك، حدّثت سيرينا قلبها، يريد أن يودّعك بهذه الألوان المبهرة.
أحسّت بثقل يضغط على صدرها حتى كاد يسحقه. وما هي إلا لحظات حتى لمحَت قادمًا: كان ألْدُن على حصانه، ومعه الفرسان، يقتربون في صمت. لم يشاؤوا إزعاجهما، فتوقفوا على مسافة، غير أن سيرينا أدركت: آن أوان الوداع.
“إذن… حان الوقت.”
استدار سيون كأنما يريد إنهاء الأمر.
“ستغادر… الآن؟”
كان صوتها بالكاد يخرج، مخنوقًا بكتلة من نارٍ تتصاعد في حنجرتها.
“لا بدّ أن أغادر. كما قلتِ، عليّ أن أعود.”
كان رده جافًا، باردًا. لكنّ سيرينا لم تملك نفسها، فاندفعت تمسك بذيله.
“لـ… لكن… لم أعلّمك السباحة بعد…”
حجّة سخيفة، واهية، ألقتها لتستبقيه ولو لدقيقة أخرى. وما إن نطقتها حتى لسعت الخجل وجنتيها؛ كيف تُظهر ضعفها وتعلّقها بهذا الشكل؟
“في المرة القادمة.”
ابتسم سيون ابتسامة حائرة وهو يجيبها بخفوت. ارتخت يدها، وسقط طرف ثوبه من بين أصابعها.
“وداعًا… سيرينا.”
دار عنها، يبتعد بخطوات بطيئة، فيما عيناها تتبعه كأن قلبها يُسحق مع كل خطوة يخطوها.
ليت الزمن يتوقف… ليت اللحظة تتجمد ولو قليلًا.
وكأن السماء قد سمعت صلاتها؛ إذ ما إن ابتعد عشر خطوات حتى توقف فجأة، ثم استدار نحوها، وعاد بخطوات عاصفة. وقبل أن تدرك ما يحدث، كان قد جذبها إلى صدره وعانقها بقوة جارفة، كأنما يريد تحطيمها بين ذراعيه.
كان العناق قصيرًا، لكنه أودع فيه عمرًا من الشوق. ترك وراءه عبيرًا منعشًا، شبيهًا برائحة الفجر الممزوجة برذاذ البحر، العطر ذاته الذي أحاطها يوم احتضنها على الساحل.
وبعد أن أفلتها، خطا نحو فرسانه وامتطى جواده بخفةٍ متمرسة. كادت دموعها تنفجر، لكنها ابتلعتها بصعوبة، خشية أن يلتفت إليها.
وبالفعل، التفت. نظر إليها فوق صهوة جواده. فابتسمت له، ولوّحت بيدها، مزيّنة وداعها بابتسامة مشرقة.
‘لا بد أن تكون النهاية بهية… أريده أن يتذكرني بوجهٍ يضحك، لا بوجهٍ غارق في الدموع.‘
وظلّت واقفة على الشاطئ حتى غاب هو وفرسانه عن بصرها، ولم يبقَ منهم سوى نقاطٍ صغيرة تذوب في الأفق.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"