عقب ليلةٍ ضربتها زخّات المطر على الشاطئ، بزغ فجرٌ جديد.
استفاق تاسيون من كابوسٍ ثقيلٍ أعياه، فعجز عن العودة إلى النوم. جلس على حافة النافذة، والظلّ الداكن يحيط بملامحه. لقد كان ذلك أوّل حلمٍ يطارده منذ أن وطأت قدماه هذا المكان… حلمٌ من قصور الملك، ماضٍ يحاول أن يجرّه من عنقه.
مدّ يده ففتح النافذة لعلّه يتنفّس، فإذا بالبحر يتجلّى أمامه، يكسوه شفقٌ بنفسجيّ كاللافندر. رائحة الموج المختلطة بعبق العاصفة المبتلّة اخترقت صدره، فارتجف.
ومنذ أن جرفته الأمواج إلى هذا الساحل وهو ينزف جراحه، لم يكره المكان لحظة. على العكس… بدا له وكأنه قطعةٌ من الجنّة.
بحرٌ واسعٌ ينام في صمت، وسماءٌ زرقاء صافية، وأرضٌ لا يعرفه عليها أحد.
تذكّر أوّل لحظة أفاق فيها على الرمال: وعيه كان مشوّشًا، جسده مثقلاً، لكنّ شيئًا دافئًا، طريًّا، انطبع على شفتيه كنسمة حياة، ينفخ فيه روحًا جديدة.
فتح عينيه، فإذا بعينين زمرديتين تحدّقان فيه، وشعرٍ بنيّ مبلّل بالماء يتلألأ تحت الشمس.
للحظةٍ حسب أنّه مات… وأنّ حوريّةً خرجت من أعماق البحر لتغويه.
لكن لا… لم يكن وَهمًا. لقد كانت سيرينا، الحوريّة التي تنسج البحر كما تشاء.
كل يومٍ يراها تغوص في الموج، وتسبح بحرّيّةٍ كالأسماك… فمن غيرها يستحق أن يُدعى حوريّة؟
كان يختنق لسنواتٍ في وحل القدر، حتى التقط أنفاسه من جديد بين يديها. ولعلّ لهذا السبب بالتحديد… حين أبصر دموعها ذات يوم، لم يستطع الوقوف متفرّجًا.
يتذكّر حين خُدِعت سيرينا على يد ذلك الوغد برِيد. لم يتحمّل أن يتركها وحدها، فذهب بنفسه إلى قصر الكونت إيشَر، حاكم الإقليم.
ولمّا لمح الكونت وجهه، عرفه فورًا، فارتبك وركع في خوف، حتى وهو في هيئةٍ رثّة بلا حرسٍ ولا زينة. لقد رأى فيه فرصةً ذهبية.
أمره تاسيون حينها بطرد بِرِيد من المملكة، وبأن يشتري لؤلؤ سيرينا بأغلى الأثمان. صفقةٌ غير عادلةٍ أبدًا، لكنها كانت رباطًا بدمٍ ملكي، ورباطٌ كهذا لا يُرفَض.
وبالفعل، حُمل برِيد مكبّلًا، مضروبًا، وأُلقِي على ظهر سفينةٍ أجنبية. عقوبةٌ قاسية… ربما. لكن ابتسامة سيرينا كانت تستحق أن يُمحى العالم كلّه.
ضحكتها—ضحكة الحوريّة—كانت كاخضرار أوائل الصيف، كندىٍ يتلألأ على أوراقٍ فتية.
كان ذلك أبهى من قصورٍ تغرق في الذهب والجواهر.
أكثر راحةً من أسرّة الحرير التي ملأت أجنحة القصر.
ألذّ من موائد الملوك المترفة، حتى أنّ حساء المحار البسيط الذي تطهوه غلب كل وليمةٍ ترفيّة.
أدرك أنّه ضحك هنا أكثر مما ضحك في عمره كلّه بين جدران القصر. اكتشف نفسه من جديد، في صورٍ لم يعرفها يومًا.
لكن—كما كل الأحلام—الزمن كان قصيرًا.
ثمانية أيامٍ مرّت، فاستفاق على صخرة الواقع.
كان ينبغي أن يرحل قبل أسبوع. كان عليه أن يهرب قبل أن تطأ أقدام الفرسان أرض هذه الضواحي.
“لقد آن الرحيل، تاسيون…” همس في داخله.
غير أنّ كلمات سيرينا حين قالت له: ابقَ ما شئت… بيتُنا بيتك، كانت كغوثٍ لنفسٍ تغرق.
وربما لهذا السبب بالذات، حين انزلقت إليه وسقطت بين ذراعيه، لم يستطع منع نفسه من أن يضمّها. دفء جسدها، خفقة قلبها، بدت له كأنغامٍ تعزف عزاءً خاصًا له وحده.
حتى خطر بباله وساوسُ جنون: لو طرقتُ رأسي حتى أفقد ذاكرتي حقًا… هل سأبقى هنا معها؟
ضحك ساخرًا من نفسه، وأزاح الفكرة.
لا مفر. عليه أن يعود. هنالك آلاف الأرواح التي تنتظره، شعوبٌ تنتظر ملكها القادم. عليه أن يحمل التاج ولو سحق صدره بثقله.
خلع أزرار كمّه الممزّق، وترك إحداها فوق الطاولة—زرقاء صافية كبحر إيكيتِه. ذكرى صغيرة، عهْدٌ خفيّ لنفسه أنّه سيتحمّل كل ثِقل الملك إن استحضر تلك الأيام القصيرة كملاذٍ سريّ.
وفي ظهيرة ذلك اليوم، خرجت سيرينا إلى البلدة لقضاء حاجة. رآها فرصةً للرحيل بصمت.
يعلم أنّها ستبغضه… لكنّه آثر أن يختفي بلا وداع.
خرج متظاهرًا أنّه في نزهةٍ على الشاطئ. لم يحمل معه شيئًا. ترك المطر يتساقط فوقه، وكأنّه يغسله من ذنبه. خطّط أن يدور حول الساحل، يتفادى لقياها، ويجد طريقه إلى قصر الكونت، ثم يرسل إشارةً ليعود به الحرس إلى القصر الملكي.
خطّةٌ بسيطة، لكن قدماه أثقلتهما قيودٌ لا تُرى.
زمجرت الأمواج بعنف، تدفعه نحو الرحيل، لكنه استدار.
“مرةً أخيرة فقط… ليلةٌ أخرى معها. عشاءٌ بسيط… حديثٌ قصير… ثم أرحل في الظلام.”
ضحك من نفسه بمرارة. ما الذي سيتغيّر لو مكث ساعةً أطول؟ هو وهي يقفان على طرفَي نقيضٍ منذ البداية.
ومع ذلك، عاد راكضًا، كلما اقترب من البيت ازداد لهاثه وكأنّ قلبه يسبق جسده.
عند عتبة البيت، استقبله جودين بلهجةٍ حانقة:
“تَتجوّل تحت المطر؟ ستُهلك نفسك! ادخل، هيا… سأُحضّر لك ماءً ساخنًا.”
كأنّه حفيدٌ يعامله بحنوّ، لم يتمالك تاسيون نفسه من ابتسامةٍ مُرهَقة.
اغتسل، ثم جلس في الصالون، عينيه مشدودتان إلى الباب. يترقّب عودتها.
‘كان يجدر بي أن أرافقها… لماذا لم أرافقها؟‘
لم يمضِ سوى ساعتين، لكنه شعر وكأنّه فقدها دهورًا.
وحين لمح ظلّها من بعيد، قام فجأة من مقعده، ثم جلس ثانيةً مذعورًا من نفسه.
‘أيّ مسخرة هذه؟ أأبدو كجروٍ ينتظر صاحبه؟‘
تظاهر بالبرود، اتكأ على الأريكة، وراقبها تتقدّم بخطى بطيئة تُثير غيظه. توقّفت أمام البيت ولم تدخل.
لم يحتمل. اندفع وفتح الباب:
“ماذا تفعلين هناك؟ ألا تدخلين؟”
صوته كان جافًا، لكن حين أبصر ملامحها… انقبض صدره.
كانت على وشك البكاء. مبلّلة رغم أنّها غادرت بمظلّة. هرع نحوها، فتح مظلّته فوقها، وحنانه تسلّل رغم لهجته الصارمة:
“ما الذي حدث؟ أين مظلّتكِ؟”
فتردّدت، وهمست بارتباك:
“الأمر أنّ…”
كان على تاسيون أن يستجمع كل ما تبقّى لديه من صبرٍ وهو يراقب سيرينا تتردّد طويلًا قبل أن تنطق بكلمة.
‘لعلّ بعض التُجّار قد تجرّؤوا وأساءوا إليها؟ أو لعلّهم حاولوا إيذاءها؟’
فاض صدره غيظًا، وندم لأنه لم يرافقها. كاد أن يثور غضبًا على من تخيّل أنهم أهانوا محبوبته، لكن صوتها القاطع مزّق تلك العاصفة:
“……سيون، إنَّ فرسان القصر الملكي يبحثون في القرية عن الأمير المفقود من مملكة كالستاين. وأنت… أظنّك ذاك الأمير.”
لحظة صمتٍ ثقيلة جثمت على صدره، كأن الزمان توقّف عن الدوران.
كلماتها وصلت إلى أذنيه كما لو كانت تصدر من أعماق البحر، خافتة، خانقة، تبطئ أنفاسه. أعادها في ذهنه مرارًا، محاولًا إدراك معناها شيئًا فشيئًا.
‘آه…… لقد انتهى الأمر.’
خطته البسيطة، أن يعيش ساعاتٍ قليلة من سعادةٍ مؤقتة ثم يرحل بهدوء، تحطّمت في لحظة. لقد قرّر هو بنفسه أن يغادر بعد عُطلةٍ قصيرة كالحلم، لكن القدر لم يمنحه حتى نعمة الوداع.
زفر أنفاسًا عميقة، واستسلم للواقع. ومع ذلك، أحسّ بقلبه يتجمّد بسكينةٍ غريبة، كأن الاستسلام هو الملاذ الأخير.
غير أن عينَيه لم تُخطئا ما رآه في ملامح سيرينا—تلك الصدمة التي زلزلتها، وذلك الألم الذي خنقها.
أكان ينبغي لها أن تفرح؟! فقد عاشت تحت سقفٍ واحد مع أميرٍ من دمٍ ملكي، وأصبحت مُنقذة حياته. أيُّ مجدٍ أعظم من هذا؟ أيُّ حظٍ أوسع من أن تكون هي صاحبة الفضل على وريث عرش؟
بل كان من المفترض أن تضحك سعادةً، وأن تترقّب الجزاء الرفيع الذي سيهطل عليها من القصر.
لكن عينيها المتورّدتين بالدموع أخبرته بالحقيقة: لم تكن تريد ذلك. لم تكن تبالي بالمجد ولا بالذهب. كانت فقط… تبكي من أجله.
ارتجف صوته وهو يسألها:
“……هل تريديني أن أعود؟”
حتى هو نفسه لم يفهم لِمَ طرح هذا السؤال.
كل ما أراده—بشوقٍ حارقٍ كالنار—أن تنفي. أن تقول له “لا”، أن ترجوه بالبقاء. كان مستعدًا لأن يقترف حماقةً كبرى إن سمع منها كلمةً واحدة.
حماقةً قد تغيّر مصير مملكة.
“……هل تريديني أن أعود؟”
ارتجف قلب سيرينا، وغصّت حلقها غصّة مريرة.
كيف يسألها سؤالًا كهذا؟!
بالطبع لا. لم تكن تريد عودته، ولو استطاعت لخبّأته من الدنيا بأسرها. قبل لحظات فقط، خطرت ببالها فكرةٌ جنونية أن تُخفيه بعيدًا، أن تخدع العالم وتُخفي أميرًا كاملًا كأنه لم يكن.
لكن عيناه كانتا مُصرّتَين، تبحثان عن إجابة، تُلِحّان عليها كما لو أنّ حياتهما معلّقة بلسانها.
ورغم ذلك… لم تستطع أن تكذب.
حتى لو توسّلت إليه، حتى لو أمسكت بثوبه لتمنعه من الرحيل، فلن يُغيّر ذلك شيئًا. الحقيقة أثقل من الدموع. هو أمير، وريث عرش. والأقدار ستقتاده عاجلًا أو آجلًا إلى قصره.
فهمست بصوتٍ خفيض، يحمل في طيّاته انكسارًا:
“لا خيار لك…… يجب أن تعود.”
لكن كلماتها لم تُرضه. ارتسم على وجهه وجعٌ مُنقبض، وكأنها طعنته.
“لا، لم أسألكِ عمّا عليّ فعله. سألتك…… إن كان هذا ما تُريدينه.”
اتّسعت عيناها دهشة، إذ لم تفهم ما يقصده. هل يمكن حقًا؟ هل كان مستعدًا للتخلّي عن كل شيء—عن عرشٍ وملكٍ ومستقبل—فقط لأنها طلبت منه؟
ارتجفت شفتاها، وتساءلت بحيرة:
“……وإن قلتُ لا، ماذا سيتغيّر؟”
عيناه، في تلك اللحظة، أظلمتا بعمقٍ مخيف، كما لو كان على وشك أن يتّخذ قرارًا يقلب موازين الأرض.
لكن قبل أن يُجيب، ارتجّت الأرض بصوت صهيلٍ ورَكضٍ هادر. التفتا معًا—وها هي خيول الفرسان، نصف دستة منهم، تندفع نحوهما بكل ما أوتيت من سرعة.
“يا صاحب السمو! الأمير تاسيون!!”
صرخ قائدهم بصوتٍ مبحوح، تكاد نبراته تتمزّق من شدّة الانفعال.
لقد انكشف السر. انتهى الاختباء. اللحظة التي خشياها قد حلّت.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"