نادَى الفارسُ سيون بصوتٍ يختلط فيه الرجاء بالدموع، ثم قفز عن صهوة جواده يعدو نحوهما. زفرت سِيرينا زفرةً طويلة، ثقيلة.
كان في قلبها شعورٌ متناقض؛ بدا الأمر أشبه بفراغٍ موحشٍ مشوبٍ بالحزن، وفي الوقت ذاته نفحةٌ من الارتياح. أترى لأن المشكلة التي أرهقتها أُنتزعت من يديها دون أن يكون لها حيلةٌ فيها؟
“يا صاحب السمو! أأنت حقًا الأمير تاسيون؟! لستَ شبحًا… أليس كذلك؟!”
راح الفارس يتحسّس وجه سيون وجسده بجنون، ثم انقضّ عليه في عناقٍ مفاجئ. جفل سيون، وأغمض عينيه ضجرًا، بينما أحاطه ذاك الفارس بذراعيه المرتجفتين.
“ماذا جرى لك يا سمو الأمير! أتعلمون… أتعلم كم كنتُ قَلِقًا حتى كاد القلق يفتك بييييي!”
تراجعت سِيرينا خطوةً إلى الوراء، ترقُب المشهد بصمت.
من بكاء ذلك الفارس وحده، أدركت كم من الأرواح تُحبّ سيون وتفكّر فيه. بل ربما شعبٌ بأسره يئنّ قلقًا عليه. لا… لم يكن شخصًا بوسعها أن تحتفظ به بجانبها، لا لزهوها ولا لشهوتها الخاصة.
شعرت بالحرج من أنانيتها.
“ما الذي يحدث هنا؟”
طلّت “جودين” من باب الدار، ما زالت تحمل المغرفة في يدها، وخلفها “ماي” متشبّثةٌ بملابسها.
وحين أبصرت جودين بالفرسان الملكيين يُطوّقون المكان، تجمّد قلبها، فالتفت إلى سِيرينا تسألها بنظراتٍ مرتجفة. فاكتفت بتحريك شفتيها بلا صوت، لتُعلمها بأنهم جاؤوا يبحثون عن سيون.
أما الفارس، وقد غرق في مشاعر لقائه الحار، فقد أمسك بسيون وأخذ يهزّه بعنف.
“كيف تُبقي نفسك حيًّا وسليمًا، ومع ذلك لا ترسل لنا حتى خبرًا واحدًا؟! هل تَعلم كم تعفّن قلبي خوفًا أن تكون قد قضيتَ ميتةً شنيعة؟!”
كان يصرخ ويهزّ جسد الأمير حتى اهتزّت كتفاه.
“ولِمَ طردتَ جميع حُرّاسك؟! ألستَ تعلم أن القصر في خطرٍ الآن؟!”
“في الحقيقة… سيون فقدَ ذاكرته.”
تقدّمت سِيرينا بخجل، رفعت يدها بخفوت كأنما تدافع عنه.
هنالك فقط، التفت الفارس ووعى أخيرًا بوجود سِيرينا وبقية الأسرة. ثبت نظره عليهم مذهولًا.
“كفّ… يا ألدِن.”
انطلقت الكلمات من فم سيون لأول مرة، نبرتها حادّة، ضاق بها صدره.
“آه… ن-نعم يا سمو الأمير.”
ارتجف الفارس، وتراجع خطوةً إلى الوراء يمسح دموعه، كطفلٍ انكشف أمره.
أوه… لحظة. سيون ناداه باسمه…!
راح الفارس يعدّل من هندامه المبعثر، ثم انحنى بانضباط.
“أعتذر عن اقتحامي المفاجئ. أنا ألدِن هاوزن، من فرسان التنين الأزرق في مملكة كالستاين، والمرافق المقرّب لصاحب السمو، الأمير تاسيون.”
ثم أدّى تحيةً عسكرية بكل وقار.
وبدا أنه لم يتعرف على سِيرينا؛ فحين التقاها أول مرة، كانت تُخفي ملامحها تحت مظلة المطر.
“أنا… سِيرينا.”
“جودين، في خدمتك.”
“ماي.”
حينها، تساءل جودين مذهولًا وهو يرمق سيون:
“مهلًا… هل قلتَ أمير؟ يعني سيون… أمير؟”
أجاب ألدِن بلهجةٍ رسمية:
“نعم. إنه الأمير الأول، تاسيون كالستاين.”
وفي اللحظة ذاتها، سقطت مغرفة جودين من يدها على الأرض، تصدح برنينٍ حاد.
“كنتُ أدري! أليس كذلك يا جدتي؟”
صدح صوت “ماي” الطفولي، وهي تميل رأسها باستفهامٍ بريء. لقد اعتادت مناداتَه “سمو الأمير” منذ البداية.
تجمدت عينا جودين، والتفت نحو سِيرينا تُحدق بها بغضبٍ خفي، وكأنما تتهمها بأنها كانت تعلم. لكنها سارعت إلى هزّ رأسها نافية.
“عذرًا… لكن كيف ترتبطون جميعًا بصاحب السمو؟”
أجابت سِيرينا مترددة:
“آه… أنا أنقذت سيون عندما كاد يغرق، واعتنيت به… أقصد، استضفته.”
خشيت أن يبدو كلامها وقحًا، فأسرعت تصحّح عبارتها.
“حتى اليوم لم أكن أعلم أنه أمير.”
قالت ذلك خشية أن يُحاسَبوا على عدم إبلاغهم عن وجوده مسبقًا.
“ما هذا! أنقذتِ حياته؟! كيف نُكافئكِ على ذلك؟ يجب أن تنالي جزاءكِ العادل، وعدًا!”
انحنى ألدِن مرارًا وهو يصرخ بالامتنان.
“لا بدّ من ذلك. لم تكتفِ بإنقاذه، بل أطعمتِه وآويتِه طوال أسبوعٍ كامل… وهو الأمير الشرعي لمملكة كالستاين!”
“آه يا جدتي…”
أسرعت سِيرينا تقطع كلام جودين الذي بدأت تتباهي وكأنما الفضل كله لها. يا له من أمر محرج.
“لقد بذلتم جهدًا عظيمًا، وستنالون من القصر الملكي مكافأةً عظيمة. شكري الجزيل لكم.”
ابتسم ألدِن بصدق، دون أن ينزعج من صَلف جودين.
“أوه… لم يكن الأمر مرهقًا حقًا. بل ساعدنا الأمير هو أيضًا في بعض الأمور.”
ارتبكت جودين قليلًا أمام نقاء ابتسامته، ثم تمتمت بسعالٍ جاف.
“الأمير اشترى لنا أطعمةً شهية! لحمًا كثيرًا!”
هتفت “ماي” بحماسة، مؤيدةً كلامها. لا شك أن اللحم ترك أثرًا عميقًا في قلبها الصغير.
ضحك ألدِن برقة، وأجابها:
“إذن كان لديه بعض اللياقة، لحسن الحظ.”
أما سيون فظل واقفًا على مقربة، متكئًا بكتفيه، يرقب الحوار بعينين نصف مغمضتين.
لكن سرعان ما عاد صوت ألدِن جادًا:
“غير أنني أود أن أسأل… ما معنى قولكِ إن سموه فقد ذاكرته؟”
اشتعلت نظراته، كما اشتعلت عينا سِيرينا بدورهما.
منذ البداية، لم يبدُ على سيون أن ألدِن غريبٌ عنه. حين انقضّ عليه لم يتفاجأ، بل بدا ضجرًا مألوفًا. بل إنه ناداه باسمه قبل أن يسمع تعريفًا.
لا… لا يبدو كمن استعاد ذاكرته بغتةً، بل كمن لم يفقدها قط.
“لا تمزح معي يا سمو الأمير…! أمامي الآن، أرى بوضوح تامّ: أنت هو الأمير تاسيون الذي أعرفه، بلا ريب.”
شدّ ألدِن عليه، بينما رمقه جودين وسِيرينا بعينين ملؤهما سؤالٌ صريح.
مرّر سيون أصابعه خلال شعره، وزفر نفسًا عميقًا أثقل من الجبال.
“…حسنًا. في الواقع… لم أفقد ذاكرتي قط.”
“ماذا؟!”
“نعم؟!”
تجمّدت الأنفاس في الصدور، والعيون كلّها شاخصة نحوه.
رفع سيون بصره نحو سِيرينا، وابتسم ابتسامةً رقيقة، تعتذر بقدر ما تُربك.
كم من مرةٍ أحسّت أنه ليس فاقد الذاكرة، ومع ذلك لم يخطر ببالها أنه قد يكذب بشأن أمرٍ كهذا. لم تشأ أن تجرحه بالشكّ أو تضغط عليه بالأسئلة.
ولكن إن كان ما قاله حقًا… فهذا يعني أنه كان يعرف كل شيء منذ البداية. يعرف أنه أمير. يعرف نفسه. يعرف كل شيء…!
“ولمَ تكذب إذن؟ ولمَ تخفي اسمك خلف لقب “سيون”؟”
صوت ألدِن قاطع، يمتلئ غضبًا بدلًا عن سِيرينا التي غصّت حنجرتها بالخذلان والصدمة.
“ما الذي جرى معك بحق؟!”
… “سأتحدّث عن ذلك لاحقًا.”
“حسنًا… على أي حال، لنَعُد في الحال. إن جلالة الملك ينتظر بلهفةٍ لا تُطاق.”
بوجهٍ متحفظ، بدا ألدِن مقتنعًا على مضض، وكأنّه حكم أن هذا ليس مقام البوح بتلك الأسرار.
ولما ألقى على كتفي سيون معطفًا من زيّه الرسمي الفاخر، تردّد الأخير قليلًا، ثم بدأ يتحرك.
“أميرنا… هل سترحل؟ إلى الأبد؟”
ارتعشت عينا “ماي” الدامعتان، وسرعان ما قبضت على طرف ثيابه الصقيل. لم تفهم كل ما يدور بين الكبار، لكن كلمة “رحيل” اخترقت قلبها الصغير.
“لا تذهب! لا أريد ذلك!!”
انفجر بكاؤها، وانهمرت الدموع على وجنتيها الطفوليتين، تختلط بقطرات أنفها المرتجف. لم تستطع سِيرينا منع أنفها من الوخز تأثّرًا بهذا المشهد.
“أفهم أن وقتكم ضيّق… لكن ألا تمنحونه لحظة وداع؟”
“آه، عذرًا. قصّرت في حساسيتي. سأمنحه بعض الوقت.”
بإيماءةٍ من “جودين”، تنحّى ألدِن قليلًا، لكنه لم ينسَ أن يذكّر الأمير:
“لكن لا تفكّر بالهرب، سمو الأمير.”
“اذهب بعيدًا من أمام عيني.”
“قد أبدو مبتعدًا، لكن عيناي مفتوحتان عليك.”
أطلق ألدِن ابتسامةً زائفة، فردّ عليه سيون بحركة يدٍ طاردة. فانسحب الفرسان بخيولهم إلى مسافةٍ قريبة، تراهم العين ولا يبلغ مسمعهم الكلام.
حينها، تقدّمت “جودين” وهي تهدد “ماي” المنتحبة بين ذراعيها، ومدت يدها نحو سيون.
“ها نحن نودّع ضيفًا كان يلتهم أرزاقنا. صِرنا أخفّ بدونه! اعتنِ بنفسك.”
كانت خبرتها الطويلة بالحياة قد أزالت عنها رهبة الألقاب؛ حتى وهي تعلم الآن أنّه أمير، لم تنحنِ ولم ترتجف، بل مازحت كعادتها. ابتسم سيون وصافحها بحرارة.
“أتمنى لكِ دوام الصحة.”
ثم مد يده إلى “ماي”، يربت على شعرها المبلّل بالدموع.
“أيتها الصغيرة… سأعود لألعب معكِ، فاكفي عن البكاء.”
“أنت تكذب! لن تعود أبداً!”
“سأعود، أقسم.”
“متى إذن؟!”
“حين تكبرين حتى تصيري بطول أختكِ الكبرى.”
“لكن “ماي” لن تصير بطول أختها أبدًا!”
صرخت “ماي” في وسط شهقاتها، إذ بدا وعده لها محض عبث. لم تكن تستوعب في سنواتها الست أنّها ستغدو فتاةً كبيرة يومًا ما. أما سِيرينا فشعرت بالخذلان بدورها؛ أيعني ذلك أنها لن تراه لسنوات طوال حتى تكبر الطفلة؟
لكن سيون غيّر الوعد سريعًا:
“أخبِريني، إلى أي رقم تستطيعين العدّ يا صغيرة؟”
“ماي… تستطيع حتى المئة.”
“إذن بعد أن تنامي مئة ليلة… سأعود.”
“… حسنًا. لكن يجب أن تعود حقًا.”
لوّحت بيدها الصغيرة بفتور، راضية بهذا الاتفاق الجديد. عندها غمزت “جودين” لسيون آخر تحية، ودخلت الدار حاملةً “ماي”، كأنها تفسح لهما المجال ليبقيا وحدهما.
حين غادر الاثنان، وجدت سِيرينا نفسها وجهاً لوجه مع سيون. بياضٌ اجتاح رأسها، لا تدري من أين تبدأ، وما الكلمة التي تستطيع أن تُخرجها أولًا.
كان لها في قلبها ما لا يُحصى من الكلام، لكن حين أدركت أنّ ذاكرته لم تُمحَ قط، شعرت كأنها تقف أمام رجلٍ غريب، لا ذلك الفتى الذي اعتادت صحبته. وها هو يرتدي معطفه الملكي الموشّى بشعار “كالستاين”، يزداد بُعدًا عنها، جلالًا لا يُقارب.
فتحت فمها مرارًا لتتكلم، لكن لا شيء خرج. عندها، التقط سيون حيرتها، وقال بصوتٍ خافت:
“ما رأيكِ أن نسير قليلًا… على الشاطئ؟”
وسار بخطى ثابتة نحو البحر، فتبِعته سِيرينا وقد ثقل قلبها بما لا تستطيع حمله وحدها.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"