ضحك روكشان، فقد فهم الآن لمَ كان الفتى يعجبه كثيراً فقد كان يشبهه وكانت دماؤه تسري في عروق هذا الفتى… لكن كانت هناك مشكلة وهي أن الفتى لم يعد تحت يديه، تنهد روكشان وقال..
” لمَ لا تعود في صفي وسوف أتغاضى عما فعله الإمبراطور…”
” هل هذا تهديد لرجل على حافة الانهيار؟ هل تعتقد أني سأقبل الأمر… إن جلالة الإمبراطور، أقوى من أي وقت مضى… خسارتك وشيكة سيدي القديس الأعظم..”
” أنا لا أهدد، أريد كسبك لصفي يا إيفان وسوف أعود للوراء مع شعبي…”
” ولمَ تريدني؟!”
” واجبي الأخير كأب…”
هنا كاد إيفان يسقط من السرير من الضحك حتى دمعت عيناه حقاً، وبعد أن استجمع نفسه من الضحك نظر لروكشان الذي شعر أن إيفان الآن يسخر منه..
” أب؟”
” هل تقلب كلماتي عليّ؟! … يا لك من انتهازي… “
مسح الضحك من وجهه وتكلم بنبرة جليدية تشل الأطراف:
” أنت لا تعلم، لكن أظن أنك أصبحت على الحافة حقاً… لا تحاول التشبث… سوف تسقط قريباً… ستيف روكشان..”
وقف إيفان متوجهاً نحو الباب وقبل أن يخرج قال بهدوء:
” ما زلت أؤمن بالله، ليس الإله الذي صنعته أنت وأمثالك، بل الإله الحقيقي، الذي أعطاني فرصة…”
كاد أن يخرج لكنه تذكر شيئاً أخيراً، مرر عينيه على الغرفة بشعور معقد، ثم أمسك بحافة الباب…
” توقفوا عن ارتداء ثوب الملائكة، أنتم مجرد شياطين جميلة المظهر من الخارج فقط…”
* * *
كان يجلس بهدوء في المكتب الواسع والأنيق، تحيط به جدران مكسوّة بخشب الجوز الداكن تتخللها رفوف ممتلئة بكتب جلدية عتيقة. أمامه يمتد سطح المكتب المصقول، تتوسطه خريطة باهتة الأطراف وريشة كتابة تستريح قرب محبرة كريستالية فاخرة، ومن النوافذ المقوسة تتسلل خيوط ضوء فضية عبر ستائر مخملية خمريّة، فتغمر المكان بضوء القمر الباهت، بينما تتدلى من السقف ثريا برونزية تنثر بريقها على كل زاوية، كأن الغرفة نفسها تهمس بأسرار السنوات الماضية وتفوح منها رائحة المجد والقوة…
نظر للساعة الرملية التي تشير إلى نهاية وقت انتظاره، فوقف وقبل أن يخرج من مكانه، دخل رجل في منتصف العمر بشعر بني داكن وعيون خضراء باردة، رفع رأسه بسخط ليرى ابنه الواقف بشموخ رغم فداحة ما فعله له، قبض الأب كفيه بقوة وتكلم من بين أسنانه:
” ما الذي فعلته يا إليوت؟!”
نظر إليوت بهدوء لوالده وابتسم ببرود وقال بنبرة ساخرة:
” لقد أديت واجبي كعائلة سيلاس… لمَ أنت منزعج يا ماركيز سيلاس؟”
تدفق دخان أسود من يد ألبين وقال بغضب:
” هل تخون والدك… يا إليوت؟!”
لقد كان شعوراً مألوفاً لإليوت، هذه الطاقة المشؤومة لقد شعر بها من قبل، شعر إليوت باختناق كلماته، لقد أراد إنكار الحقيقة والتصديق أن والده بريء وأنه لم يفعلها، لكنه رغم ذلك يعلم جيداً أن والده هو من فعل كل هذا…
” لمَ قتلت والدتي؟!”
” أنت ابن والدتك حقاً، أنت تفعل ما فعلته..”
” يبدو أني ابن بار جداً بوالدتي..”
لقد تكلم بطريقة ساخرة لكنه يعلم أن قلبه داخله يتمزق بعنف، لم يكن يريد أن يكون والده هكذا حقاً…
عندما كان صغيراً وسمع من بعض الأقارب أن والده رغم كونه أكبر من أخيه إلا أن الماركيز السابق لم يسلم لألبين اللقب لأنه غير كفء، ففكر ربما جده ظلم والده، ربما وربما…
لكن كل هذا كان كذبة، لقد كان والده وغداً جشعاً، لم يعامله كابن بل كأداة لتحقيق الكسب، عندما كان بحاجة لأب يحبه ويفهمه كان عمه موجوداً دائماً، لقد أخبره عمه أنه سوف يسلمه اللقب، حتى بعد ولادة آريانا، لم يشعر أنها ابنة عم مزعجة أخذت الحب منه، بل شعر أنها أخته التي يجب أن يحبها ويحميها…
كان يفعل في البداية كل شيء ليحبه عمه ويكون فخوراً به، لكنه بعدها أدرك أنه أيضاً شعر بالعاطفة تجاه أخته الصغيرة والبريئة والتي أدرك الآن أنه يهتم بها أكثر حتى من والده، الآن فهم إليوت ما يريد…
‘ سأختار أختي ‘
نظر ألبين لإليوت بعيون تشتعل بالجنون، تدفقت طاقة مشؤومة حول الغرفة التي تحولت للون الأسود، ابتلع إليوت ريقه وقبض كفيه بشدة، شعر بقلبه قد سقط من مكانه، لكنه حاول الثبات مصراً على أسنانه…
رغم اهتزاز عينيه وارتعاش أطرافه إلا أنه رفع رأسه وابتسم ببهوت:
” هل ستقتلني؟!”
” ما الذي تتوقعه؟!”
كانت الطاقة المظلمة قد انتشرت في جميع أنحاء المكتب، كان إليوت وألبين نقطة الضوء الوحيدة في الغرفة…
فكر إليوت مهما كانت قوته الجسدية فهو غير قادر على مواجهته حقاً، لقد كان والده ينوي قتله حقاً، ارتجف فكه وأطلق ضحكة تهكمية، هل تأمل شيئاً من وحش..
تراجع عدة خطوات وهو يشعر بقلبه في حلقه وما زال يضحك، أمسك بقلبه لكنه شعر بساعة الجيب التي كانت في سترته…
[” إذا احتجت للمساعدة سأكون موجوداً “]
أخذ نفساً عميقاً فهو لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله، لكنه قبض بقوة على الساعة وفكر عميقاً يجب أن يجد حلاً، لكنه شعر بوجود فجوة صغيرة غريبة في الساعة عندما مرر أصبعه الخنصر فيها انطلقت شرارة حوله…
سيبلاش!!!
التفت إليوت حوله ووجد شخصين يعرفهما جيداً، شعر أشقر قمحي وعيون زرقاء مائية والآخر شعر ذهبي وعيون بنفسجية فاتحة، رغم أنهما ينتميان لفرسان الإمبراطور إلا أن وجودهما معاً كان غريباً…
نظر براين بهدوء كعادته لكايين وهو يتكلم مع إليوت:
” سيدي الماركيز الشاب يرجى التراجع للخلف…”
تراجع إليوت تلقائياً فالشخصان اللذان أمامه أحدهما أقوى سياف في الإمبراطورية والقائد السابق لفرسان الإمبراطور والثاني فارس سحري من الدرجة الرفيعة والقائد الحالي لفرسان الإمبراطور، فمهما كانت قوته البدنية ستكون لا شيء بل سيكون عائقاً لهما…
نظر ألبين لبراين وكايين وقال بسخرية:
” لم أتوقع أن يكون الإمبراطور متورطاً في هذا…”
” ستموت يا ألبين سيلاس… والليلة”
كانت كلمة قيلت بكل قسوة من فم كايين، نظر براين له ثم لألبين..
[” مهمتك هي دعم الكونت سيروس، هذه مهمته الأخيرة تحت قيادتي، ثم تصبح رسمياً قائد فرسان الإمبراطور… وأيضاً… ما يقال أو يحدث هناك، هو سر ستحتفظ به في أعماقك حتى وفاتك “]
‘ لمَ رفض جلالته أن يناقشني في الأمر أكثر؟!’
سحب براين سيفه وأشار لكايين أنه مستعد لدعمه، اشتد الغضب في ملامح كايين وأشهر عن سيفه، فلم يكن سيفه المعتاد بل سيفاً مميزاً بنصل أبيض شفاف وهالة ناعمة ودافئة…
ضحك ألبين بسخرية وقال:
” هل بظنك لو استخدمت سيف التنين المقدس ستهزمني؟! يبدو أن الإمبراطور يولي صديقه الكثير من الاهتمام…”
لم يهتم كايين لكلمات ألبين بل انطلق بضربة كادت أن تقسم ألبين نصفين لو لم يتراجع في اللحظة المناسبة، تجمد الدم في عروق ألبين عندما شعر أن هذا الرجل جاء بغية قتله لا غير، لكنه ضحك بسخرية…
” ألا يجب أن تقتل الإمبراطور الذي قتل عائلتك، ليس أنا…”
” اصمت أيها الخائن…”
كان الغضب قد تجاوز حدوده في عيون كايين مما خلق فرصة لألبين لاستفزازه…
” تعجز عن قتل القاتل فتأتي لي، يا لك من جبان…”
كان كايين يضرب وألبين يحمي نفسه بقوته المظلمة فيتحرك بسرعة حتى لا تصل إليه ضربات كايين، لأن السحر الأسود هو سحر من الجحيم وعدوه هي الطاقة المقدسة، فضربة واحدة من السيف قد تمزق الحماية التي صنعها حوله، فما بالك بضربة من أقوى سياف…
كان هجوماً من جانب واحد كايين يضرب بغضب وألبين يستفزه ويتحرك حتى يحمي نفسه، أما المكتب الباهظ فقد تحول إلى قمامة لا قيمة لها، وأما خارج المكتب فلا أحد يعلم ما الذي يحدث داخله بسبب سحر العزل الذي قام به ألبين مسبقاً للتحقيق مع إليوت وقتله…
” هل ستظل تلوح كالأحمق بهذا السيف؟ أظن أن الإمبراطور خدعك وأعطاك سيفاً مزيفاً..”
شعر براين هذه المرة بالغضب وكاد يطلق هجوماً هوائياً، لكن إليوت أمسك بكتفه وقال بهمس:
” لا أعلم ما الذي حدث للكونت سيروس، لكن هناك غضب كبير وصراع عميق يجري في قلبه… إن تدخلنا سنفسد كل شيء..”
تراجع براين خطوة ونظر لكايين الذي توقف عن ضرب ألبين ووقف باعتدال ما جعل ألبين يضحك بانتصار ويكشر عن أنيابه…
” لمَ لا أجعل هذا المكان مقبرة لكلاب الإمبراطور…”
فهم كايين مقصد ألبين عندما رأى إليوت يقف في نهاية الغرفة، وأمامه براين…
تنفس بعمق وقال بهدوء:
” ما شعورك وأنت ستقتل بسبب نسلك؟!”
” من سيقتل مَن …هاها …سوف أقتل الابن الخائن، لا استثناء… ستقتلون أنتم الثلاثة هنا..”
” يا لك من أب شرير…”
شعر براين وإليوت بتغيير الجو حولهما، فقد تغيرت هالة كايين وحمل سيفه بطريقة مغايرة وانطلق بلمحة نحو ألبين الذي في لحظة حشد أكبر قدر من الطاقة المظلمة حوله لحمايته، فتمزقت وبالكاد استطاع تجنب سيف كايين..
شعر ألبين بالأزمة بعد أن تغيرت وتيرة هجوم كايين فقام بنشر الطاقة المسمومة في جميع أنحاء الغرفة، نظر براين لإليوت ثم كايين الذي شعر بالأزمة، فقال بتروٍ:
” لن نعيق القائد… أكمل المهمة”
نظر كايين بهدوء لإليوت والذي رغم ظهور أثر التسمم إلا أنه ظل يراقب بنظرات جليدية، أعاد كايين نظره لألبين الذي يضحك كرجل فقد عقله تماماً وقبض بقوة على السيف الذي وفر له الحماية من الطاقة المسمومة…
اقترب براين من إليوت وأعطاه جرعة سحرية وقلادة غريبة الشكل، ما أن أمسك بها حتى ابتعد السم في المكان حوله والجرعة التي شربها أعادت لون بشرته الذي كان يتحول للأزرق والبنفسجي من التسمم… كان موقف إليوت هادئاً رغم مواجهة هذا، لكنه سأل بنوع من القلق:
” هل سيصل هذا لسكان القصر؟!”
” لا أعلم أهي نعمة أم نقمة، ولكن الماركيز قام بعزلنا في هذا المكتب، لا نستطيع الخروج ولا يستطيع أحد الدخول.. أعتقد أن تأثير السم لن يصل لهم”
تنفس إليوت الصعداء ثم قال بنبرة محايدة:
” لننتهِ من الأمر ثم لنتحقق من حالة الجميع..”
لم ينطق براين بحرف بل عاد بنظره لكايين الذي يقاتل ألبين..
* * *
في مكان ما، لقد كانت الغرفة مظلمة بشدة رغم اكتمال القمر، لكن الستائر السميكة ترفض تسلل نقطة ضوء واحدة، وكأن العالم يتفق على أن هذا القلب قد تعفن من الظلام…
_” ما التالي؟!”
همس صوت صغير بداخل هذا الظلام، صوت لم يكن بشرياً، لكن بمجرد سماعه ستشعر كأن الصقيع طال كل أوصالك وأن روحك بدأت تشحب وتختفي…
” طاقة قوية جداً، ستحبها كثيراً…”
كان الصوت العميق الذي يعلن بإخلاص لسيده عن مبتغاه، فهمهم الصوت برضى فهذا الخادم لم يتوانَ في إرضائه..
_”هممم، ما هي رغبتك هذه المرة؟!”
ابتسم الخادم بجشع خالص وقال بتأمل وعيون مفتونة:
” الشيء الذي يحرك هذه اللعبة، مهما حاولت لم أعرفه..”
اشتعلت شرارة أرجوانية لكنها معتمة وكشفت عن أنياب حادة ووجه بشع لا يشبه أي وحش بل هو خليط بين إنسان مشوه ووحش مخيف…
_”ما تطلبه هو مخاطرة… كائن تنقل في هذا العالم وولد من الرغبة، ليست المهمة سهلة فهناك من يعرف نواياك… يا ستيف”
شعر ستيف بالدهشة، ظن للحظة أنه مجرد حظ في يد الإمبراطور الحالي، لكن صدمته بأن هناك شيئاً أكثر قوة كانت أكبر مما تخيل…
” سيدي والحل؟”
_” لحظك الجيد أنني أريده أيضاً… سوف أساعدك”
كانت حيرة ستيف نفسها قد زادت، فما حاجة سيده الوحش الذي لا يقهر والذي استطاع الاختباء في كاسيان لما يزيد عن ثلاثين عاماً ولم يجده أحد، لكائن متنقل في هذا العالم..
” سوف أحضر رأس هذا الكائن… فقط أعطني الإشارة…”
_” لا أريد رأسها بل أريدها حية”
التفت ستيف لسيده القابع بالظلام وشعر بحيرة، كانت نبرة سيده فيها متعة، فانحنى وقال:
” أمرك سيدي…”
غادر ستيف روكشان تلك الغرفة، ما أن غادر حتى أضيئت الغرفة بالكامل بضوء أرجواني معتم وظهر الوحش الذي يتربع على كرسي من الذهب المصقول بجسد غريب قدمين ويدين لكنهما أطول من الطبيعي ووجه بعيون دائرية وفم بأسنان ضخمة وحادة بدون شفتين وأذني وطواط وبشرة شاحبة وشعر كالذهب، كانت غرفة فاخرة لوحش مخيف… لكنه بدا لا يهتم لها…
* * *
كان قتالاً شديداً بين ألبين وكايين، فعلى الرغم من أن ألبين قد تعدى الخمسين من العمر إلا أنه يقاتل ببراعة ما أدهش إليوت حقاً، لكن خصمه كان كايين؛ الرجل الذي لم يخسر قط..
نظر إليوت لبراين الذي يبدو في أشد حالته من التوتر والقلق ثم إلى كايين الذي يبدو غاضباً بشكل مخيف، وعندما نظر لوالده علم أن ما يبقيه واقفاً حتى الآن هو الكم الكبير من سحره المظلم…
‘ كم روحاً أزهقتها يا أبي؟…’
” ألبين سيلاس…. لقد تم قبول طلبي من الإمبراطور وأصبحت رسمياً الماركيز ويحق لي سحب كل شيء منك..”
نظر براين بحيرة لإليوت الذي قال كلمات لا معنى لها في أثناء قتال شرس، لكنه دهش عند ردة فعل ألبين الذي تجمد في مكانه وقال بغضب…
” ما الذي تهذي به؟!”
أبعد إليوت براين وتحرك تجاه ألبين بهدوء وهو يخرج حزمة أوراق من جيب سترته وأظهرها لوالده…
” هذه هي الوثائق، يمكنك التأكد من ختم الإمبراطور”
ما أن طارت الوثائق ليد ألبين وقرأها حتى انبعثت منه طاقة مجنونة، ابتسم إليوت في وجه والده بحزن…
” لقد خسر والدي، حتى لو مت هنا… لن يهتم لك أحد…”
نظر كايين لبراين في لحظة ثم لإليوت واستوعب أن المسافة الصغيرة التي تفصل بين ألبين وإليوت هي مسافة قاتلة جداً…
‘ المجنون! … سوف يضحي بنفسه ‘
في جزء من الثانية تحرك كايين وبراين في نفس اللحظة التي أطلق فيها ألبين هجوماً شرساً تجاه إليوت..
كلاااااش!!!!!!
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 39"