انقشعت زخّات المطر على حين غفلة، كأنها لم تكن.
كانت سيرينا تتحرك باضطراب بين ذراعي سيون، وجهها مطمور في صدره، وكل خلية في جسدها ترتجف بتيار غريب يسري فيها. صعبٌ عليها أن تبقى ساكنة؛ فحرارة جلده تذيب برودة ثيابها المبتلة، ودقات قلبه الثقيلة عند أذنها تُضاهي سرعة نبضاتها المرتبكة.
وفجأة، اخترق السكون صوتٌ خافت، خرج منه كأنّه تنهيدة دهشة:
“……جميل.”
رفعت سيرينا ببطء رأسها، لتتبع عينيه نحو السماء. بين الغيوم البنفسجية الداكنة، انبثقت خيوط ضوء مائلة، تخترق العتمة، ثم انسكبت ستارة من النور فوق جسديهما الممدّدين على الأرض. كان المشهد مهيبًا، كما لو أنّ السماء قد فَتَحت كنوزها أمامهما.
أرخى سيون ذراعيه أخيرًا، وأطلقها من حضنه. جلست سيرينا مسرعة، لكنه ما إن ابتعد عنها حتى باغتها فراغٌ مُرهِق، أشبه بانتزاع الدفء من صدرها.
‘أجننتِ يا سيرينا؟!‘
وبغتةً صَفعت وجنتيها لتستفيق من رعونة قلبها. غير أنّ حرارتها لم تخمد.
أمامها، كان سيون منحنياً يجمع الأصداف التي تناثرت على الرمال، يلتقطها بهدوء غريب. أسرعت لمعاونته، لكن عقلها ظلّ يتخبط: لماذا عانقني؟ أكان البرد؟ أم تأثرًا بكلامي حين قلت له إن البيت بيته؟ أم… لشيء أعمق لا أجرؤ على التفكير فيه؟
وأخيرًا، كسر هو الصمت بصوته الرزين:
“علّـميني… السباحة.”
شهقت خفيفة، ورفعت عينيها نحوه. كان على وجهه شبح ابتسامة باهتة، وعيناه المائية تتلألآن كالجوهرة التي أهداها لها يومًا. أحمرّت أطراف جفونه كأنه قد بكى. تلك الجملة وحدها بدّدت حرج الموقف، فانفرجت شفتاها عن ابتسامة عذبة:
“بكل سرور. سلّم نفسك لأمهر معلّمة سباحة!”
* * *
منذ اليوم التالي، بدأت السماء تُفرغ دلاءها بلا انقطاع. مواسم المطر حاصرت البحر، فتعذّر على سيرينا الغوص.
جلست في المكتبة، تُشرف على الصغيرة ماي وهي ترسم بمرحٍ لا ينضب بعدما حصلت على دفتر تلوين وألوان جديدة. أما سيون، فجلس قبالتهما بصمت، غارقًا في قراءة كتاب، مهابًا حتى وهو هادئ.
طرَقت الجدة جودين الباب برفق، ودخلت وهي تحمل حزمة مكسوّة بقطعة قماش لتقيها البلل:
“سيرينا، تعالي بسرعة إلى القرية. أوصلي هذا إلى السيدة ماريان وخذي الأجرة. وعدتُها أن يُسلّم اليوم.”
“أجل، حالًا يا جدتي.”
كانت تدرك أنّ المطر يرهق مفاصل العجوز، لذا نهضت بلا تردّد. التفتت إلى شِيـون:
“هل ترافقني؟”
رفعت حاجبيها برجاء، لعلّ المطر يُغريه. لكنه هزّ رأسه بهدوء.
قالت محاولة: “لن أُجبرك على زيارة الطبيب. فقط… مرافقة بسيطة، وربما نبتاع شيئًا من السوق.”
لكنه ظلّ ثابتًا، نظراته غائمة، وكأنّه غارق في همٍّ خفي. عندها عادت كلمات الأمس ترنّ في صدرها: سأغادر قريبًا، كما وعدت.
اقتربت منه وقالت بجدّية:
“سيون، لا تشعر بالعبء. بيتنا بيتك ما دمتَ بحاجة.”
أومأ بخفة، كمن لا يملك جوابًا آخر.
ارتدت سيرينا معطفها ورفعت قلنسوتها، وغادرت بخطوات متسارعة، يكاد يلاحقها القلق. قلبها ضاق وهي تتخيّل المسافة التي يُقيمها سيون بينها وبينه، كأنّه يستعدّ للرحيل.
ولحسن حظها، الشوارع بدت شبه خالية بسبب المطر. لم يعترضها أحد بأسئلة عن أحداث الأسبوع الماضي. سلّمت الحِزم إلى السيدة ماريان، قبضت أجرها، ثم همّت بالعودة.
لكن أصوات حوافر الخيل دوّت من بعيد، فالتفتت لترى مجموعة من الفرسان، يرتدون دروعًا وأردية تحمل شعار العائلة المالكة لكالستاين.
شهقت بذهول؛ فورًا تذكّرت القلادة ذات الشعار الملكي التي التقطتها على الساحل حين عثرت على سيون.
سمعت صوت قائدهم، شاب بشعر كستنائي، يأمر رجاله:
“تفرّقوا وابحثوا في أنحاء القرية. ريتن، خذ الغرب. هالتس، أنت الشرق.”
“أمرك!”
انطلقوا جماعات، يفتّشون البيوت والطرقات.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا يناديها من الخلف:
“سيرينا.”
التفتت، فرأت صاحب المطعم العجوز يلوّح لها، قبل أن يقترب منهم أحد الفرسان ويسأل بصرامة:
“نبحث عن شخص مفقود. هل رأيتِ شابًا ذا قامة طويلة، عينين زرقاوين، وشَعر أسود، حسن الطلعة؟”
ارتجف قلبها بقوة، وجفّت شفتاها. إنها صفات سيون بلا ريب!
لكن صاحب المطعم التقط ارتباكها بعينيه، فسارع ليهز رأسه:
“لا، لم أرَ مثل هذا.”
كذبة صغيرة أنقذت الموقف. انحنى الفارس شاكرًا، ثم رحل بخيبة. وما إن ابتعد حتى سلّم العجوز جريدة إلى سيرينا.
يدها المرتجفة فتحت الصفحة الأولى… لتقرأ العنوان الصاعق:
“الفرسان الملكيون في مهمة للعثور على الأمير المفقود… ويُرجّح أنه الأمير تاسيون من مملكة كالستاين.”
حبست سيرينا أنفاسها، فأضاف العجوز بصوت متردّد:
“سيرينا… الأمير المفقود هذا…”
قاطعت كلماته بصوت مبحوح:
“سأشرح لاحقًا.”
ثم هرولت تحت المطر، تاركة مظلّتها خلفها، قلبها يدوي كالرعد. كل الخيوط اجتمعت أمامها:
القلادة ذات الشعار الملكي، توقيت العثور على سيون، ملامحه المطابقة للأوصاف…
الصدمة تكاد تطيح بعقلها:
سيون… لم يكن غريبًا عاديًا.
إنه الأمير تاسيون، وريث مملكة كالستاين المفقود.
بأنفاسٍ مرتجفة، خفَضَت سيرينا بصرها إلى الصفحة الأولى من الصحيفة، فإذا بالعنوان العريض يصدح:
الفرسان الملكيّون يبحثون عن المفقود… ويُرجَّح أن يكون هو الأمير “تاسيون” من مملكة كالستاين.
ارتجف قلبها بشدّة، وسمعت خلفها صوت صاحب المطعم ينطق متردّدًا:
“سيرينا… الأمير الذي قيل إنه مفقود…”
لكنها قطعت كلماته بصوتٍ مضطرب:
“……سأشرح لاحقًا.”
وما إن أنهت عبارتها حتى أفلتت المظلّة من يدها، وانطلقت تعدو تحت وابل المطر.
عقلها يلهج بالدلائل التي تتزاحم كقطع لغزٍ أخير اكتمل: البندانت الملكي الذي عثرتُ عليه يوم أن أنقذتُه عند الساحل… توقيت اختفائه المتزامن مع العثور عليه… الملامح المطابقة تمامًا.
كلّ القرائن تشير إلى أن شيون لم يكن سوى الأمير تاسيون، وريث مملكة كالستاين.
كانت قد خطر لها يومًا، حين رأت ذلك البندانت المرصّع، أنه ربما ينتمي إلى الدماء الملكية. لكنّها سرعان ما طردت الفكرة من ذهنها، وعدّتها خيالًا واهنًا.
إلا أن الحقيقة الآن تومض أمام عينيها… لقد كان فعلًا… أميرًا.
ركضت سيرينا وسط الوحل حتى تلطّخت حذاؤها تمامًا، وما إن تراءى لها بيتها في الأفق حتى تباطأت خطواتها، وكأن أرضًا لزجة تشدّ قدميها للوراء.
في البداية، كان كل همّها أن تُخبِره بالحقيقة سريعًا. لكنّها شيئًا فشيئًا أدركت الواقع المرّ الذي يترصّدها بعد الاعتراف:
إن صارحته، فسوف يرحل ليعود إلى حياته الأصلية… هو ليس رجلًا عاديًا، بل أمير هذه البلاد. حتى وإن لم يشأ، سيُجبَر على العودة… وحينها، قد لا أراه مجددًا أبدًا.
تجسّد أمام ناظرَيها الفارق الهائل بينهما، كالسماء والأرض.
الأمير مكانه القصر في العاصمة، والعاصمة تبعد يومين كاملين من المسير بلا توقف. حتى لو كان البعد مسافةً فقط، فإن هوية سيون كأمير ستجعل لقاءهما بعد اليوم أمرًا مستحيلًا.
‘أنا لستُ من النبلاء… لا شيء في يدي يخولني حتى طلب رؤيته. بالكاد قد يُسمح لي بالمثول أمامه لحظة واحدة، كأي رعيّة أخرى.‘
ثقلٌ حارقٌ انغرس في صدرها، كأنها ابتلعت قطعةً من الرصاص الملتهب.
أية سخرية هذه؟ أن تحزن هكذا على فراق رجل لم يمضِ على لقائه سوى عشرة أيام! ومع ذلك، شعرت أنها عاجزة تمامًا عن احتمال هذا الرحيل المفاجئ.
وفجأة، فُتح باب المنزل. كان شيون يطلّ من المدخل، يناديها:
“لِمَ تقفين هناك؟ ألا تدخلين؟”
كان في هيئة بسيطة، لكنه مع ذلك يشعّ مهابةً ونورًا، كأن الدماء الملكية في عروقه لا يمكن أن تُخفى مهما حاول. عند تلك اللحظة، تلمّست بوضوح أنه أميرٌ بحق.
“سيون…”
حاولت أن تبدو ثابتة، لكن صوتها خرج مرتعشًا.
اقترب منها وهو يفتح مظلّته، وملامحه تنضح بشيءٍ من الانزعاج والقلق:
“ماذا جرى؟ وأين مظلّتك؟”
ثم مال بالمظلّة فوق رأسها ليحميها من المطر، وهي مبلّلة حتى العظم.
“الأمر أنّ…”
ترددت. الكلمات علِقت في حلقها، وهي تتمتم في داخلها باللوم:
لماذا أنتَ بالذات أمير؟ من بين كلّ الناس… لمَ كان لا بدّ أن تكون أميرًا؟‘
خطر لها للحظة أن تلتزم الصمت، أن تتظاهر بالجهل وتُخفيه بعيدًا في كهفٍ ما، بعيدًا عن أعين الفرسان الباحثين عنه.
لو أنكرت معرفتها به حين يطرقون بابهم، ربما يرحلون إلى مكان آخر ويتركونه وشأنه. صحيح أن الحقيقة ستنكشف عاجلًا أم آجلًا، لكن… هكذا ستحظى بوقتٍ أطول بجانبه.
ابتسمت بسخرية مرة وهي تدرك أنها لن تفعل.
‘لا أستطيع أن أعيش بالكذب… لا معك، يا سيون.‘
أخذت نفسًا عميقًا، أغمضت عينيها، ثم نطقت أخيرًا بنبرة هادئة على غير ما يجتاح قلبها من عاصفة:
“……سيون، الفرسان الملكيون في القرية يبحثون عن الأمير المفقود من مملكة كالستاين.”
ارتجف جسده حين سمع كلماتها.
تابعت بصوتٍ يقطعه الألم:
“وأنا أظنّ… أنّك أنتَ، ذلك الأمير.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"