كان رافائيل مصدوماً وعاجزاً عن الكلام، هل يمزح معه أم أن صديقه أصيب في رأسه؟ إذا خانه حقاً فهل يواسي صديقه أم يقتل الخائن؟ الرجل الذي أمامه يبدو متعذباً أكثر منه. ألم يقم بخيانته كما قال؟ لِمَ يبدو كأنه هو من تعرض للخيانة؟ لِمَ يبدو محطماً جداً ويتعذب؟ هذا الرجل هو صديقه… لقد كانوا مع بعضهم لسنوات طويلة. إذا خانه فمنذ متى؟! هل خانه منذ البداية أم أنه تم إغراؤه؟ هل صديقه ضعيف لأجل المال أم كان جشعاً لشيء آخر؟! …. لو أخبره بما يريد سوف يعطيه ما يرغب، لكن صديقه طعنه… حاول بشدة أن يخرج الكلمات وهو يسمع أنين صديقه المتعذب، فقال بأطول جملة استطاع حشدها:
” منذ متى؟! “
” منذ عام تقريباً “
توقع أنه لن يسمع جواباً، لكن الصوت المتكسر خرج من كايين الذي لم يغير من وضعه، فاستطاع أن يسأل مجدداً بصوت وقبضة تهتز بحزن وغضب وشعور بائس:
” لِمَ؟! “
” لقد خنتني أولاً، يا رافائيل “
لم يفهم رافائيل الأمر، فقرر الجلوس على الأرض أمام كايين، فقد شعر أن ساقيه محطمتان؛ شعور لم يشعر به أبداً. ما الذي جعل صديقه يقول هذه الكلمات؟ ما الجرم الذي قام به؟
” بماذا خنتك؟ “
” أخذت مني كل شيء؛ أطرت والدي وقتلت أختي وأمي، لقد قمت بتنفيذ الإعدام على عائلتي بدون محاكمة “
” ما الذي تهذي به؟! أي عائلة؟! “
شعر رافائيل بصدمة فتكلم بصوت مكتوم مدافعاً عن نفسه. هل فقد كايين عقله؟ كان يعلم أن كايين يتيم تم إرساله للفرسان الإمبراطوريين قبل عشر سنوات عندما ظهرت مهاراته الفريدة من نوعها، ففكر عن أي عائلة يتكلم؟
” الماركيز بوريس، مارك بوريس “
” لم يكن لديه غير لورا، كيف؟ “
شعر رافائيل بصدمة أقوى من سابقتها؛ فمارك بوريس كان لديه ابن واحد ومات عندما كان رضيعاً، كيف يكون حياً؟ أما كايين فقد شعر بشيء غريب، لِمَ نطق رافائيل اسم أخته بشكل يبدو ودياً؟ لكنه جلس ونظر بعيون محمرة:
” كنا توأماً، كلنا كنا مرضى لكن مرضي كان أشد وتم إرسالي لمنطقة بعيدة للعلاج وعندما عدت كنت في الثامنة، كان أخي التوأم قد مات، أخبرني والدي أن لا أخبر أحداً بهويتي ووضعني في دار للأيتام. كنت متحيراً لم أفهم لكنني كنت أزور عائلتي باستمرار، كنت أعرف أختي وأمي حتى انضممت للفرسان في سن السادسة عشرة. قام والدي بإرسال أختي للريف بحجة التعلم، وطلب مني أن أشدد على سري أكثر وأكثر…. لقد كنت أرى والدي أمامي لكنني كنت عاجزاً عن مناداته، لم أفهم السبب حتى بعد موته. لقد تم إخباري أنه كان يحميني، لقد اتهم والدي بالخيانة لكنه كان بريئاً، لم يسمم والدي الإمبراطور، لقد قمت بملاحقة أمي وأختي وذهبت لإعدامهما، أنت. …”
” هل مَن أخبرك بذلك هو المعبد؟! “
“…”
كان كايين يتكلم بصوت محترق كطفل صغير يشتكي من الألم، لكن رافائيل قاطعه مما جعله غير قادر على الكلام. وقف رافائيل ونفض الغبار عنه وفرقع أصبعيه كالعادة وظهرت ورقة بحجم الكف، وبهدوء مدها لكايين الذي أخذها بحيرة.
[ إمبراطورية تيرانوف، العاصمة كانتا، شارع روكسا، المنزل رقم 27 ]
” اذهب إلى هناك وستفهم كل شيء “
“…؟! “
” ولا ترني وجهك يا صديقي “
استدار رافائيل وتحرك باتجاه القصر بخطوات ثقيلة ومتعبة جعلت كايين يتصدع أكثر منه، نظر للورقة مرة أخرى ثم وقف بشعور تائه وغير مستقر…
* * *
” هل كنتِ تعلمين؟! “
شعرت آريانا بالصدمة فهي لم تسمع صوت الباب حتى، فاقتربت من رافائيل ووضعت يدها على كتفه المصاب لكنه هز رأسه بالنفي.
” لست متضرراً بشدة “
وضع يده على كتفه وشفيت بسرعة حتى لا تقلق، ثم نظر لها بنظرات متألمة، شعرت آريانا بتأنيب الضمير.
” لم أستطع إخبارك، أنا آسفة “
” ليس خطأكِ… بل…”
وضع جبهته على كتفها وقال بصوت محطم وانقطع صوته من الاختناق، ربتت آريانا على كتفه وقلبها محطم إلى ألف قطعة، كيف لهذا الرجل القوي أن يتحطم هكذا…
” آيا هل يمكنني أن أبقى هنا الليلة؟ “
” يمكنك ذلك “
قاد آريانا للأريكة الواسعة وجعلها تجلس عليها ووضع رأسه في حجرها، وبدون أن يتكلم بدأت تمسد شعره بشعور معقد، كان انكساره مؤلماً لقلبها، شعرت بالعجز، لو كان بمقدورها لأخذت كل ألمه…
رفع رافائيل رأسه لينظر لها ثم أعاد إغماض عينيه وقال بصوت هادئ:
” لو كنت أعلم أن الأمور ستصل لهذا الحد، لكنت أخبرته بكل شيء قبل سبع سنوات “
* * *
… قبل سبع سنوات…
” لقد خسرت مجدداً… رافائيل، عليك الاعتراف أنا أفضل منك “
بعثر الشاب ذو الشعر الأشقر شعره بنشوة انتصاره وهو يتباهى أمام أصدقائه بفوزه كالعادة، وقف رافائيل ذو الثامنة عشرة بوجه أكثر حيوية وملامح ما زالت تحمل بعض البراءة والنقاء ورمى السيف جانباً وقال بغيظ:
” أنت سياف أنا ساحر “
” وأنا كاهن “
أتى الصوت الشقي من الخلف وهو يسخر منهما ويبتسم بوجه مغرور كعادته، وتجاهل الشاب ذو الشعر البرتقالي الناري الذي يشاهد باستمتاع، فقام كايين بإمساك إيفان البالغ من العمر خمسة عشر عاماً من رقبته وفرك قبضته في رأسه لمضايقته، اغتاظ الفتى ونظر بحقد لكايين وصرخ مطالباً بالمساعدة:
” سمو ولي العهد أنقذني من هذا الشيطان “
بحركة سلسة أصاب رافائيل طرف رداء كايين بالنار مما جعل كايين يتراجع لمحاولة إطفائها، فقام ليوبارد بصب الماء بالسحر بغزارة عليه حتى أغرقه تماماً، وقام رافائيل بسحب إيفان ليختبئ خلفه وينظر لكايين ويمد لسانه، فيحبط كايين:
” انظر لذلك الطفل إنه يتعمد إغاظتي، وأنت يا ليو هل تقف في صف هذا الشقي؟ أنتم مسحورون بهذا الطفل اللعين “
” أستمتع دائماً بالمشاهدة “
تكلم ليوبارد بلا مبالاة، وقال رافائيل معاتباً لكايين:
” وأنا أحب أن أشاهد الأمر، لكن إيفان ما زال طفلاً، ترأف به “
” إنه مخيف، طفل شرير “
ما زال إيفان يغيظ كايين من خلف رافائيل الذي كان يستمتع مع ليوبارد بحماقتهما، لطالما كان شجارهما عادة لا تنقطع، ثم انقطع صوت التدريب بوصول مارشال ومعه الماركيز بوريس.
” سمو ولي العهد جلالته يطلب حضورك، السيد الشاب راثان، الدوق راثان سيغادر الآن ويطلب مجيئك “
أومأ رافائيل وليوبارد بإيجاب، تكلم ليوبارد بخيبة:
” سأسبقكم، علينا العودة اليوم، أراك قريباً رافائيل، إيفان توقف عن لعب المقالب، كايين كن لطيفاً مع الصغير… “
” أراك قريباً ليو، وتعال لنتدرب في المرة القادمة “
نظر إيفان بغيظ لكايين ثم حيا ليوبارد بحماس، غادر ليوبارد ونظر رافائيل لهما بحزم:
” تصرفا جيداً في غيابي “
بعد أن التفت رافائيل للمغادرة نظر كلاهما لبعضهما البعض بنظرات تحدٍ حتى غادر رافائيل ساحة التدريب، فقال الماركيز بوريس:
” كاهن جيروم ما الذي أتى بك للقصر اليوم؟! “
” لقد أتيت مع البطريرك روكشان، لديه عمل مهم مع جلالته وأنا أنتظر هنا حتى يكملوا “
” حسناً، لا تسبب مشاكل… سير كايين أليس لديك عمل؟! “
” حسناً… أراك لاحقاً أيها الطفل الشقي “
تحرك الماركيز وخلفه كايين، ما إن ابتعدوا عن الساحة حتى تكلم الماركيز:
” كايين عليك التصرف بعقلانية، لا تفقد نفسك أمام أحد “
” حسناً أبي، لكن إلى متى سأستمر في إخفاء هويتي؟! “
” ما زال باكراً “
” حسناً، متى يمكنني رؤية أمي ولورا؟ “
” في خلال يومين سوف تعود والدتك وأختك للريف، يمكنك الذهاب لرؤيتهما قبل مغادرتهما “
” حسناً “
شعر كايين بالحماس، فمجرد رؤية أمه وأخته يجعله سعيداً، كان متحيراً لِمَ عليه عدم الكشف عن هويته، لِمَ والده أخفى حقيقة أن ابنه الثاني لم يمت، لكنه لطالما وثق في والده ولن يشكك في قراره، فذهب لقائده في الوحدة وأخبره أن عليه الذهاب لمكان معين، فسمح له القائد بالذهب كونه يعلم أنه صديق ولي العهد والأمير يثق به جداً…
* * *
” أبي هل طلبت حضوري؟! “
كان الإمبراطور يجلس على عرشه بعد خروج مرؤوسيه، لقد كان رجلاً قوياً بشعر فضي وعيون فضية متألقة وزخم اكتسبه على مر السنين، ابتسم وجهه الصارم لابنه بدفء؛ لطالما أحب ابنه الوحيد كما أحب زوجته الراحلة، لطالما شعر أن هذا الابن خليط من كليهما ما جعله أكثر ولعاً بابنه رغم إظهاره الحزم والصرامة أمامه…
” كيف كان تدريبك؟! “
” كالعادة ثلاث مرات فوز وخمسون خسارة، مهاراتي في السيف مريعة “
” عليك دمج قوتك السحرية مع قتالك بالسيف، يجب أن لا تعتمد فقط على السحر “
” أمرك يا صاحب الجلالة “
كانت نبرة رافائيل متحمسة وهو يسمع لكلمات والده، مما جعل الإمبراطور يكسر جموده كالعادة ويبتسم لهذا الابن الذي يحبه أكثر من كل شيء…
[” جلالتك إنهم ينوون فعل شيء قريباً، علينا الحذر “]
‘ سأموت قريباً على أي حال ‘
” راف، تعال إليّ “
تقدم الشاب من والده بابتسامة مشرقة وحيوية كالعادة، واقترب حتى أمسك والده يديه وقال بصوت قلق:
” بني، لا أعلم ما الذي يخفيه القدر لنا، لكن عليك الحذر من المعبد، إنها كلماتي التي لا يجب عليك نسيانها “
” أبي أنا أسمعك دائماً “
ربت الأب على خد ابنه بشعور من الفخر والدفء، وتنهد بعد تفكير وقال:
” أنا أثق جداً بالماركيز بوريس، إذا حدث شيء لي تكلم معه “
شعر رافائيل الشاب بالقلق لكنه أومأ لوالده بنعم، ثم أعطاه والده إذن الانصراف، لكنه شعر أن ليس عليه ذلك، ورغم ذلك انصرف ليغير ملابسه ويكمل مهامه كولي عهد، وفي تلك الليلة المشؤومة…
* * *
” لقد تعرض الإمبراطور للاغتيال “
بعد منتصف الليل اشتعلت الأضواء في جميع أنحاء القصر، لقد حدثت حالة طوارئ؛ لقد تم اغتيال الإمبراطور. رافائيل الذي استيقظ على أصوات القصر هرع بسرعة نحو غرفة والده ووجد والده محاطاً بالأطباء وحزبه، تجمدت قدماه للحظة لكنه اقترب من سرير الإمبراطور الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، عندما رأى وجه ابنه ابتسم وقال بصوت متقطع:
” على.. الأقل سأموت…. على نفس الفراش الذي ماتت عليه لوسيانا.. ألن تكون والدتكِ غاضبة إذا سمعت هذه الكلمات؟! “
هز رافائيل رأسه بنعم ودموعه تتساقط بدون صوت، ربت الإمبراطور على خد ابنه وقال بابتسامة حزينة وكلمات متقطعة:
” آسف لتركك تواجه كل هذا وحدك، لكن لا تنسَ كلماتي، احمِ هذه الإمبراطورية. … “
وقعت اليد التي ربتت على خد رافائيل وتدفق الدم من فم الإمبراطور كايليان دي كاسيان وتوقف النبض. ….
شعر رافائيل الشاب بتوقف الوقت وأن جميع حواسه تم شلها، لقد كان غائباً ومن حوله يتحركون بحالة استنفار تام، لقد قتل الإمبراطور، ستقع الإمبراطورية في حالة خراب…
بعد عودة رافائيل لحواسه صرخ فيهم بوجه صارم لا يشبه الفتى الشقي الذي كان يلعب المقالب مع أصدقائه هذا الصباح، فتجمد النبلاء والخدم، فتقدم رافائيل وهو ينظر لوجه والده الذي يبدو كأنه سوف يستيقظ في أي لحظة، أخذ نفساً عميقاً وقال:
” قيدوا الحركة في القصر، الدخول والخروج من القصر ممنوع “
انحنى المرؤوسون وبدأوا يتحركون على أوامر الإمبراطور الجديد، ترك رافائيل وحده مع جثمان والده، فقام بوضع قبلة وداع أخيرة على جبينه ثم نظر لمارشال الذي يقف أمام الباب فقال:
” احمِ جثمان والدي “
” أتبع أوامر صاحب الجلالة “
* * *
كان قد غادر منزل عائلته مسبقاً وقرر التجول قليلاً في العاصمة، وعندما وصل للقصر كان في حالة من الاستنفار التام، الأضواء مشتعلة والجنود يتحركون في كل مكان، وجد قائد وحدته فسأله:
” ماذا يحدث؟! “
” لقد تم اغتيال جلالة الإمبراطور، اذهب إلى سمو ولي العهد “
نظر القائد للفتى الذي وصل الآن وتنهد بصوت حزين مربتاً على كتف كايين المصدوم، لقد شعر بالألم لأجل صديقه فانطلق إليه ووجده قد تحرك لغرفة المساعدين، وعندما وجد الناس متجمهرة أمام الباب أمسك إحدى الخادمات التي تكلمت بقلق وتلعثم:
” الماركيز بوريس هو من اغتال الإمبراطور “
أراد أن يخبرها أنهم مخطئون، قام بدفع الجميع حتى وصل للمكتب الذي كان يقف فيه الماركيز والفرسان يمسكون به ورافائيل هادئ يضع سيف الإمبراطور في حزامه، قبل أن يتكلم بأي حرف نطق رافائيل:
” فكر في تصرفاتك يا ماركيز “
” لقد أخطأت وسوف أتقبل مصيري “
تحرك الجنود باتجاه الزنازين وهم أشبه بمن يدعم الماركيز، كان واضحاً أنه بالكاد قادر على الوقوف. نظر رافائيل لكايين الذي اكتسى وجهه بكل المشاعر المعقدة، تذكر كايين أن والده كان حريصاً على عدم كشف هويته فتمالك أعصابه واقترب من رافائيل وربت على كتفه، مما جعل رافائيل يمسك بكتفه كأنه يوصل له رسالة…
معناها: “أنا حزين، أحتاجك يا صديقي”
نظر كايين بمواساة لصديقه رغم مشاعره المعقدة…
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 35"